بين باطل السياسة، وحق التاريخ
محمد بلال أشمل
نشرت هذه المقالة في صحيفة "القدس العربي" اللندنية بتاريخ 13-09-2010 تحت عنوان " قضية مصرع الشاعر الإسباني "لوركا": عشر نقاط في سبيل تبيان "الحقيقة". ونعيد نشرها هاهنا بعنوانها الأصلي التماسا لفائدة ممكنة قد تظهر لقارئ حصيف.
ربما هي المرة الحادية عشرة بعد المائة التي أقرأ فيها أشياء عن الشاعر الإسباني "فدريكو غرسية لوركا"، ولا أستسيغها. يحدث ذلك إما بأخطاء يقترفها هذا الكاتب أو ذاك، حول حياة "شاعر في نيويورك"، أو بإعادة تكرار "كليشيهات" ما عادت تقنع الباحث الحصيف في أدب "لوركا"، وسياقاته الاجتماعية والسياسية؛ ومنها صلة "استشهاده" الغامضة بتاريخ الحرب الأهلية الإسبانية برمتها، أو بتقديم شطحات لا يستدعيها المقام حول شعره ونثره وحياته، أو ادعاء الفضل في تأسيس جمعية لصداقته في غيبة عن الوثائق والتاريخ، أو بالإقدام على مغامرة ترجمة نصوصه الشعرية ترجمة تحريفية...الخ.
لقد وجدت الناس مثلا يكتبون عن قضية اغتيال مؤلف "أعراس الدم" بكثير من اليسر، وبمقدار عظيم من اليقين؛ مع أنها قضية ما تزال محفوفة بكثير من الأسرار، ومحاطة بكثير من الطلاسم لدى أهلها الأقربين، فما بالك بالأبعدين. ومع ذلك وجدت بعض الناس يجرؤون على "الفتوى" فيها بما تهيأ لهم من قليل العلم، وإصدار "أحكام جاهزة" حولها بما توفر لهم من ضعيف النظر.
لقد صارت قضية اغتيال "لوركا" عام 1936، بالكيفية التي يعتقد فيها بعض الكتاب عندنا، من قبيل المقدمات المشهورة التي يقبلها كل الناس، ولكنها لا تستند على أي يقين، ولا تنبني على أي دليل سوى تخمينات مستقاة من هنا وهناك؛ كقول قائلهم إن "لوركا" قضى بأيدي "الفاشية الديكتاتورية"، وأن "الديكتاتور فرانكو أمر بقتله"، وأن "الجنرال إيميليو مولا" هو من أعطى الإشارة في "تعليماته المشهورة" بتصفيته مع نظرائه من "الجمهوريين"، و"الماسونيين"، و"الاشتراكيين"، و"الشيوعيين" من ملة "الروخوس"...بل إن أحدهم اجتهد وارتقى بـ"رويث ألونسو" من محض "واش" إلى "منفذ" لعملية الاغتيال. أما عائلة "روساليص" فهي دائما في "عين المدفع"، ويمكن أن تجد من الناس من يتطوع، فيتهم شاعرها "لويس" بضلوعه في عملية الاغتيال، أو يلومه على تخاذله في نجدة صديقه حتى يأخذ منه "إمارة الشعر" في إسبانيا.
قد نقبل ببعض الآراء التي "تجتهد" في السينما أو في الأدب حول اغتيال الشاعر الغرناطي؛ فتقدم لنا وجهات نظر "غير مقبولة"، وعلى حالها ذاك، تظل آراء طريفة، فائدتها أنها تشحذ الذهن، وتغني الخيال، كمثل نجاته من واقعة الاغتيال، واختفائه، وفقدانه الذاكرة، أو تعرضه للجنون...ولكن بعض "الفتاوى" التي يتقدم بها بعض الكتاب عن هذه القضية على سبيل "العلم" و"المعرفة"، تجعلنا مشدوهين أمام مبلغ هذا الادعاء، ومنتهى هذه الجرأة في إصدار أحكام هي في حكم الغيب السياسي، وصمت اٍلأرشيف العسكري.
ولعل اللازمة التي أطلقها أهل "إسبانيا الوطنية" في حينها، وكررها من بعدهم طائفة من الكتاب العرب والأجانب، أن "لوركا لم يكن مسيسا". يقولون ذلك ويعيدونه حتى يجعلوا دمه في رقبة شرذمة من "المثليين" كانت لديه معهم صراعات حول "متع دنيوية"؛ لكي يبرروا، من ثم، مسؤولية اغتياله من لدن "عناصر غير مضبوطة"، استغلت فوضى الأيام الأولى من التمرد العسكري على الشرعية الجمهورية، فانتقمت ممن كان ينازعها صداقات حميمية كانت في وقت من الأوقات محرمة، مثل صداقته مع "دالي"، أو مع "فيرناندو دي لوس ريوس"، حتى لا أقول مع "خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا"، كما كان يعيب عليه أحدهم، انتقاصا من قدره، ومن قدر مؤسس "الفلانخي".
لقد قضى باحث إنجليزي مرموق يعنى بالشؤون الإسبانية اسمه "إيـان جيبسون" (1939- ) حياته في دحض هذه الأطروحة. والرجل ليس بالنكرة في مجال اشتغاله، حتى لا نحمل شهادته على محمل الصدق، بل هو "سلطة" فيما يتصل بكل هذا الزخم المتصل بمصرع لوركا، ومختلف المعاني التي تلبسها اغتياله الدرامي. ففي كتابه "جريمة قتل غرسية لوركا" الصادر عام 1979 –بين يدي الطبعة الصادرة عام 1985- يخصص المؤلف فصله الأول لأطروحة "عدم تسيس لوركا" (ص13-41)، فيبرهن على تهافتها، ويدلل على ضعف سندها، منتهيا إلى أن الموقف السياسي لهذا الشاعر كان قريبا من الاشتراكية الليبرالية، وإن لم يكن صريح الانتماء إلى أي حزب سياسي محدد، وأن وضعه كابن لعائلة مرفهة تعي الامتيازات العظيمة التي هيأتها لها وضعيتها المريحة ماديا، يجعله متضامنا مع ضحايا الظلم الاجتماعي منذ أعماله الأدبية الأولى، ومن ثم يجعله رجلا لليسار، ومتعاطفا مع الجبهة الشعبية، وعدوا لدودا للفاشية (ص 40-41).
كما يحشد المؤلف ثمانية عشرة وثيقة في ملحقات الكتاب، تنهض جميعها دليلا على تهافت ذلك الادعاء وانهياره. ولكي أوضح المسألة قليلا، أحب أن أقف عند عشر منها، أقدر أنها كافية لبيان المقصود من تهافت زعم "عدم تسيس لوركا" كما يعتقد فيه الكثير من الناس عندنا في سياق هذا التنادي المطرد بـ"الذاكرة التاريخية"، الذي يحركه باطل السياسة، أكثر مما يحركه حق التاريخ.
الوثيقة الأولى عبارة عن "رسالة" موجهة إلى الفيلسوف الإسباني "خوسي أورتيغا إي غاسيت" موقعة في أبريل عام 1929 من لدن ثلة من الكتاب، وفيهم الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ يصرحون في ديباجتها بنيتهم في "تأسيس جماعة ذات طبيعة سياسية، وإيديولوجيا رحبة داخل أفق للحرية، وبطريقة متفردة ذات نغمة ودلالة ثقافيتين" من أجل الخروج من حالة "اللاتسيس"، و"الانعزال"، و"اللامبالاة" تجاه "القضايا الجوهرية" للشعب الإسباني، والحاجة إلى تحديد "موقفهم السياسي" منها اعتقادا منهم أن "السياسة مقصد جوهري للفكر، ومنزلة مهمة في مجال الثقافة" (ص327). ولذلك يستشيرون صاحب "تمرد الجماهير"، ويستنصحوه، ويستنصروه، باعتباره وجها متميزا من الوجوه "الجديدة" في إسبانيا، وصاحب فضائل عظيمة يسلكونها في عداد الندرة والفرادة (ص328).
الوثيقة الثانية "بيان جمعية أصدقاء الاتحاد السوفياتي" الذي وقعه عام 1932 طائفة من المثقفين، والكتاب، والمهندسين، والأطباء، والمحامين ذوي الهوى "السوفياتي"، وفيهم بطبيعة الحال، "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ الذي سرق فتيان "اللجان الوطنية النقابية الهجومية" بطاقة عضويته في الجمعية المذكورة يوم 14 يوليوز 1933 (ص18). ولم يكن لدى الموقعين على البيان "أي برنامج أو شعار سوى الصدع بالحق، أو الإعانة على الصدع بالحق، فيما يتصل بالاتحاد السوفياتي؛ وذلك عبر اصطناع سلاح الحقيقة، لدحر الكذب، والافتراء، والتشويه" (ص 332).
الوثيقة الثالثة "بيان حول ألمانيا هتلر لصالح رفاقنا"؛ الذي سجل فيه ثلة من الكتاب عام 1933، وفي مقدمتهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، احتجاجهم على "البربرية الفاشية التي تسجن الكتاب الألمان" (ص334).
الوثيقة الرابعة عبارة عن نص يتضمن نقدا كتائبيا عام 1934 لجمعية المسرح الجامعي الكلاسيكي المتنقل "المسماة بـ"البراكة"؛ يتعرض فيها صاحبها، فيما يتعرض، إلى طلبتها وعمالها -وفيهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا" الذي لا يذكره باسمه- الذين "يتحركون في المياه العكرة والموحلة لماركسية يهودية" (ص337).
الوثيقة الخامسة، مقالة في صحيفة "أ،ب،ث" الإسبانية (الطبعة الإشبيلية ليوم 6 يونيو 1937) بعنوان "حالة تيسبيس" (ص 337-338) التي يتعرض فيها صاحبها بأبخس النعوت، في عز الحرب الأهلية الإسبانية، لـ"براكة" اليهودي "فرناندو دي لوس ريوس" صديق "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا".
الوثيقة الخامسة "بيان إلى الرأي العام حول محاكمة مانويل أثانيا" وقعه العديد من المثقفين والمفكرين والكتاب، وفيهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ للتعبير عن قلقهم وشعورهم بالمرارة تجاه المحاكمة التي طالت أبرز رجال السياسة في إسبانيا الثلاثينات، من منطلق أن لديهم مع الرجل "صلات إيديولوجية، وإن لم يكونوا من شيعته السياسية، ولا مرتبطين به بأية مصلحة كيفما كان نوعها" (ص339).
الوثيقة السادسة بيان لدعم "شعب إثيوبيا" نشر في "يومية مدريد" يوم 9 نوفمبر 1935 بعنوان "المثقفون والسلام"، احتجاجا على ما لحق هذا الشعب من عنت وظلم؛ ووقعه تسعة من المثقفين، من بينهم الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، دعوا فيه مواطنيهم إلى دعم أثيوبيا وسائر الشعوب، حينما يتم "تجاهل حقوقها في الحياة والحرية" (ص 342).
الوثيقة السابعة تنظيم "حفل تكريم شعبي لمارية تيريسا ليون ورفائيل ألبرتي" بمناسبة عودتهما من رحلة طويلة إلى أوروبا وأمريكا، من لدن مجموعة من الأصدقاء والمعجبين بالمحتفى بهما، وفيهم صديقهما "فدريكو غرسية لوركا"؛ الذي ارتجل كلمة ترحيب حارة يومئذ و"قرأ بيانا قويا للانتلجنسيا الإسبانية سيرسل بعد ذلك إلى المسؤولين بعد الفراغ من توقيعه" (ص344). ومن المعلوم أن هذا الحفل تم عقب المهرجان الخطابي للجبهة الشعبية في "مقهى ناسيونال" بمدريد، حيث أراد له منظموه أن تشع فيه "المودة" وحدها (ص343).
الوثيقة الثامنة "بيان الاتحاد العالمي من أجل السلام"؛ الذي أثمرته تحركات "المجلس الإسباني الدائم للاتحاد الدولي من أجل السلام"، والمكون من مجموعة من المثقفين والسياسيين أمثال "أنخيل أوسوريو"، و"مانويل أثانيا"، و"تيوفيلو إيرناندو"، و"أنطونيو ماشادو"، و"خوليو ألفاريز ديل الفايو"، ووقعه نخبة من ممثلي الحياة العقلية والسياسية والفنية الإسبانية، ومن بينهم "الكاتب الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، دعما لما يبذله الاتحاد من جهد من أجل تفادي حدوث حرب عالمية ثانية (ص345).
الوثيقة التاسعة "المهرجان الخطابي لدعم المعادين للفاشية في البرازيل"؛ الذي نظم في "دار الشعب" خلال مارس 1936، وشارك فيه الشاعر "فدريكو غرسية لوركا"، إلى جانب "الشاعر الثوري" "رفائيل ألبرتي"، وخطباء آخرين، بقصائد صفق لها الجمهور بحماس، واستزاداهما بعضا منها (ص349).
الوثيقة العاشرة "بيان من أجل إطلاق سراح بريستيس وضد القمع في بويرطو ريكو" في مارس 1936، يعلن فيه الموقعون عن احتجاجهم عما يدبر من تصفية زعيم الثورة البرازيلية "لويس كارلوس بريستيس". البيان المذكور وقعه، مباشرة في اللائحة بعد "لويس أراكيستان"، "فدريكو غرسية لوركا"، إلى جانب ممثلي الحياة الأدبية والفكرية والسياسية في اسبانيا. وخلال التوقيع، تم "التغني بنشيد الأممية وغيرها من الشعارات البروليتارية"، كما نشرت ذلك صحيفة "الليبرالي" ليوم 29 مارس 1936 (ص351).
إلى جانب هذه الوثائق التي حشدها "إيان جيبسون" في كتابه، هناك العديد من الأدلة والبراهين المبثوثة في متن الكتاب، وكلها تنهض دليلا على تهافت أطروحة "عدم تسيس لوركا"؛ فهل يستقيم بعد هذا القول بـ"عدم تسيس" الرجل" هو الذي سخر من "الحرس المدني" "الذي يزرع الحرائق" في مدينة الغجر، وصوّر القيم المحافظة في مسرحيته "يرما"، و"بيت برناندا ألبا" و"أعراس الدم"، وانطوت أشعاره، منذ ديوانه "شاعر في نيويورك"، على العناية بالمشاكل السياسية والاجتماعية، وأظهر اعتراضه على "إسبانيا الرسمية" التي توالي المحافظة، وتقدس "إيسابيلا الكاثوليكية"، وتخلص لتراث "محاكم التفتيش"؟ هل بعد الدراسات القيمة التي أنجزتها الباحثة المعتنية بالشأن الإسباني "ماري لافرانك" حول الالتزام الاجتماعي للوركا (ص40) يظل من ريب في أن الرجل لم يكن من الذين يعتقدون في "الفن من أجل الفن" كما لاحظت صحيفة كوبية، وقد احتفت بزيارته إلى كوبا؟ (ص15).
أكان سيكون معقولا أن يغتال "لوركا"، وهو من هو في الحياة الأدبية لغرناطة، وعموم إسبانيا، دون "تهمة" مع "فوضويين" اثنين، ومعلم صاحب هوى يساري، في وقت كانت فيه شبهة الذهاب إلى "بيت الشعب"، كافية لتثبيت الحكم بالإدانة على صاحبها، ومن ثم الذهاب به إلى "نزهة" لا يعود منها أبدا؟
تطاون العامرة
achmobi@yahoo.es