تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
هل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة لعام 2009، وضعت "الجمعية الفلسفية التطوانية" برنامجا احتفاليا حافلا بالمحاضرات والندوات والمعارض (صور الفلاسفة المغاربة والأجانب تحت شعار "من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء") وحلقات نقاش (أي فكر مغربي مستقبلي) كان مدارها حول "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". وحسب فقرات هذا البرنامج، فقد احتضنت مؤسسة الرازي للتعليم الخصوصي بتطوان يوم الخميس 19 نوفمبر 2009 على الساعة الرابعة عصرا حفل افتتاح هذه الدورة بحضور جمهرة من المثقفين والأساتذة والتلاميذ والمواطنين حيث تعاقب على منصة الخطابة ثلة من المدعوين كان أبرزهم قيدوم أساتذة الفلسفة في تطوان الأستاذ أحمد المرابط. ومما جاء في الكلمة العامة التي ألقاها محمد بلال أشمل بهذه المناسبة ما يلي:    

 

(..) يطيب لي الترحيب بكم في الحفل الافتتاحي الذي تنظمه جمعيتنا بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة. إنه يوم رمزي في تاريخ حياتنا العقلية الوطنية؛ ننخرط فيه بوعي وبمسؤولية، على امتداد أسبوع حافل بالأنشطة الثقافية والمبادرات الفكرية مشاركة منا أهل الصنعة احتفالاتهم الدولية الجارية في مختلف أصقاع العالم.

أيها الحضور الكريم:

لقد تأسست جمعيتنا يوم 26 من 2006 من لدن ثلة من المفكرين والمثقفين المغاربة الذين يعيشون ويشتغلون في مدينة تطوان. إن خصوصية التخوم الجغرافية، وإكراهات التاريخ القريب والبعيد، جعلتنا ننهض بمسؤولية تقديم نمط جديد من التداول الفكري في خريطة فكرنا الوطني وهو العناية بالفكر الفلسفي أساسا، وبالفكر المغربي منطلقا، وبالفكر الإسباني تحاورا، وبالفكر الإنساني امتدادا؛ تكثيرا منا لأسباب التلاقح الثقافي مع الفكر الفلسفي العالمي. ولقد قطعنا شوطا لا يستهان به في هذا المجال حتى صرنا نعرف، لدى المهتمين بالشأن الفكري والثقافي في بلادنا والعالم، بهذه الميزة في مجموع التداول الفكري المغربي، وصارت مدينتنا، بفضل ذلك، مشهورة الأثر في بعض المحافل الإسبانية والأمريكولاتينية، بحياتها العقلية والفكرية إلى جانب فضائل أخرى تعزز مكانة بلادنا في المنتظم الفكري العربي والدولي، بل وصرنا، على حداثة عهدنا بالتأسيس، أحد المخاطبين الأساسيين لقسم "الفلسفة والعلوم الاجتماعية" التابع لمنظمة اليونيسكو بباريس، في بلادنا، ومن ثم أصبحنا نتوفر على رصيد محترم من الإنجازات الثقافية في التقرير السنوي لليونيسكو المتعلق بالفلسفة وحياتها. إن عود جمعيتنا طري، ومع ذلك فقد تحصل لدينا مجموع طيب من المبادرات الفكرية والأنشطة الثقافية والمشاريع المستقبلية استطعنا بفضلها، ولأول مرة في تاريخ تداولنا الثقافي، جعل الفلسفة، بما هي معرفة وموقف من العالم، عنصرا أساسيا في عموم الانشغالات الثقافية؛ ليس فقط لدى النخبة من المواطنين، بل ولدى الفئات المتعلمة التي نراهن على صفاء طويتها المعرفية لكي تبذر البذار الطيبة من أجل نهضة متجددة لوطننا. وهكذا فقد قرت عزيمتنا، منذ تأسيس جمعيتنا على الحضور الدائم في المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية التي نعتبرها تربة المستقبل والمكان المناسب لاختبار الحدوس والتصورات حول وطن الإرادة؛ فكانت المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية بتنسيق كامل مع السلطات التربوية في مدينتنا هي من تحتضن بعض فقرات الاحتفالات التي أقمناها بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة منذ تأسيس جمعيتنا. ولقد ساعدنا على ذلك أن أغلبنا ينتمي إلى حقل التربية والتعليم بمعناه الخاص والعام، ويدرك بوعي وقلق، حجم المسؤولية الفكرية والأخلاقية الملقاة على عاتقه لكي يقوم بما يقتضيه المقام من المشاركة من موقعه، ببناء المشروع الوطني على هدي قيم الحق والخير والجمال. وهكذا ضمنا الحضور الواقعي في النسيج الثقافي والتربوي داخل مدينتنا وبلادنا وخارجهما، حيث قمنا بما اقتدرنا عليه من أعمال فكرية، ومن مبادرات ثقافية متجاوزين حالة الترهل الثقافي التي أصابت بعضنا، وغير ملتفتين إلى هذه العدمية الرهيبة التي يبرر بها البعض تقاعسهم عن القيام بواجبهم الفكري والثقافي والتربوي تجاه مدينتهم ووطنهم. كما ضمنا حضورنا الافتراضي على الشبكة الرقمية حيث جعلناها مرآة للحياة العقلية كما هي جارية في خصوص مدينتنا أو في عموم بلادنا أو في مجموع العالم؛ ساعدنا على ذلك اصطناعنا لوسائل الاتصال الحديثة عبر شرفتنا التواصلية التي حققت لنا انتشارا مهولا في الفضاء الافتراضي، وأثمرت لنا صداقات روحية وعقلية وفعلية مع أطراف عديدة من صناع الفكر والثقافة في نقاط متعددة من الأرض. إن الطريق شاقة وطويلة لكي نحقق غاياتنا الفكرية والثقافية، ولكن آمالنا أوسع من المسافات، وإرادتنا أقوى من الإحباطات، وعزيمتنا أصلب من الآفات. أليس على قدر أهل العزم تأتي العزائم؟

 أيها الحضور الكريم:

إن اليوم العالمي للفلسفة الذي تلتقي اليوم للاحتفال به، انطلق العمل به منذ عام 2002 من لدن اليونيسكو، وتم تسجيله كيوم عالمي في لائحة الأيام الوطنية عام 2005. ومنذ عام 2006، العام الذي أسسنا فيه "الجمعية الفلسفية التطوانية"، دأبنا على الاحتفال به، عبر تنظيم جملة من الأنشطة الثقافية والندوات الفكرية والمعارض وحلقات النقاش الفلسفية امتد مداها إلى خارج المدينة في المنتديات الثقافية الواقعية منها والافتراضية. إنه يوم يكثف رمزية العقل في تأمله للعالم، وتجديد سؤاله القلق بواقعه ومصيره، وإعادة صياغة موقفه من قضايا الإنسان المصيرية، والسعي إلى وضع تصوراته بصدد المحيط العام الذي يعيش فيه هذا الإنسان كوجود قيمي، شخصي، يستحق أن يعيش بكرامة وحرية. ولهذا فقد كانت السنوات الماضية التي احتفلنا فيها بالفلسفة-الذي هو في الواقع احتفال بالإنسان في كليته وفي محيطه في عموميته- مناسبة تأملنا فيها "الفلسفة في عالمنا"، وأنجزنا "التفكير في المغرب: الوجود والمصير"، وسعينا إلى "التأريخ للفلسفة في تطاون" باعتبار الفلسفة نمطا من الوجود العقلاني الواعي بوجوده ضمن كلية حسية وروحية هي المغرب، اخترنا الانتماء إليها بحرية مسؤولة، مختارة، واعية، وملتزمة في نفس الوقت عن طريق "المدينة" بما هي كيان حداثي، يعزز وحدتنا الوطنية وثراءنا الفكري وغنانا الثقافي.  أما هذا العام، فقد اخترنا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة بوضعها في مرمى المصير باعتبارها سؤالا مستقبليا بامتياز. وهكذا صغنا موضوع وقضية هذا العام: "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". إن سؤال المصير سؤال فلسفي بامتياز. ومن منطلق الانتماء إلى الفلسفة خصوصا، والانتماء إلى الفكر عموما، أحببنا العناية بالعالم في مصيره وصيروته: إن الصيرورة العامة لعالمنا تبعث على القلق: الدمار البيئي الذي لحق بعالمنا، التردي الروحي الذي أصاب الإنسان، العلاقات الإنسانية التي ارتهنت للعنف والحرب والعدوانية، الحقوق المادية والمعنوية المهضومة في كل شبر من الأرض المعمورة، القلق العام الذي ينتابنا كآباء من مستقبل أبنائنا الأخلاقي في ظل انعدام أو تشوش النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يكون الإسوة والمثال.... كل هذه الأمثلة ونظيراتها، تجعلنا نقلق على حالة العالم، لأنه بيت الإنسان الذي نعنى به في المقام الأول، ولو لم نقلق على بيت الإنسان أكان سيكون معقولا قلقنا على الإنسان؟  هكذا أحببنا إثارة سؤال المصير: مصير القيم إذا وجدت، ومصير الإنسان إذا كرم، ومصير عالمه إذا كان آمنا.

أيها الحضور الكريم:

كان سيكون مستحيلا منذ سنوات أن تنهض فئة من الناس وتدعو إلى الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لأن الوضع العام في بلادنا كان حبيس سوء فهم كبير،غير مبرر معرفيا ولا سياسيا ولا ثقافيا مع الفلسفة وأهلها، ولاسيما في مدينتنا التي عرف عنها الاشتغال بالسمعيات دون العقليات. لقد جرى ماء كثير تحت قنطرة المغرب. وصار في إمكاننا الحديث عن رمزية الاحتفال بالفلسفة فيما هي احتفال بالعقل والعقلانية على تعدد أنماطها وتنوع طرائقها. الحفلة لحظة وجودية للتأمل في العالم والفرح به. إنها بمثابة استراحة المحارب الذي هو بسبيله إلى تغيير هذا العالم. ولكن هل ترانا فهمنا هذا العالم لكي نغيره؟ ولقد قدر لنا شخصيا أن نكون المبادرين منذ عام 1995  إلى الاحتفال بالفلسفة عبر المساهمة في تجديد الدرس الفلسفي في مدينتنا، والتفكير ثقافيا في القضايا الفكرية التي تقتضيها مسؤولية الاشتغال بالفكر الفلسفي في أفق ثقافي وتاريخي مثل المغرب، المرمي في أقصى الوجود، ومثل تطاون المتروكة في أقصى العدم، عسى نفهم هذا العالم لكي نقتدر على تغييره. هاهنا بالضبط تقع مسؤوليتنا كرجال الفكر بين أقصى الوجود وأقصى العدم: أن نستحق انتماءنا إلى شرطنا المعرفي والتاريخي والثقافي. هكذا ساهمنا في تصالح الناس مع الفلسفة حيث ربحنا رهان المفارقة السيزيفية: المجتمع الذي يعادي الفلسفة ويسخر منها هو ذاته المجتمع الذي يرسل أبناءه إلى تحصيل العلم بها. ولنكن واقعيين: لقد ربحنا نصف الرهان، أما الرهان كله فمتروك للصراع الاجتماعي والتاريخي الذي يتجاوزنا كأفراد إلى مصير المجتمع عموما. وليس مسعانا إلا كمن قال "إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام".

أيها الحضور الكريم:

لا لم نحتفل بالفلسفة بمفردنا. هاهو المجتمع الذي تمثلونه يحتفل معنا. ولأول مرة في تاريخ التداول الثقافي والفكري في مدينتنا يتم هذا التصالح الصريح بين الفلسفة والمجتمع حيث جاء المجتمع يستطلع "طلسم" الفلسفة، وهاهم أهل الصنعة يقدمون نواياها الحسنة تجاه المجتمع: كأني بمشروع تسوية بين الفلسفة والمجتمع جار تفعيله اليوم ينهض بمقتضاه كل طرف بمسؤوليته تجاه قضية مشتركة هي قضية "المستقبل" المتمثل في أبنائنا: فحين يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا ليس هناك مجال للاختلاف ولا للمناورة. لا بد من الاتفاق على صيغة تسوية لأن المستقبل الذي نحن بصدد بنائه ليس في النهاية إلا مستقبل الوطن، فهل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟

ودعوني قبل أن أختم كلمتي أن أسوق إليكم تأملا آخر بصدد هذه المناسبة: لقد بقي على أهل الفلسفة أن يربحوا نصف الرهان الآخر: أن يخرجوا من الليسيوم إلى "الأغورا" ويغادروا "الأكاديمية" إلى الساحة العمومية،  ويهبطوا "الفدان" من "براعم الرازي"... عليهم أن يصنعوا صنيع الفلسفة في نشأتها الأولى، أن يعودوا بها إلى أصلها ومنشئها في الساحة العمومية فتساهم من ثم، في بناء عقل ووعي ووجدان المستقبل، ليس في المدرسة كمكان اجتماعي عمومي وخصوصي، بل في المجتمع كفضاء مفتوح على التحدي الأكبر الذي يجعل من فكرها أكثر يقظة مما كانت عليه داخل "الكهف"، ومن عقلها أكثر انتباها إلى مكر التاريخ.

أيها الحضور الكريم:

لا بد من كلمة شكر في الأخير لمن هيؤوا أسباب هذا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة. إنهم الدليل الحي على أن المجتمع صار يعي أن خلافاته مع الفلسفة لا بد لها أن تتكسر على مذبح التضحية من أجل المستقبل. إن الذين هيؤوا أسباب هذا الاحتفال، وضمنوا نجاحه المأمول كثيرون ولكني حريص على تسمية بعضهم حتى ينسب الفضل لأهله: للسلطات التربوية في مدينة تطوان التي أذنت لنا بالحضور في المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية لكي نقوم بواجبنا الفكري والثقافي والتربوي، لإدارة مؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي التي احتضنت حقا وواقعا هذا الحفل الافتتاحي الذي نحن بصدد شهود إحدى فقراته، ولا سيما المسؤول عن قسم التنشيط الثقافي والتربوي فيها صديقنا الأستاذ عبد الغني أبرو الذي تتبع معنا ميلاد الفكرة وترعرعها ثم تنفيذها... لأصدقائي الأساتذة الأجلاء الذي قبلوا دعوة جمعيتنا بالمساهمة معنا في إلقاء محاضراتهم ضمن الجداول الزمانية والمكانية التي وضعناها احتفالا بهذا اليوم في بعض المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية... لرجال الإعلام والصحافة الذين أذاعوا بين الناس خبر احتفالنا هذا، وسيذيعون باقي فقراته في صحفهم الورقية والرقمية والأثيرية ولا سيما لإذاعة طنجة التي حرصت على نقل تصريح لنا بصدد هذا الاحتفال...لأصدقائنا الأعزاء أساتذة ومثقفين ومربين الذين آزرونا في كل مرحلة من مراحل التهئ لحفلنا هذا...لأصدقائنا في الضفة القشتالية والأمريكولاتينية الذين هنؤونا في يومنا هذا وتمنوا لنا يوما حافلا بالجمال والخير... لأختينا الفاضلتين مريم وحنان اللتان نفذتا الإخراج الفني لملصقنا وللوحات الإشهار المرافقة له... لأبنائي وبناتي تلاميذ وتلميذات هذه المؤسسة التربوية الذين تحمسوا لاحتضان حفل الافتتاح وبالخصوص "براعم الفلسفة" في حديقة الجذع المشترك علمي 3 الذين أتمنى لزهرتهم أن تتفتح في تذوق حلاوة التفلسف وتينع في لذة العلم ... لهذه الوجوه الطيبة من الحضور الكريم الذين شرفونا بحضورهم وقاسمونا فرحتنا بعيد العقل... لكل هؤلاء أقول: شكرا لكم وكل عام وأنتم بألف حق وخير وجمال.

والسلام

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة
[نقلا عن الجمعية الفلسفية التطوانية]

 

 


الفلسفة في تطاون

دعوة للمساهمة في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة 2009

 

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، وجهت "الجمعية الفلسفية التطوانية" إلى أهل الفكر والثقافة في مدينتنا نداء بالمساهمة في الأنشطة الفكرية والثقافية والتربوية التي تعتزم القيام بها. هذا هو النص الذي حررته بالمناسبة:

تطاون في 6 أكتوبر  2009

الأصدقاء الأعزاء أهل الفكر والثقافة في مدينتنا

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الذي اعتدنا الاحتفال به سنويا منذ تأسيس جمعيتنا عام 2006، تعتزم جمعيتنا، وبتنسيق كامل مع منظمة "اليونيسكو"، تنظيم سلسلة أنشطة ثقافية من محاضرات ومعارض وندوات فكرية، وذلك خلال شهر نوفمبر القادم في مختلف الثانويات الإعدادية والتأهيلية والمؤسسات الثقافية في مدينتنا وضواحيها تحت شعار "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن".

وبهذه المناسبة، تهيب "الجمعية الفلسفية التطوانية" بأخوتكم مشاركتها الاحتفال بهذا اليوم الرمزي في تاريخ الفكر والثقافة في معمور مدينتنا وامتداد وطننا وعموم العالم؛ وتنتظر منكم المساهمة، من منطلق الالتزام الفكري والثقافي والوطني، بما يظهر لكم من أفكار ومقترحات في أجل أقصاه الخامس عشر من شهر أكتوبر الجاري حتى تتهيأ لها أسباب الإعداد المادي والمعنوي لهذا الاحتفال السنوي كما يليق برمزيته.

وفي انتظار موافاتنا بمساهماتكم واقتراحاتكم، تقبلوا، أصدقاءنا الأعزاء، خالص شكرنا و عظيم تقديرنا والسلام

 

الجمعية الفلسفية التطوانية

http://asofilotetuani.jeeran.com/

 

 


بومة الحكمة في الفدان

النسق العام لانتفاضة 1958-1959: الحدث والحقيقة

بمناسبة مرور 46 سنة على رحيل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، نظم "منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب وجمعية "تيطاوين" -التنسيقية العامة  ندوة حول موضوع "أحداث 1958-1959" وذلك يوم الأحد 15 فبراير 2009 على الساعة الرابعة بعد الزوال بمقر "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" بتطاون (المصلى القديمة). رؤوس الأفكار التالية كانت من الورقة التي شاركت فيها بدعوة من هذه الهيئة الحقوقية الشمالية وكانت بعنوان: "الحدث والحقيقة" (انظر مزيدا من التفاصيل في شرفة الجمعية الفلسفية التطوانية).

      I.             

ü     تدخل هذه المساهمة ضمن التأمل الفلسفي للحدث المغربي، ومن ثم فهي تنتظم ضمن فلسفة التاريخ، وليس ضمن الممارسة التاريخية كتأريخ.

ü     إن هذه المساهمة تتغذى من الوقائع، ولكنها تهتم بالأنساق التي تجمعها والبنية التي تنتظمها.

ü     إن هذه المساهمة هي مساهمة تهتم بالعام انطلاقا من الخاص بغاية تأسيس وعي بما جرى لأجل الاستعداد لما سيجري.

ü     إن صاحب هذه المساهمة معني بهذه الأحداث انطلاقا من وعيه بأنها أحداث مفصلية ومصيرية والفكر الذي يؤمن به صاحب هذه المساهمة هو فكر جدلي بين الحدث والحقيقة، بين الماضي والحاضر، والموقف منهما موقف جدوائي تاريخي لتأسيس الشروط الصحية للانتماء الوطني الواعي والمختار لهذا المكان المشترك الذي يسمى المغرب في بعده الشمالي.

ü     إن هذه المساهمة وصاحبها يعتبران أن ما وقع في الشمال هو جزء من تاريخ النكبة التي ألمت بالشمال والتي تفسر طرفا مهما من وقائعه وأحداثه ومن ثم فالفرضية العامة التي تحكم المساهمة هي فرضية تفسير التاريخ الشمالي بفرضية النكبة. ومنها أحداث 58-59 باعتبارها أحداثا مفضلية ومصيرية في تاريخ المغرب.

     II.             

ü     لماذا أحداث 58-59 مفصلية ومصيرية في تاريخ المغرب؟ في نظري إنها كذلك للأسباب التالية:

ü     لأنها جاءت بين مرحلتين مصيريتين: مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال؛

ü     لأنها وضعت البذور الأولى لسياسة التهميش والإهمال للشمال التي عادت فانفجرت في أحداث 84؛

ü     لأنها أبطلت الصيرورة الطبيعية للريادة إلى القيادة؛

ü     لأنها غذت الشعور بالغربة لدى الشماليين عن المجموع الوطني وأثمرت مظاهر من العزلة الفكرية (المثقفون بالإسبانية) والانعزال السياسي والنزعة الانفصالية لدى الجيل الثاني والثالث في المهجر الأوروبي؛

ولأنها مفصلية ومصيرية ينبغي التعامل مع جغرافيتها (جغرافية الحدث) بالمنطق التالي:

ü     التنمية الشاملة بشريا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا؛

ü     الاعتراف بحقوقها اللغوية والتاريخية بدعم جهوية بانية لتاريخها ولمصيرها؛

ü     المشاركة في قيادة المصير العام للمغرب من حيث أن جغرافية الحدث يمثل الآن أو ينبغي أن يمثل بمبررات جيوسياسية القاطرة العامة للمغرب المستقبلي؛

ü     صناعة مواطنة جديدة قائمة على التواطن الاختياري لا الاضطراري للمدينة كأفق حضاري وللجهة كأفق ثقافي تاريخي وللوطن كأفق سياسي.

  III.             

النظر إلى انتفاضة 58-1959 كنسق يقتضي بدوره النظر إلى أحداث المغرب ضمن معقولية ما تتكون من: الحدث، الأطراف، الأسباب، النتائج ومن العلاقة بينها.

ü     هل في مستطاعنا القول إن ما حدث يخضع لمعقولية ما؟ ومن ثم يخضع للفهم لا للوصف فحسب؟

ü     نملك وصف الأحداث في جزئيتها وفي تنوعها واختلافها؛

ü     نملك وصف مسؤولية الأطراف في مشاركتها في صنع الأحداث؛

ü     نملك وصف الأسباب التي أثمرت تلك الأحداث؛

ü     نملك وصف النتائج التي ترتبت عن تلك الأحداث؛

ü     صحيح إن الحقيقة كاملة هي صناعة إلهية، ولكنا نحتاج إلى الحقيقة –مع فرض وجودها وقدرتنا على تحصيلها- في نسبيتها بحيث تسمح لنا فقط بفهم ما جرى لتفاديه في المستقبل وبناء دعائم نفيه في الحاضر، ومن ثم طلب المسؤوليات فيما حدث.

ü     لكن ماذا جرى؟ الحقيقة هاهنا هي موضع صراع بين عدة أطراف: الدولة، المجتمع، التاريخ. وهذا الصراع هو في الواقع في بداية تكونه على الرغم من مرور بضع سنين على وقوع تلك الأحداث لأنه ما يزال يدور حول المنشأ والكيفية والأسباب والنتائج: كيف وقع ؟ ما هي أسبابه؟ وما هي أطرافه؟ وما هي نتائجه؟ الحدث ذاته موقع تأويل حتى في الأسماء: هل هو انتفاضة؟ ثورة؟ شغب؟.....

ü     كلما ارتفعت وتيرة الصراع ارتفع عمران الحقيقة ولكن بهندسات مختلفة؛

ü     كلما ازدادت معطياتنا حول الحدث ضاقت معرفتنا بالحقيقة لأن خيوطها متشابكة بأكثر من سبيل؛

ü     وهذه الحقيقة ليست بطبيعة الحال إلا الحقيقة الني نطمئن إليها، لا الواقع الذي يمثل الحدث؛ وطبعا لكي ندرك الحقيقة لا بد من الانطلاق من الحدث.

ü     هذا التوتر بين الحدث والحقيقة هو الذي يفسر كثرة المعاني والتأويلات التي تعطاها أحداث مصيرية من قبيل أحداث 58-1959.

  IV.             

ما هو المخرج؟

ü     المخرج هو التسوية بين الأطراف التي صنعت الحدث، ولكن لا بد من مقاومة النسيان؛

ü     التسوية والمقاومة قائمة الآن فيما يعرف بمجالس الإنصاف والمصالحة، ولكن الحلقة الغائبة هي غياب المسؤوليات؛

ü     الإنصاف ليس فقط أن تنصف الضحية، بل أن تقتص من الجلاد والمصالحة ستبقى شعارا قائما على الرحمة بالجلاد لا على العدل في محاكمته. وهل هناك إمكانية لبناء المصير المغربي في غياب أحد الأطراف عن الأخرى؟

 


المشاركون في الندوة

المغرب وإسبانيا

من التواصل العمودي إلى التواصل الأفقي

محمد بلال أشمل 

 

 

 

          

يتناول الإعلام الإسباني أو المغربي حاليا مسألة "التواصل بين المغرب وإسبانيا" بكثير من الثقة والاطمئنان. الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك "خوان كارلوس" للمغرب خلال يناير2005، وما أثمرته من مشاريع واتفاقات بين الطرفين، زادت تلك الثقة، وعززت ذلك الاطمئننان. وهذا المقال يسعى إلى تبين حقيقة هذا "التواصل" بين البلدين ويحاول النظر إليه من منظور واقعي وعقلاني بعيدا عن الافتتان بـ"المقدمات المشهورة" السائدة لدى الخطابات السياسية في العدوتين.

          ولما كانت حالة المغرب مع إسبانيا هي حالة كل البلاد العربية مع الغرب، مع اعتبار خصائص ومميزات هذا القطر او ذاك، يجوز لنا دراستها كنموذج  للعلاقات العربية الغربية في إطار إشكالية "الأنا والآخر" في صيغتها المغربية، وفي بعدها الإسباني، ومن ثم اعتبارها ساعة النظر إلى وجود وقيمة وحدود تلك العلاقات.

 

        1- تقديم عام

        

         الحديث عن موضوع "التواصل الأفقي بين المغرب وإسبانيا" حديث يحتمل وجهان: إما انه حديث يتناول الواقع واصفا له، مقررا وقائعه، ناقدا كيفياته، أو إنه حديث يتناول الإمكان حالما به، واضعا شروطه، طارحا مقتضياته. وأغلب الظن أن الحديث هاهنا إنما هو حديث عن "التواصل" بالوجه الثاني، لا بالوجه الأول؛ نظرا لغياب "التواصل" الأفقي، و"حضور" محتمل للتواصل العمودي.

         غير أن الحديث عن هذا التواصل، إن كان يتم بما ذكرنا من وجه، فإنه مع ذلك، ينكر على التواصل أن يكون عموديا، داعيا إلى صيرورته تواصلا أفقيا. فلماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟

 

2- لماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟

        

         مشهور أن التواصل العمودي يفيد معاني الهيمنة والتجبر؛ فالتواصل يتم بين أعلى وأدنى، بين كامل وناقص، بين قوي وضعيف، بين من لديه، وبين من ليس لديه هذه المعاني، وغيرها كثير، غير مقبولة من حيث أن الذي يطلب التواصل يوجد، برسم الواقع أو برسم الإمكان، في وضع الأدنى، ضعيفا، ليس لديه أي شئ. ولذلك يطلب أن يكون التواصل تواصلا أفقيا، ويشترط له من الشروط ما بها يكون كذلك، حتى يحقق لنفسه من الأسباب ما بها يكون، هو أيضا، في وضع الأعلى، قويا، وله كل شئ. وهذا طبيعي بمقياس التطور التاريخي والحضاري لطالب التواصل؛ فقد حصل على استقلاله السياسي، وهاهو يشتاق إلى تحصين استقلاله الحضاري بتواصل مشروط مع الآخر الذي كان عما قريب مشاركا في احتلاله. ومن ثم فالتواصل المطلوب هو تواصل "الأفقية"، وليس تواصل "العمودية"؛ لأن الأول دال على التساوي والعدل والإنصاف، فيما الثاني دال على التفاوت والظلم والعسف. وقد ضاق طالب التواصل الأفقي بواقع العمودية، وما أثمرته من استنزاف للخيرات، فلا بد له الآن من طلب الأفقية، عسى تسوق معها ما ُيعوض بها ما استنزف وضاع. فهل صحيح إن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا يخشاه طالب التواصل الأفقي، ويدعو إلى زواله؟

 

 

 

3- هل صحيح أن هناك تواصلا عموديا يخشاه طالب التواصل الأفقي؟

         

         لا نعتقد أن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا- لأسباب كثيرة سأذكرها- ولذلك فهذا الرفض للتواصل العمودي ليس رفضا لواقع قائم، وإنما هو رفض لإمكان محتمل؛ يخشى تحققه طالب التواصل الأفقي كي لا تتحقق معه معاني الهيمنة والتجبر، ويسوق معه ما ُيكره من دلالات الظلم والعسف، فيقع ما ُيخشى من عاقبة الاستنزاف للخيرات المادية والرمزية.

         بالتأكيد ليس هناك تواصل عمودي بين المغرب وإسبانيا، فبالأحرى وجود تواصل أفقي بينهما. وإثارة التفكير في هذه القضية هي، في نظرنا، المدخل الطبيعي لإثارة قضية التواصل الأفقي بين البلدين، والسعي في إيجاد أفضل السبل لتحقيقها. فما هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود هذا التواصل بهذا الوجه؟

 

4- هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود التواصل العمودي؟

       

         حسبنا القول إن التواصل صيغة تفاعل بين طرفين، فلكي يكون هناك تواصل بين المغرب وإسبانيا على سبيل المثال، ينبغي أن يكون هناك تفاعل بينهما. فهل يوجد هذا التفاعل بينهما؟ كل الدلائل تشير إلى أن الذي يوجد بين المغرب وإسبانيا محض "فعل"؛ إن أتى دائما من إسبانيا، فقلما يأتي من المغرب، أو إن أتى من المغرب، فمن النادر أن يأتي من إسبانيا. ولسنا في حاجة إلى ذكر الوقائع، فالتاريخ كشاف لها في الماضي في مختلف المجالات، وبمتنوع الأبعاد.

         ليس التواصل تفاعلا فقط، بل هو مبادرة أيضا. والحاصل أن الذي يقع ليس إلا محض "انتظار" الفعل أو قل "التواكل"، ومن ثم الوقوع تحت سلطة المبادرة التي قد تأتي من لدن الآخر. إن أصل المبادرة، "مبادءة"، فالفاعل يمضي إلى البدء في الفعل فيصوغه في "المبادرة"، وهو مطمئن إلى أن الذي سيبادر إليه أو معه، مبني للتفاعل لا للتواكل. وحتى إذا افترضنا أن هناك مبادرة تقوم على عدم تلقي "التفاعل" بل الانفعال، فإنها إن أتت من المغرب، فقلما تأتي من إسبانيا. لم يكن المغرب مستعدا دائما للتفاعل مع المبادرات التي تأتيه من إسبانيا، ولم تكن إسبانيا تطيق ما يأتيها من مبادرات من المغرب. ليس هذا في الماضي فحسب، بل في الحاضر أيضا. دعنا من مبادرات تنطوي على مقاصد عدوانية كالاستعمار من لدن إسبانيا، أو من مبادرات ذات أبعاد دفاعية من لدن المغرب، فهذه كلها تنطوي على أسباب رفضها من كلا الطرفين، ومن المستحيل أن يحصل الاتفاق بينهما في نجاعتها، ولا التفكير في تكرارها، نظرا لمحاذير تاريخية وسياسية وعقائدية. ما نفكر فيه هو نوع من المبادرة "الخلاقة" القائمة على قيم التواصل. ولما كانت قيم التواصل غائبة نظرا لغياب "أصل" التواصل؛ أي التفاعل المبني على "المبادءة"، غابت معه المبادرة غيابا تاما.

         بل إن التواصل ليس تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط مبنية على أصل "ألمبادءة"، ولكنه وعي بالمقاصد والغايات أيضا. فأن يتواصل المغرب وإسبانيا، عليهما أن يدركا أية مقاصد يرجوانها من تواصلهما، وما هي الغايات التي ينتظرانها منه. إن الوعي بمقاصد التواصل، وبغاياته لمن شأنه تقوية حظوظ تركيبها التركيبة الحسنة، حتى تستجيب لأشواق المتواصلين في تواصل مثمر، ومن ثم ضمان ما يصطلح عليه بـ"حسن الجوار". لكن الذي يحدث أن الوعي يكون أثناء الفعل، ويغيب أثناء التواصل. وحتى إذا حصل، فهو ليس مما يندرج ضمن المقاصد والغايات النبيلة التي أجمع عليها الحس السليم، وقبلتها الفطرة، وتداولتها الشعوب المتجاورة الواحدة منها للأخرى. إن أكثر اندراجه تحت مقاصد وغايات خسيسة ُيصطنع، للوصول إليها، وسائل نبيلة. وهذا كان صنيع إسبانيا في الشمال في وقت من الأوقات، لما سعت في استعمارها لأرضه، والاستحواذ على خيراته؛ مسخرة في ذلك آلة "العمل الثقافي"، و حاشدة له مجهود "العمل الاجتماعي" وغير ذلك من الأعمال الإحسانية الخيرية أو الثقافية التعليمية.

         وأخيرا ليس التواصل تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط، ولا وعيا بالمقاصد والغايات، ولكنه عين التكافؤ أيضا. هناك فرق شاسع بين المغرب وإسبانيا من المستحيل إسقاطه من حساب الرغبة في التواصل الأفقي، وإلا فإن الأفقية ستصبح صورة أخرى من صور التبعية والإلحاق، التي ما انفك المغرب يناضل من أجل التخلص منها. إن التعامي عن هذا الفرق، لهو عين الخطأ في الحساب الأخير، حيث سيصبح التنادي بالأفقية مجرد رغبة لا معنى لها، ورهان لا ربح معه، فيما المطلوب أن تصير الدعوة إلى الأفقية إرادة عاقلة ومعقولة لها من السند الواقعي، والدعم التجريبي ما تستقوي به على مدافعة عوائقها ما ظهر منها وما خفي.

         لا يوجد تفاعل بين المغرب وإسبانيا، ولا توجد مبادرة بينهما، ولا يوجد وعي بكل ذلك لديهما، ولا يوجد تكافؤ بينهما، فإذن لا وجود لتواصل بينهما فماذا يوجد إذن؟ 

                         

5- صلة" محكومة بـ"جغرافية المواجهة" ومحكومة بـ"تاريخ الجوار"

        

         ما يوجد هو محض "صلة" قضت بها "جغرافية المواجهة" وحكمها "تاريخ الجوار"؛ قد تشطح أحيانا عن إكراهاتهما فتصبح طمعا في "الوصال"، ولكنها سرعان ما تفيق على ضغط محال "الوصل"، فتنكفئ إلى محض "الصلة" الطبيعية بلا سعي إلى "تثقيفها"، حتى تخرج من طابعها المنفعل إلى طابعها المتفاعل. ولكنها لم تصبح قط قطيعة أو ارتقت فكانت فصلا؛ لأن إشرافهما على بحر واحد بشاطئين، له من الإلزامات ما قد تخرج بها حتى عن طوع السلطة السياسية، وتنشق بها حتى عن طاعة السلطة الأمنية، وما ظاهرة "قوارب الموت" عنا ببعيدة.

         أول فعل واع سعى إلى "الوصل" في إطار "الصلة"، هو ما قام به "وفد مطالب الأمة" الذي  قدمه نخبة من رجال الحركة الوطنية في الشمال إلى رئيس الجمهورية "ألكالا ثامورا" عام 1931، حيث برروا اللجوء إلى إسبانيا، وهي يومئذ الناهية الآمرة في جزء من البلاد، بوجود "العلاقة التاريخية" بين الشعبين المغربي والإسباني. إن هذا المبرر في الوصل، ما يزال له من الوهج ما يستطيع أن يهب لضرورات التواصل الأفقي، كما يتم التنادي بها حاليا، كامل قوتها ومعقوليتها ودوامها. ومع ذلك فإنه ينطوي في نظرنا على أسباب خفوته، ويحمل في طياته جراثيم ضعفه.

         فأما كمال قوته فيكمن في نظرنا، في منزلة إسبانيا في قلوب كثير من المغاربة كخلاص لهم من مما قد يعتريهم من بؤس، وما قد يصيبهم من شقاء؛ جراء الأزمات التي ألمت بهم على مدى عقود طويلة من السنين. كما يكمن في مكانة إسبانيا في قلوب الديموقراطيين، لما تمثله لهم من نموذج يحتذى للديموقراطية الفريدة، الحامية لحقوق الفرد والجماعة، السياسية منها والثقافية. وقد يكمن أيضا في "الهوى الإسباني"، الذي اشتهر به أهل الشمال؛ إما عن حق أو باطل، منذ "احتكاكهم" بالإسبان، إما حربا أو سلما، تجارة أو سلبا.

         أما أسباب ضعفه، فتكمن في نظرنا في استمرار الحذر التاريخي المتبادل بين المغرب وإسبانيا، الأول يخشى على سيادته من وصية الملكة "إثابيلا الكاتوليكية" في واجب تنصير شمال إفريقيا، والثاني يقلق على كيانه من انبعاث شبح عودة الإسلام "البربري" إلى الأندلس وعموم إسبانيا. كما تكمن في مشكلة الجيوب المحتلة، كسبتة ومليلية والجزر "الصلعاء"- بتعبير أورتيغا إي غاسيت- التي تضع "الصلة" ذاتها بين المغرب وإسبانيا موضع خطر، وليس فقط أماني الوصل، وآمال الوصال، وأشواق التواصل. كما تكمن أيضا في الخشية النفسية من سيادة النمط الحضاري الإسباني المتلفع بالقيم العلمانية والمسيحية على السواء داخل المغرب؛ وقد وجد له موطئ قدم في قطاعات واسعة من الشباب، ممن منتهى طموحاتهم ليس إقامة التواصل الأفقي مع إسبانيا، بل الحلول المباشر في الذات الإسبانية.

         هناك جانب آخر يخطئ من يبخس أهميته، وهو المتعلق بالموقف القائل "إن الكفر ملة واحدة"، ومن ثم فلا موالاة مع الكفار، ماداموا يفتنون المسلمين في دينهم ودنياهم، أو يعينوا على فتنهم. وإسبانيا في نظر هذا الموقف هي مثال لهذا الكفر الذي يفتن المغاربة في دينهم، ويفسد عليهم دنياهم  بوساطة الإعلام المسموع والمرئي. ومن ثم فلا تواصل معها ولا موالاة وإنما انقطاع عنها واعتزال صلتها. ألا ترى أنها أعانت أمريكا على ضرب العراق، وهيأت الأسباب لها لمتابعة المجاهدين في سبيل الله؟ إن اعتبار هذا الموقف من الأهمية بمكان في التداول الراهن لمسألة "التواصل" مع إسبانيا، أولا لأنها كانت، ولدى البعض ما تزال، أصل "العدوان الصليبي" في الأندلس؛ لما طردت المسلمين من ديارهم، وسلطت عليهم محاكم التفتيش، وثانيا لأنها الآن "فرع" ذلك العدوان بإعانتها على استضعاف المسلمين، في عقر دارها، وفي العالم أجمع. هذا الموقف ينبغي معالجته بالنظر إلى المواقف المتنورة داخل الفقه الإسلامي، القائمة على مبدأ "التعارف"، وضبطه بأسباب النزول، وبما هو عليه عمل أهل المدينة من إبرام العهود، وكتابة المواثيق مع غير المسلمين.

         إن الراغب من جيلنا في تحقيق التواصل الأفقي مع إسبانيا، لا بد له من مراعاة أسباب القوة فيطورها، ويتحسب لأسباب الضعف فيتفاداها. وفوق هذا وذاك، لا بد لجيلنا من طرح اعتبار آخر لم يكن لجيل الحركة الوطنية أن يتصوره في إطار "منطق الصلة" الذي كانوا يقدمون به مطالب الأمة. فقد كانوا يصنعون ذلك في إطار "الحماية"، فيما نحن ينبغي صنعه في إطار "الاستقلال". كان أفق مطالبهم هو "الحماية" من أجل النهوض والترقي بالأمة المغربية دون قطع "الصلة" بالدولة الحامية. أما أفق "تواصلنا" فهو "الاستقلال" من أجل استكمال دولة الحق والقانون دون قطع التواصل مع الدولة الجارة. هذا مع أن الاعتبار الأساسي الذي نراه يحكم إرادتنا في تواصل مثمر مع إسبانيا، ليس هو اعتبار "العلاقات التاريخية" كما لدى الحركة الوطنية، بل هو اعتبار "العلاقات المستقبلية" التي نرجو أن تكون بخير، وعلى أتم عافية. ولذلك نتصور لها مقتضيات ثلاثة لا غنى لها عنها؛ فهي عين الحقيقة في التواصل، ونقصد بها مقتضى "الاعتراف"، ومقتضى "القبول"، ومقتضى "التسامح".

 

6- مقتضيات التواصل الأفقي ضمن اعتبار "العلاقات المستقبلية"

        

         أما مقتضى الاعتراف، فنقصد به الاعتراف الفعلي، لا الديبلوماسي، بالوجود السياسي والقانوني للمغرب، والسلوك وفق منطوق ذلك الاعتراف؛ مع ما يترتب عن ذلك من اعتراف بـ"السيادة" على البحر والبر الذي يوجد فيه المغرب، دون منازعته فيهما بعقلية "السيد" الذي يعتقد أن الملكية خاصية السادة، أما "العبيد" فهم موضوع "التمليك"، فيمضي إلى تملك العبيد وما يملكون. على إسبانيا، إن أرادت التواصل، التنازل عن عقلية "الملكية" وتعمل بعقلية "الوجود". يجوز أن يكون الاعتراف في إطار الصلة، ولكنه اعتراف على اضطرار، وليس اعترافا على اختيار، الاعتراف الأول تفرضه "حتمية الجغرافيا"، و الاعتراف الثاني تصنعه "حرية التاريخ". لا نريد أن تعترف بنا إسبانيا لمجرد أنا جيرانها فتطبق علينا المبدأ المسيحي المتعلق باحترام الجار وتوقيره، ولا نريد أن نعترف بها نظرا لأنها جارتنا فنطبق عليها المبدأ الإسلامي المتعلق بالجار الجنب الذي كاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يورثه فنمضي إلى توقيرها. الجوار واقع خارج عن مقتضيات الأخلاق، ودواعي الدين، والإرادة العاقلة هي التي تسبغ عليه ذلك الطابع. ونحن نريد أن يكون الاعتراف المتبادل بيننا وبينها اعترافا خاضعا لإرادة الأخلاق، فالإرادة كثمرة للعقل، والأخلاق كثمرة للقيم. إن تواصلا بلا اعتراف لهو التفاصل بلا رفض، فكيف يمكن أن يكون التواصل وقد غاب عنه الاعتراف؟

         وأما مقتضى القبول، فنقصد به أن إسبانيا لما تعترف بالمغرب اعتراف حرية لا إكراه، اعتراف اختيار لا اعتراف اضطرار، عليها أن تقبله بكل خصائصه الحضارية والسياسية والثقافية. وكما كان الاعتراف اختياريا، هكذا ينبغي أن يكون القبول، وإلا لخضع لحتمية الجغرافيا فيما نريده أن يخضع لحرية التاريخ. فمثلما لا تواصل بدون اعتراف، هكذا لا تواصل بدون قبول. لكن القبول ينبغي أن يخضع لرغبة الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للمغرب، وليس لرغبات أو مصالح إسبانيا. قد تقبل بنا إسبانيا، ولكن وفق صيغتها؛ فمرة استقلال ذاتي للشمال، ومرة انفصال كلي في الصحراء، ومرة استئثار أناني بالثروة السمكية، وفي كل المرات "خضوع" و "مسالمة" حتى تأمن جانب الجار الجنوبي. والقبول ليس مما تقرر هكذا عند الذين نظروا لفلسفته، بل هو القبول الواقعي، وليس القبول المثالي؛ أي القبول بما هو عليه الجار في الواقع، لا السعي إلى تغيير هذا الواقع الذي يعيشه حتى يتم القبول به. صحيح هناك دواع كثيرة تدعو إلى تغيير الجار، ولكن ليس إلى الدرجة التي تجعله يصير على هواك، ويسلك وفق رغباتك. إذا كان هناك من داع لتغييره، فعلى الأقل يمكن أن يكون ذلك حفظا على خصوصيته بما لا يتعارض مع مصالحه.

         أما مقتضى التسامح، فنقصد به تتويج كل من الاعتراف والقبول في سلوك فعلي، وأثر حسي هو موقف التسامح. فحين تعترف إسبانيا بالمغرب، لا بد لها من أن تتسامح معه ومن ثم أن تتواصل معه. لكن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصل الحق لا وقد ُهضم. ذلك أن التسامح ممكن في حالة احترام الآخر لحقي أو في حالة تحصيلي لحقي، لا في حالة هضم حقي أو التفريط في حقي، من طرفي أو من طرف غيري. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وصاحبه في موقع قوة لا في موقع ضعف. فكيف يمكن أن تتسامح وأنت لا حيلة لك ، على ضعف ما بعده ضعف. فالتسامح المطلوب هو تسامح المتمكن لا تسامح الضعيف؛ لأن في تسامح القوي يبدو المعنى الكامل لتسامحه. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصلت العدالة لا وقد أهدرت؛ فكيف يمكن للتسامح أن يستقيم والعدالة غائبة في حضرة الظلم. كما أن التسامح ينبغي أن يكون من أجل المؤالفة مع الآخر لا من أجل المخالفة؛ فلا ينبغي أن يكون التسامح عاريا من غاياته التأليفية والتوحيدية. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ُحفظت الكرامة لا وقد ّأهينت وّجرحت في صميمها؛ فلا تسامح مع من يهين كرامتك ويدوس عليها. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ّحفظ الاختلاف؛ فلا تسامح من أجل التشابه أو المطابقة، مثلما لا تسامح في الاختلاف لتحصيل الائتلاف. كما أن التسامح لا يكون مع الذات تفاديا للإفراط في الأثرة، ولا يكون مع الغير تفاديا للتفريط في الحق.

         لقد دأب الغرب على عدم قبول الآخر، وعلى عدم الاعتراف به، ولا التسامح معه. ألا ترى أن  "الكوجيطو" الديكارتي يقدم نموذجا صارخا للأثرة الغربية في أناه التي تفكر، وأناه التي توجد، ومن ثم لا أحد يفكر معها، ولا يوجد إزاءها. ولذلك فإذا كانت هناك من إرادة في التواصل مع إسبانيا فمن الضروري وضع كوجيطو إسباني جديد تكون إسبانيا بمقتضاه معترفة بالمغرب، قابلة له، متحاورة معه، متسامحة معه؛ وإلا فإن "التفاصل" بدل "التواصل"، هو ما سيسود مشهد الصلة بين البلدين الجارين في الجغرافيا، البعيدين في التاريخ والمستقبل. ما هي نتائج هذا الكوجيطو الإسباني إذن؟

         أول النتائج هي رد الحقوق التاريخية للمغرب في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. وثانيها الشروع فعلا فيما يقتضيه التواصل أي التعاون المشترك لأجل تحصيل مشترك للخيرات. دون هاتين النتيجتين، سيظل أي حديث عن التواصل محض كلام فارغ من أية إرادة في التقارب، وملئ بكل الرغبات في التباعد. ودون الشروع في تحقيقهما سيظل أي كلام عن التواصل مجرد إرجاء انفجار ضغط الجغرافيا إلى وقت لاحق.

         أما وقد حددنا للتواصل مقتضيات ثلاثة، لا بأس من أن نتصور له منطقا من الواجب أن يوجهه في صيرورته إلى أن يكون واقعا عينيا. ويتعلق الأمر بالمحددات الكبرى التالية:

 

7- منطق التواصل

        

         أن منطق التواصل ينبغي أن يكون منطق المبادرة. إن إحدى المعاني التي ينطوي عليها مفهوم المبادرة في اللغةالعربية هو"المسارعة" و"الاستباق" و"الاستعجال". وعلى ذلك، فإن التنادي بالتواصل، إنما ينبغي النهوض به على "التو" لا على "التراخي"، مثلما هو الأمر في الأمور الجليلة التي لا تؤجل إلى حين. وإذا كان الامر كذلك، فلا بد من نبذ  منطق "التواكل" الذي يجمد بنا على "الكسل"، ويضطرنا إلى "الانعزال". 

         المحدد الثاني يتعلق بمنطق "التناصح". إن الجوار يفرض على المتجاورين النهوض بأخلاق الجوار وهو التناصح في الخير، والتناهي عن الشر. ولذلك فلا يستقيم أن يحكم  منطق "التآمر" جوارهما، حتى أنهما لا يتجاورا إلا ليتآمر الواحد منهما على الآخر، كأن الجوار هو نفي للجار، لا تجاور معه أي مقاسمته المكان.

         المحدد الثالث يتعلق بمنطق "التعاون".فالجار هو من يجاور جاره في المصلحة، لا من يتباعد عنه فيها، فيستأثر بها دونه. لا سبيل إلى الاستئثار مع من تقاسمه المكان، لأن الاصطدام به وارد، والحرب معه لا مناص منها، فلذلك  كان منطق التعاون هو المطلوب، و منطق "الأنانية" هوالمنبوذ.

         المحدد الثالث هو الذي يتعلق بمنطق "التشارك". إذا كانالتعاون هو قدر من يتقاسم معك المكان، فإن التشارك مما لا سبيل إلى دفعه، لأنهأوثق صلة بأخلاق الجوار. فالتشارك يزيد في الخيرات، ولا ينقصها كما قد يظن، لأنه مرتبط بالعمل. فلما كان العمل مضاعفا من جارين، كانت الخيرات أكثر كما، وأضخم مددا. وعلى ذلك ينتفي منطق "الاستئثار" لأنه أضمن لحظوظ الخلاف، وأدعى إلى أسباب الخصام.

 

8- ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟

        

         ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟ كل مجال يخدم المصلحة المشتركة. ولكن لا بد من الإشارة عموما إلى مجالين اثنين يتعلق أولهما بأنواع التفكير، ويتعلق ثانيهما بأنماط التدبير. فالتفكير المراد هاهنا هو التفكير  السديد المرتبط بالتدبير المفيد. ليس هناك من خير في تفكير إذا لم يتبع بتدبير مفيد، وليس هناك من نفع في تدبير لا يسنده تفكير سديد. فأما مجال الفكر كمجال التفكير، فهو السعي في إدراك صورة الآخر في الماضي لأجل تواصل مثمر في الحاضر. كما بذل الجهد في تصحيح صورة الأنا في الماضي والحاضر لدى الآخر لأجل تعامل محترم في الحاضر. أما مجال السياسة كمجال للتدبير، فيمكن أن يكون بعقد الندوات وتنظيم اللقاءات الثقافية وإجراء المناظرات السياسية لتطارح قضايا تهم الجانبين.

 

9- ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟

        

         ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟ إن الجهة المؤهلة للقيام بدور التواصل هي أطراف المجتمع المدني بمختلف مكوناته، ومتنوع ألوانه؛ فالعقل المدبر للمجتمع المدني هم الأحزاب السياسية، والعقل المفكر له هم المثقفون والأنتليجينسيا عموما. على هؤلاء التفكير في التواصل، وتدبير كيفيات تحققه، عملا بمفهوم "التعارف" في تراثنا، واستهداء بقيم "التواصي" بـ"الخير" و"التواصي" بـ"الحق".فأما التواصي بالخير، فلأن أخلاق الجوار تقتضي ذلك، وأما التواصي بالحق فلأن إسبانيا ما زالت تحتل قطعا عديدة من الحق المغربي. ومن ثم فخير التواصل ما تم وقد ُرد الحق إلى أصحابه، وُكف عن اعتبارهم جيرانا لا يراد اقتسام المكان معهم.

 

10- ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟

        

         أخيرا ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟ باختصار شديد هي ثلاثة لا ثالث لها وهي: قيم الإنسان من حق وعدل وجمال، وقيم المكان التي تطبق قيم الإنسان في مكان الحق، وتنهض بها في مكان الجمال، وتسعى بها في مكان العدل، وقيم التاريخ التي ترد الحق، وتعترف بالعدل، وتكون جميلة في جميع ذلك.

 

نشرت في: مجلة النور اللندنية العدد 166 مارس 2005 ، ص 20-22.

 

 

 

 

 

 


من هنا مروا ...

جانب من الصراع بين" الهامش" و"المركز": هل يتعلق الأمر ببوادر الوعي بالذاتية الثقافية لمثقفي الشمال؟

تلقيت  بالبريد الإلكتروني اليوم [19 يونيو] هذا "البيان" وملحقاته المؤرخ بخامس ماي الماضي من الصديق خالد الريسوني راجيا مني نشره في هذه الشرفة الإعلامية. ونظرا لشواغل حالت دون فتح بريدي الخاص في حينه، لم أتمكن من الاطلاع عليه، ومن ثم نشره حسب رغبة صاحبه. وإني إذ أنشره اليوم، فليس إلا لكي أقدم جانبا مما سميته في مكان آخر بـ"بداية تكون جراثيم جديدة للصراع الثقافي" بين "الهامش" و"المركز"، وكذا المضي إلى التساؤل عما إذا بدأنا حقا وفعلا نشهد ما يمكن تسميته بـ"الوعي بالذاتية الثقافية لدى مثقفي الشمال"...

  

 

بيت الشعر في المغرب يدين السمسرة الثقافية

 

تداولت الهيئة التنفيذية لبيت الشعر خلال اجتماعها المنعقد بتاريخ 11 أبريل 2009 في الموقف الذي ينبغي اتخاذه  بخصوص التصرف غير الأخلاقي الذي أبان عنه بعض الأفراد، من بينهم عضوان من بيت الشعر، والذين أعلنوا مؤخرا عن تنظيم مهرجان شعري عربي ـ إيبيري.

وهو المهرجان الذي سبق لبيت الشعر في المغرب أن أعلن عن تنظيمه، وفوض- كتابيا- للشعراء: المهدي أخريف، خالد الريسوني ومزوار الإدريسي، أمر متابعة التحضير لعقده بمدينة أصيلة منتصف شهر أكتوبر 2008، قبل أن يتم تأجيله إلى الأسبوع الأول من شهر ماي 2009.

 وقد كان بيت الشعر قد راسل في هذا الشأن عدة جهات لحشد دعمها لفكرة المهرجان: وزارة الثقافة، معهد الدراسات البرتغالية - الإسبانية ومؤسسة منتدى أصيلة .كما عُقد  لقاءٌ لنفس الغرض ،مع بعض الملحقين الثقافين لسفارات معتمدة في الرباط ( البرتغال مثلا). إلى أن فوجئ ،مؤخرا، بمبادرة هؤلاء الشعراء إلى تشكيل جمعية خاصة بالمهرجان،وتحريف فكرة المهرجان،في إطار تحايل مكشوف، بتحويل اسمه من مهرجان للشعر المغربي،الإيبيري إلى مهرجان عربي- إيبيري، والتنصل من أي علاقة مع بيت الشعر، بكيفية تبعث على الاستغراب و الاستنكار، وذلك في الوقت الذي كان البيت قد قام بتسجيل هذه التظاهرة قانونيا لدى الجهات الإدارية المختصة، وتحديدا لدى مصالح وزارة التجارة و الصناعة (ملف عدد 34911 ) بتاريخ 22-8-2008 ،والمكتب المغربي لحقوق التأليف والحقوق المجاورة.

إن بيت الشعر في المغرب، إذ يثير الانتباه لهذا التصرف السافر الذي طال أحد أنشطــته

و برامجه، عازم على اتخاذ كافة الإجراءات التي يخولها له القانون ، بما في ذلك اللجوء إلى القضاء لحماية مصالحه الرمزية وصيانتها من كل اعتداء أو تطاول.كما يدعو، في نفس الوقت،الجهات المعنية بهذه التظاهرة الشعرية:وزارة الثقافة المغربية، وزارة الثقافة الإسبانية والمعهد الثقافي الإسباني سيرفانتيس بطنجة، المعهد الثقافي البرتغالي كامويش،مؤسسة منتدى أصيلة.. إلى التعامل بأخلاق المسؤولية تجاه هذه الواقعة بما يحفظ للممارسة الثقافية اعتبارها ومصداقيتها، ويصونها من السمسرة و العبث والاستهتار.

بيت الشعر في المغرب،11 أبريل 2009

 

 

 

جمعية ملتقى الشعر الإبيرومغربي

Asociación Encrucijada de la Poesía Iberomarroquí

 

بيان حقيقة

ردا على بيان هيئة ”بيت الشعر في المغرب“

 

باندهاش كبير، تلقَّينا في ”جمعية ملتقى الشعر الإيبيرومغربي“ البلاغ الصحفي الصادر عن الهيئة التنفيذية لـ”بيت الشعر في المغرب“، وكذلك البيان المعنون ”بيت الشعر في المغرب يدين السمسرة الثقافية“، لما تضمَّناه من مغالطات تقتضي التصحيح والتوضيح تنويرا للرأي العام المعني بمضمونهما.

بدء، نعتقد أن مؤسسة تحتضن مجموعة من الشعراء، وتُعنى بالشعر يُفترَض فيها أن تسمو بعباراتها وأن ترتقي بأسلوبها، فتتلافى ما أمكن السقوط في مطبات  الابتذال، الذي لا يمت إلى ما تمثِّلُه بتاتا بصلة؛ من قبيل "السمسرة الثقافية" و"التصرف غير الأخلاقي" و"التصرف السافر" و"الموقف الذي ينبغي اتخاذه ..." التي ما من شك في أنها عبارات فجة، لا قِبل للشعر بها، فأحرى أن تسكن بيتا من بيوتاته. ولا يخفى أن القصد منها تبرئة الذات تجنُّبا للمحاسبة، وتقديم الآخر في صورة الانتهازي المستعد للمتاجرة في حقل غير قابل لممارسة التجارة والسمسرة، اللتين نَعْلَمُ جيِّدا أنَّ من ضمن أعضاء الهيئة التنفيذية لـ ”بيت الشعر في المغرب“ مَنْ يحترفهما ببراعة، بل ويحسن ضمنهما الرقص على أكثر من حبل.

يوهم البلاغ/البيان بأنَّه قد تمَّت مصادرة نشاط من أنشطة ”بيت الشعر في المغرب“، بالسطو عليه، وتحريف مجراه وشكله، وهو ما يجانب الحقيقة إطلاقا، ويقفز على وقائع نضعها بين يدي القارئ، ونترك له الحق في الحكم متعالين عن العبارات البعيدة كلِّيا عن لياقة الشعر.

إنَّ فكرة عقد مهرجان شعري إيبيرومغربي ظلَّت تراودنا مدَّة سنوات، نحن أبناء مدن شمال المغرب، وكنا في كل اللقاءات التي تجمعنا نتداول شأنها، وقد انتهى بنا الأمر إلى طرحها على العديد من الجهات، التي أبدتْ استعدادا لاحتضانها، لكنَّ عضويِ "البيت" اللذيْن ذكرهما البلاغ/البيان بالاسم هما اللذان ألحَّا على اقتراح ”بيت الشعر في المغرب“ إطارا أنسب لتنفيذ هذه الفكرة، عِلْما أنَّ هناك من الأصدقاء منْ كان يعارض من الأساس إدخال ”بيت الشعر في المغرب“ طرفا في المشروع.

هكذا، وبعد اتصالات هاتفية عدة، تمَّ الاتفاق على عقد اللقاء الأول في يناير 2008، بفندق باليما بين أصحاب الفكرة (وهم نخبة من مدن طنجة وأصيلة وتطوان) من جهة ممثَّلين في الثلاثة المذكورين، وبين رئيس بيت الشعر حسن نجمي وأمين ماله مراد القادري من جهة ثانية، وفيه تمَّ تسليم مشروع المهرجان، بجميع ترتيباته التنظيمية والأدبية والمالية، إلى مسؤولَيْ ”بيت الشعر في المغرب“، وهذا يتنافى كُلِّيا مع ما جاء به البلاغ من فكرة الاعتداء والتطاول على المصالح الرمزية للبيت.

إن ”بيت الشعر في المغرب“ بتسجيله هذه التظاهرة قانونيا، كما يقول في بلاغه لدى الجهات الإدارية المختصة، وتحديدا لدى مصالح وزارة التجارة والصناعة ولدى المكتب المغربي لحقوق التأليف والحقوق المجاورة يكون قد سطا فعليا على فكرة الغير، وسجلَّها وكأنها ملكه، وهو يعرف حق المعرفة أنها ليست له، بل وخوفا من أن ينفِّذ أصحاب الفكرة فكرتهم قام بعمل استباقي، لا يقوم به إلا لص محترف.

فلماذا يا ترى قام بمثل هذا العمل؟

إن الاجتماع المذكور سابقا، والذي تمَّ بفندق حسان بالرباط، حدَّد فيه المجتمعون مهام كلِّ طرف، فتكلَّف أصحاب فكرة المهرجان بالاتصال بمؤسسة منتدى أصيلة ووزارة الثقافة الإسبانية ومعهد ثربانتيس بطنجة وبالشعراء، بينما تكلَّف أهل ”بيت الشعر في المغرب“ بالاتصال بوزارة الثقافة المغربية وبالملحق الثقافي بسفارة البرتغال.

لكنْ، وبعد مرور أزيد من ثلاثة أشهر وثلاثة اجتماعات، كان آخرها بفندق حسان أبريل 2008، لم يتقدَّم أهل ”بيت الشعر في المغرب“ خطوة واحدة؛ فبعد أنْ عانينا كثيرا مع الهواتف المحمولة التي لا تُجيب، أو التي تفاجئنا بالعلبة الصوتية، أُخْبرنا من قبلهم بموعد اجتماع مع السيدة وزيرة الثقافة، ثم عادوا مرَّة ثانية لإخبارنا بإلغاء موعد الاجتماع، دون مبرر، ودون أي وعد باجتماع لاحق، ولا أيِّ إخبار بنوع الدَّعم الذي يُفترض أن تقدِّمه الوزارة للمهرجان.

وبخصوص الطرف البرتغالي، فإنَّ المسؤولين عن ”بيت الشعر في المغرب“ لم ينجزوا أيّ اتصال، ولم يفيدونا بأي إخبار عن أي نوع من الدَّعم سيقدِّمه هذا الطرف المشارك للمهرجان.

بل الأدهى، هو أنه بعد قيامنا باتصالات مع الطرف الإسباني، وتحديدِ الأسماء المشاركة وبكل التفاصيل المتعلقة بالمساهمة الإسبانية، ومراسلة كل الشعراء المشاركين إسبانا ومغاربة، طلب منا من يمثلون ”بيت الشعر في المغرب“ تأجيل موعد المهرجان؛ الذي حُدِّد سابقا أيام 16، 17، 18 أكتوبر 2008، إلى أجل غير مسمى، لنكتشف لاحقا أنَّ مبعث التأجيل كان مشاركة بعض أعضاء هيئة ”بيت الشعر في المغرب“ في الأسبوع الثقافي المغربي بسوريا إلى جانب وزارة الثقافة المغربية.

ونحن لسنا ضد مشاركتهم في هذه السفرية أو تلك، ولكن من العبث أن نعلن للأطراف المشاركة من شعراء مغاربة وأجانب ومؤسسات ثقافية في هذا البلد أو ذاك أننا نؤجِّل المهرجان بسبب تهافت بعض الأصدقاء في "البيت" على سفرية.

من حق ”بيت الشعر في المغرب“ وأهله أن ينظموا مهرجانهم متى يحلو لهم ذلك، وفي المكان الذي يختارونه، وأن يسموه بالاسم الذي يرتضونه له. لكن ليس من حقهم أن يصادروا حقَّنا في عقد لقاء شعري، وفي تحقيق فكرة شعرية بسيطة نحلم بها. إنَّ اعتزازنا سابقا ”ببيت الشعر في المغرب“، وتقديرنا للدور الذي قام به في التعريف بالقصيدة المغربية وإلحاقها بركب القصيدة الكونية، لا يعني أنه الوحيد المخوَّل له التحدث باسم الشعراء، أو الاستئثار بكل ما يمت إلى الشعر بصلة، لأن بيت الشعر الحقيقي هو الكلمات، وليست المؤسسة المسماة ”بيت الشعر في المغرب“، التي تُكرِّس بتصرُّفها " غير الأخلاقي" هذا فكرةَ هوس المركز بالسيطرة، ورفضَه لكل المبادرات التي تأتي من الهامش، وكأنه يستنسخ صورة مزيدة ومنقحة لعلاقة سلطوية طالما نددنا بها، وقاومناها بأساليب مختلفة.

الحقيقة أن المشكل لا يكمن في تسجيل فكرة، حتى وإنْ كانت لآخرين، لدى هذه الجهة أو تلك، وإنما المشكل في تنفيذ الفكرة، فليشمر هذا البعض من أعضاء هيئة ”بيت الشعر في المغرب“ عن سواعدهم. أما نحن فلسنا خدما لدى هذا البعض من أعضاء هيئة ”بيت الشعر في المغرب“ حتى يكلِّفونا بتنفيذ أفكار يدَّعون أنها لهم، ونحن متأكدون أنهم عاجزون عن تنفيذ حتى تلك الأشياء الجميلة التي ورثوها عمَّن سبقهم في تسيير شؤون ”بيت الشعر في المغرب“.

إنَّ بعض أعضاء هيئة ”بيت الشعر في المغرب“ مطالبون بأن يكفوا عن سعيهم إلى إجهاض مبادرة ثقافية تهدف إلى خدمة الشعر المغربي عامة، وهي المهمة التي أُسِّسَ من أجلها، والتي أيضا تَجْمَعُ بين أعضاء ملتقى الشعر الإيبيرومغربي؛ الذين منهم من ينتسب إلى ”بيت الشعر في المغرب“، بل الأجدى لهذا البيت أن يدفع بهذه المغامرة النبيلة إلى تخومها القصوى.

إننا نلح على أن المساس بجمعية ملتقى الشعر الإيبيرومغربي، وبالأسماء المذكورة تعبير صريح عن أخلاق غير شعرية، ونيل سافر ومجاني من أصوات شعرية مغربية ما فتئت ترعى القصيدة وقيَمَها، وهو ما يفترض أن يندد به الشعراءُ المغاربة جميعا، لأن فيه تشهيرا رخيصا. ونحن ندعو كل أصدقائنا في بيت الشعر إلى أن يكون لهم موقف صريح وشجاع وفوري إزاء هذه المهزلة الجديدة التي افتعلها أعضاء معيَّنون لا يمكن أن يمثلوا أبدا قيم بيت الشعر، وميثاق بيت الشعر، الذي ينحاز إلى أخوة الشعراء وسمو الشعر ونبل رسالته.

encrupoeiberomar@gmail.com

 

 

 

توضيحات في شأن مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري، مراد القادري

 

ارتأيتُ أن أتوجَّه بهذه السّطور إلى الرأي العام الثقافي،وتحديداً إلى أصدقائي الشُّعراء المغاربة،ليس للتـّعقيب على بيان جمعية الشعر المغربي-الإيبيري،أو للدّفاع عن بيت الشعر في المغرب الذي لهيئته التنفيذية وحدَها الحقُّ  في الرد على ماجاء في البيان المذكور.بل لتقديم بعض التوضيحات لكـُلّ من تابعَ بيانَ الهيئتين حول الخِلاف القائم بينهما في شأن مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري،علـَّها تُسهـِم في رفع بعض الالتباسات،اعتبارًا لكوني عضو اللجنة التحضيرية لهذا المهرجان وتابعتُ باسم بيت الشعر، إلى جانب الشاعر الصديق حسن نجمي،أطوارَ تحضيره منذ اللحظة الأولى.

 - عندما طـُرح،خلال الجمع العام الأخير لبيت الشعر في المغرب (1 يوليوز 2006)،مقترحُ إقامة مهرجان للشعر المغربي-الإيبيري ،وتم تبنـّيه من طرف الجمع العام ،صار هذا المقترحُ جزءًا من البرنامج الثقافي والشعري لبيت الشعر،ولم يعد مُهمّاً ،بعد ذلك، التساؤُلُ أو معرفةُ من صاحب الفكرة ،أو من كان المُبادرَ إليها.فأعضاءُ أيِّ جمعية مدعـوّون،خِلال مؤتمرات منظماتِهم، إلى تقديم المقترحات التي من شأنها تطويرُ ممارسة وأداء جمعيتهم،و الارتقاءُ بها إلى آفاق جديدة.وليس طرحها، ونقلها فيما بعد أو تهريبها إلى جهة أخرى.

دُونَ ذلك،سيُصبح العمل الجمعوي مُفرغا من أي التزام أخلاقي .نُقدّم اقتراحاً هنا ،وحين يتأخر تنفيذه أو تواجهه مصاعب مادية أوماشابه،نُؤسّسُ له جمعية خاصة.إنها التراجيديا التي عاشَها و يعيشُها المشهد السياسي و النقابي ببلادنا،و التي أدت إلى ظواهر العزوف و انعدام الثقة....و أتمنى ألاّ يسقطَ الفعلُ الثقافي في براثن هذه النزعات الضيقة و الشخصية.

- تتأسَّسُ أهميةُ المُقترح الذي تبنّاه بيتُ الشعر في المغرب خلال جمعِه العام الأخير،والقاضي بتنظيم مهرجان للشعر المغربي-الإيبيري،على قيمة وأهمية العلاقات الثقافيــــــــــــة

و الشعرية التي ميّزت تاريخًا حيًّا من العبور و التفاعل مع شبه الجزيرة الإيبيرية  في الماضي البعيد و القريب.ومن ثمة،كان اللقاءُ عنوانا لحاجة ثقافية ،ولحظة حضارية ،ستُسهِم في الإجابة ،عبر الشعر و من خلال القصيدة ،على التحديات التي نعيشُها كشعوب (المغرب-إسبانيا-البرتغال) تسعى للتأكيد على قِيم التـَّعايش و الانفتاح و الحوار.

الآن, ما أهمية هذا اللقاء في ظل الدينامية الثقافية و الشعرية  التي نتحدّثُ عنها وقد أضحى المُقترح الذي اشتغلنا عليه جميعا :"مهرجان للشعر الإيبيري-العربي"...؟ .

أليس هذا تحويلا ثانيًا يمُسّ الفكرة والمقترح...؟ .لقد تاهت الفكرة.ولم تعد هناك حاجة حقيقة وراء هذا النشاط ،سوى الالتقاء و تبادل قراءة القصائد الشعرية.

- كيف سيبرّر أعضاءُ جمعية مهرجان الشعر المغربي-الإيبيري موقفَهم،تجاه شركائهم،وقد خاطبوهم البارحة باسم بيت الشعر في المغرب، واليوم باسم جمعية أخرى...؟

و العجيب في الأمر، أنهم، في المناسبتين معا، وباستثناء بعض التعديلات البسيطة، خاطبوهم بنفس الملف،وبنفس الأرضية.وكيف سيبَرّرُ الشركاءُ موقفهم ،هم الآخرون،و بين أيديهم،ملفان واردان من جمعيتين مختلفتين،تدّعي كل واحدة  منهما أحقـّيتَها في تنظيم المهرجان..؟.خاصة أن بيت الشعر في المغرب لم يُعلن تخلّيه عن فكرة تنظيم المهرجان.وعلى عكس ما حاول أعضاء جمعية مهرجان الشعر المغربي –الإيبيري الترويج له بأن بيت الشعر فضّل أعضاؤُه خلال التاريخ الأول الذي اقترح للمهرجان:16-17-18 أكتوبر2008 السفر إلى سوريا،أقول لهم:عارٌ عليكم،و اتقوا الله في صداقة الشعر.فالجميعُ يعلم أنّ بيت الشعر خِلال هذه الفترة كان يُحضّر لاحتفالية جائزة الأركانة العالمية للشعر التي احتضنها المسرحُ الوطني محمد الخامس يوم 24 أكتوبر.و هي اللحظةُ الثقافيةُ و الشعريةُ الرفيعة التي لم يعشْ بيت الشعر مثيلا لها ، واستدعت منه،ومن هيئته، جُهدا تنظيميا كبيرا لمدة شهور.

لقد كان البيت مُنخرطا ،خلال هذه الفترة،في عمل ثقافــــــــي

و شعري ،أصيل و حقيقي. عملٌ غير مسبوقٍ، استقطب إليه الاهتمام وأكّد القيمة َالتي مازال يحظى بها الشعرُ لدى الناس.وذاك ما ذهبت إليه عدة ُ شهاداتٍ ومقالاتٍ نُشِرت عن هذا الحفل:أحمدعبد المعطي حجازي،صبحي حديدي،مارسيل خليفة...

وأخيرا،أود أن أؤكد لبعض أعضاء جمعية مهرجان الشعرالمغربي –الإيبيري أن العاملين الحاليين بالهيئة التنفيذية لبيت الشعر،و يوجد من بينهم أعضاء مؤسسون للبيت وساهموا في رسم أفق عمله، ليسوا فقط ورثة لتركة، نعتز بها و نقدرها ،ولكنهم حريصون أشد الحرص على تطوير هده التركة  وجعلها مواكبة لدينامية المشهد الشعري المغربي التي تتعزز بمختلف الإسهامات و الإضافات الأصيلة لشعراء المغرب لافرق في ذلك بين شماله وجنوبه.

مراد القادري

عضو اللجنة التحضيرية لمهرجان الشعر

 المغربي-الإيبيري

 

 

 

ضد تزييف الحقيقة

خالد الريسوني

 

أود من خلال هذه الورقة أن أتوجه إلى كل الشعراء المغاربة النزهاء، الذين ما زالوا يتجرعون كأس مرارتهم في صمت، وبعد لم تصبهم لوثة السمسرة الثقافية ولعنة الهرولة نحو الكراسي، وممارسة الكذب والتزييف رغبة في الوصول إلى أمجاد تافهة لا تليق بالصورة التي ينتظرها منا مجتمعنا المغربي في شماله وجنوبه، والداعي لكتابة هذه الورقة لايحتاج مني إلى تبرير لأن صفحات الجرائد المغربية والعربية، وعلى الأنترنيت امتلأت في الآونة الأخيرة بالاتهامات الرخيصة لنا بكوننا أردنا، أنا والصديقين الشاعرين المهدي أخريف ومزوار الإدريسي، ولوج عالم جديد لا علاقة له بالشعر، عالم السمسرة الثقافية مما اعتبرناه ومازلنا نعتبره مسا خطيرا بكرامتنا كمواطنين بالدرجة الأولى، ثم كشعراء في المقام الثاني، وممن أتت هذه الاتهامات من مؤسسة كان يعول عليها أن تصون كرامتنا وتحمينا من مثل هذا الكلام السخيف، والذي لا يصمد أمام الحجة التي نسوقها لإبراز نوايانا الحسنة في كل ما قمنا به لصالح الشعر المغربي، وما زلنا نرغب في القيام به؛ لأن ما تعرضنا له نعتبره نزوة أفراد في الهيئة التنفيذية لبيت الشعر، وليس في المؤسسة بكل أعضائها. إن الحسابات الصغيرة التي قام بها هؤلاء الأفراد، وحروبهم الصغيرة والمقيتة، جعلت الكثير من المثقفين النزهاء يعبر عن عدم ثقته في المؤسسات الثقافية في بلادنا، بل إن البعض أصبح يتضاحك من هذا الواقع العاهر الذي أصابنا برشاشه نحن الذين كنا نطمح أن نكتب قصيدتنا بعيدا عن الضجيج والتراشق الكلامي والدعارة الثقافية.

 وأمام ما كتبه الصديق الشاعر مراد القادري من توضيحات لا أتفق معها، وتبيانا للحقيقة ولاشيء غير الحقيقة، أقول له ومن خلاله لجميع الشعراء المغاربة أننا:

 1/ كشعراء مغاربة – وأشدد هنا على مغاربة- ننتمي إلى شمال المغرب، كنا دائما نؤمن بالهوية الثقافية المتميزة لهذا الجزء من الوطن، مثلما نؤمن بأن مسألة الهويات الثقافية لبلادنا متعددة ومختلفة. ولهذا عندما اقترحنا تنظيم مهرجان إيبيرو مغربي، سيصير لاحقا ملتقى إيبيرو عربي، كنا نراهن على مشروع من صلب اهتماماتنا كشعراء ومترجمين ونقاد من شمال البلاد، ولا أعتقد أن هذا موجه ضد أي أحد، بدليل أننا نعتبر الشعراء المغاربة جميعا معنيين بالمساهمة في هذا الملتقى، بل إننا حملنا الفكرة التي تمت مناقشتها مع أكثر من ثلاثين مثقفا ومبدعا في طنجة وتطوان وأصيلة لبيت الشعر كي ننفذها على أرض الواقع، وهيأنا لها برنامجا ولجنا تنظيمية وتصورا ماليا، ومساهمين فاعلين في الحقل الثقافي، ومشاركة مغربية من مختلف جهات البلاد شمالا وجنوبا. وبالتالي فنحن نعتبر الغمز واللمز، واللعب على وتري الإقليمية والعصبية الضيقة لا مبرر لهما، فنحن داخل البلاد وخارجها أكثر وطنية، وأكثر انفتاحا مما يتصور البعض. 

2/ إن القول بأن فكرة المهرجان قد تم تسطيرها ضمن البرنامج الثقافي لبيت الشعر في جمعه العام الذي انعقد في الدارالبيضاء بتاريخ:1 يوليوز 2006 ، فيه تزييف للحقيقة، إذ أن  هذا الجمع العام لم يقدم إبانها أي مشروع برنامج ثقافي، بل قدم فيه فقط التقريران الأدبي والمالي للهيئة المسيرة سابقا للتصويت عليهما، ثم تم الانتقال مباشرة إلى انتخاب الهيئة التنفيذية الحالية التي لم تقدم أي برنامج ثقافي تعاقدي، لاكتابة ولا شفويا، وإذا كنت مخطئا فليصحح لي الشعراء الذين حضروا الجمع العام، أما أن تكون فكرة المهرجان قد طرحت إبانها فأنا متأكد بأن ذلك ليس حقيقة، لأنني أنا والمهدي أخريف ومزوار الإدريسي، كنا من نقلوا الفكرة إلى حسن نجمي بعد ذلك بشهور، بعد أن أقنعنا الإخوة الآخرين بضرورة تنظيم المهرجان ضمن أنشطة البيت، وأن البيت سيدعم الفكرة ويمضي بها معنا إلى حدودها القصوى.

3/ أن الصديق الشاعر مراد القادري بعظمة لسانه ، هو الذي ألح علينا، أنا ومزوار الإدريسي بضرورة تأجيل المهرجان، خلال لقائنا معه في ساحة وطاء الحمام بمدينة شفشاون العامرة خلال بداية صيف السنة الماضية، أثناء انعقاد مهرجان الشعر المغربي، مبررا ذلك بحضور وفد مهم من "بيت الشعر في المغرب" في الأسبوع الثقافي المغربي بدمشق، في نفس فترة انعقاد المهرجان تقريبا، وهو ما حصل بالفعل، فقد شارك فعلا أعضاء من الهيئة التنفيذية لـ: بيت الشعر ضمن الوفد المغربي في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2008، ولا أحد يعترض على ذلك، فلماذا يحاول الأخ مراد القادري أن يغطي الشمس بالغربال، ويقدم لنا احتفالية جائزة الأرغانة باعتبارها المبرر الوحيد لتأجيل تاريخ مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي، أمن أجل التخفي في حبنا العميق لمحمود درويش شاعرا ورمزا أم لتبرير ما لا يبرر؟ إن مكمن الخطأ ليس هنا ، مكمن الخطأ يوجد في عدم وجود بوصلة وأجندة واضحة لدى الهيئة التنفيذية لبيت الشعر في المغرب، إنها الارتجالية في الأداء، وإلا كيف قبلت الهيئة التنفيذية أن تبرمج في شهر واحد ثلاثة أنشطة كبرى في نفس الشهر، علما أنه كان بالإمكان أن توزع على مدار السنة؛ وقد لاحظ الأخ مراد القادري بشفشاون أننا تضايقنا من فكرة التأجيل، ومن الأداء الباهت للهيئة التنفيذية لبيت الشعر، لأنه ما كان عليهم أن يقبلوا بتحديد تاريخ المهرجان منذ البداية، وعلى العموم فهذه كانت فقط القشة التي قسمت ظهر البعير، لأن الإخوة الآخرين عندما علموا بخبر التأجيل ألحوا على إبعاد البيت عن تنظيم المهرجان، واكتشفنا نحن الثلاثة أننا في الأصل كنا مخطئين حين مضينا بالفكرة وبالمشروع إلى البيت. ومراد القادري حين اكتشف امتعاضنا واحتمال إبعاد البيت عن تنظيم المهرجان، نقل ذلك إلى بعض أعضاء الهيئة التنفيذية، الذين أفتوا بتسجيل المهرجان باسم كذا.. لبيت الشعر في المغرب؛ وتماهيا مع الأحداث، تم تغيير تسمية المهرجان، واختيار اسم آخر كنت شخصيا أفضله لأنه يفي بالغاية من تنظيم هذا اللقاء الشعري.

 

4/ وللأخ مراد القادري وهو يتحدث عن الالتزام الأخلاقي أسأله، أي التزام أخلاقي هذا الذي سنواجه به، الشعراء والمؤسسات الأخرى الداعمة، وقد حددنا لهم موعد اللقاء منذ أكثر من سبعة أشهر خلت، وهم من جانبهم ألغوا أي مواعيد أو أعمال أو لقاءات أو التزامات لهم، ووضعوا على أجنداتهم أنهم سيكونون خلال هذا التاريخ معنا في المغرب، في مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي؟ هنا يكون الالتزام الأخلاقي، في الإحساس بالمسؤولية، ليس تجاه الذات فقط بل تجاه الآخرين، ثم كيف نفسر هذه العلاقة المختلة التي ننسجها مع الزمن، ونحاول أن نورط معنا فيها الآخرين. يجب أن نغير ذهنيتنا ونحن ندعي الحداثة وغيرها من المفاهيم، فالزمن عامل حاسم في الحداثة وفي التقدم؛ فالمهرجان الذي كان سينعقد في أكتوبر ليس هو الملتقى الذي ينعقد الآن في ماي، فالزمن غير الزمن... وحتى الشعراء الذين كانوا سيشاركون في ذلك المهرجان ليسوا هم الذين يشاركون الآن، لقد فضلوا أن ينسحبوا من المشاركة في مهرجان عالم ثالثي بكل معنى الكلمة، وذلك لسبب بسيط أن "الآخر" لا يحترم أبدا من لا يفي بالتزاماته، ونحن ومن كان معنا من بيت الشعر في إعداد المهرجان العلم ثالثي لم نَفِ بالتزاماتنا تجاههم، مع فارق هو أن البعض يعرف كيف يقدم النقد الذاتي، ويقدم الاعتذار ولا يبالغ في تضخيم الذات بالتبريرات التي لا معنى لها، وأحيانا بالتجني على الآخرين ونعتهم بأبشع النعوت، ربما لأنهم باغتونا بفعل كاشف لعرينا. ولا يفوتني هنا -وأنا أصغي إليك أيها الصديق الشاعر والزجال- وأنت تتحدث عن المشهد السياسي والنقابي، أن أنبهك إلى أن الكثيرين من المحسوبين على الفعل الثقافي ببلادنا، يزكون ما يجري بممارساتهم المهرولة، بحثا عن الكرسي أو الجاه أو المال أو سلطة وهمية، أما نحن فقد اخترنا أن نتأملهم من خارج الإطار، لا مطمح لنا ولا رغبة في أن ننزل إلى المستنقع؛ ببساطة نتأسف لما يجري، ونحس أصوات الفجيعة في دواخلنا، ونحن نرى بشاعة المشهد... تأمل داخل مؤسساتنا الثقافية، مشاهد السقوط والولاءات واللهاث خلف الكراسي والشاشات وستعرف بالإشارة والعبارة ما ألمح إليه...

  5/ في سياق الحديث عن التسمية، قلت بأنني أفضل التسمية الحالية وهي: الملتقى الشعري الإيبيروعربي عن السالفة وهي مهرجان الشعر الإيبيرو مغربي، وهذا النقاش هو من صميم غايات ورهانات التأسيس التي قد لاتكتمل إلا بشروطٍ موضوعية وبتوفر الفضاء الضروري لتحقق تلك الغايات والرهانات، وأول اختلاف في التسمية هو الذي يقابل بين مفهومي مهرجان وملتقى، ففكرة المهرجان تنطوي على مفهوم الاحتفال، وأنا لست ضد صخب الاحتفال والاحتفالية وإن كنت أميل إلى مفهوم الملتقى بما يعنيه، من أبعاد تأملية، ومن إمكانية التلاقح والتفاعل الفكري والشعري بين قارات شعرية وليس بين بلدان، فنحن وأقصد المؤسسين لم نفكر في البلدان بل فكرنا في القارات، وهذا ما يفي به مفهوما العربي والإيبيري، إن مفهوم العربي باعتباره لغة وجنسا بشريا يمتد من المحيط إلى الخليج، والإيبيري باعتباره مصدرا وامتدادا يضم إسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية، وهنا تكمن أهمية الملتقى كغايات ورهانات بالنسبة للمغرب عامة وللشعر المغربي خاصة، فالمؤسسون كانوا يتوخون كل هذا في التأسيس، وليس ما قصدت إليه أخي مراد في "توضيحاتك" حينما تحدثت عن المغرب إسبانيا والبرتغال، ولكن العوائق الموضوعية للبدايات هي التي أجلت فكرة البعد العربي وأجلت القارة الأمريكية اللاتينية، ثم إن اختيار مدينة أصيلة له دلالته التاريخية، فبغض النظر عن الموقع الذي تحظى به باعتبارها أرضا للقاء الشعري والفعل الثقافي، فهي مدينة خلاسية احتضنت أكثر من هوية ثقافية، وخصوصا الهويَّتيْن العربية والإيبيرية. ومن جهة أخرى، نحن لا نريد فقط أن يقرأ الشعراء المغاربة قصائدهم الشعرية في هذا الملتقى، نريدهم أن يدخلوا، ضمن الشعرية العربية، في حوار عميق مع شعريات آتية من قارات أخرى، وهذا لا نقوم به لأنفسنا، ولا طمعا في مجد زائف أو كرسي أو سلطة وهمية، بل لصالح القصيدة المغربية، أما نحن فمجرد عابرين في هذا الهباء المهول.

ودمت  صديقا لذاتك وللشعر والشعراء.

خالد الريسوني

عضو مؤسس لجمعية أصدقاء لوركا بتطوان

عضو بيت الشعر في المغرب

عضو جمعية ملتقى الشعر الإيبيرومغربي

                                      

 

.". .

أنا حقا متعصب لمدينتي من حيث الانتماء إلى المستقبل والحداثة !

أجرى معي صديقي الأستاذ بدر الحمري حوارا نشرته ناقصا إحدى الأسبوعيات الوطنية. هنا "الذيل والتكملة":  

 

 

    بداية، نـريدك  أن تحدث قراء [أسبوعيتنا] عــن البدايات الأولى من عمرك في التحصيل الدراسي إلى حدود المرحلة الجامعية..

·        إذن تريدني أن أكتب لك سيرة حياتي؟

ولم لا؟ بالمناسبة، هل سنقرأ لمحمد بــلال أشمل سيرة ذاتــــية قريبا ؟ 

·        طيب أسيدي ..أنا الآن في مرحلة إعداد المعطيات الضرورية لكتابة "سيرة دراسية" تشمل مرحلة التحصيل الدراسي في المرحلتين الابتدائية والثانوية وبعضا من "أيام المسيد" المجيدة. المشروع سينجز بتعاون مع بعض أساتذتي الكرام في كلتا المرحلتين ممن تربطني بهم أواصر الصداقة والاحترام والتقدير، وأيضا مع بعض أصدقاء الدراسة ممن قدر لي أن أتصل بهم في تطاون أو خارجها. أما المرحلة الجامعية فستكون ضمن مشروع "سردي" موسع. وإذا سمحت لي باستعارة عبارة أبي الوليد في "بداية المجتهد" مع تحويرها قليلا لقلت: وإن أنسأ الله في العمر فسنضع كتابا في الترجمة الذاتية والغيرية على مذهب فريد مرتبا ترتيبا صناعيا على حسب المراحل الوجودية من الحياة الشخصية. وكيفما كان الأمر، أستطيع أن أقول لك إني كنت محظوظا جدا أن درست في تطاون وفاس والرباط ومدريد. وأعتبر أن مرحلة التحصيل العلمي التي ابتدأت في مسيد بحومة "البطحاء" على يد الفقيه الفاضل عبد الرحمان الفتوح بارك الله في عمره لم تنته إلى الآن ، وإنما هي رحلة ممتدة أفقيا وعموديا وسيكون من المفيد في نظري التأريخ لها لاسيما مرحلة فاس الأساس التي كان لها عظيم الأثر في حياتي العلمية والشخصية.

كـــيف تـتذكر أول نص نشر لك ؟

·        أتذكره بعظيم الفرحة، وواسع الأمل، وكبير الأسى ؛ فأما الفرحة فقد هيأ لي نشر أول مقال لي عام 1982 بجريدة "الرسالة" التي كانت تصدر بالرباط ويديرها المجاهد أبو بكر القادري، مكانة اعتبارية وسط أقراني في قسم السادسة ثانوي ولدى هيئة إدارة ثانوية الشريف الإدريسي بتطاون حيث ضمنت بين أظهرهم لقب "الكاتب" و "الصحافي" طوعا وكرها، بعد أن سرت فيهم بسيرة "المناضل الثوري" المعتمر للكوفية، والمتسربل بلباس عسكري كنت اشتريته بخمسة دراهم من "الغرسة الكبيرة". ولك أن تتصور أيضا مبلغ الزهو الذي كنت أشعر به حين كنت أجاور أستاذي لمادة التربية الإسلامية الأستاذ محمد بركاز حفظه الله، في نفس الجريدة. ثم لك أن تتصور مقدار الافتخار الذي كان يملأ علي كياني وأنا أمر أمام ناظر الثانوية الأستاذ مزروع وهو يمسك بنسخة من نفس الجريدة حيث مقالي المنشور بالبنط العريض وفي نظراته بعض الكلام الحائر. وأما الأمل، فقد امتد أمامي في الأفق منذ اللحظة الأولى التي نشر لي فيها المقال المعلوم؛ فقد تهيأ لي أني سلكت "طريق الذي يذهب دون أن يعود". ولتكرار لحظات الفرح، كان علي أن أكتب وأنشر، ثم تيقظ الوعي لدي أن الكتابة موقف وشهادة، فلم أعد أنشر إلا ما وثقت في قيمته وتيقنت من جدواه. ثم أدركتني "حرفة الصحافة"، فسعيت إلى إصدار "مجلة القضية: مجلة السؤال والإبداع" عام 1985 خلال مرحلة التحصيل الجامعي بفاس، وبعد تخرجي بسنوات أسست رفقة آخرين جريدة "الأنوار" في تطاون عام 1993، وبعد ست سنوات أي عام 1999 أصدرت جريدة "تطاون العامرة: منبر المسؤولية الحضارية". وخلال هذه المدة ظهر لي أن "حرقة الصحافة" متمكنة من نفسي، ولكني لما رأيت كثيرا من الإفك والبهتان يرتكب باسمها، ضربت صفحا عن إصدار أي منبر ورقي-وهل أستطيع؟- واستعضت عنه بإصدار منبر رقمي هو جريدة الأخبار الثقافية التطاونية، "الفدان". وأما كبير الأسى، فهي أن صلتي انقطعت  بالرجل الذي سعى في نشر مقالي الأول، وأعني به الصحافي المقتدر الأستاذ عبد القادر الإدريسي حفظه الله. لقد كان لهذا الرجل الفضل علي في منحي لحظة وجودية عميقة جدا وهي فرحة رؤية اسمي مكتوبا في جريدة ورقية لأول مرة. وإن نسيت فلن أنسى كيف انه احتفل بمقالتي تلك ونشرها في صفحتين، وكان هذا صنيعه في جميع المقالات التي كنت أرسلها للنشر في جريدة "الرسالة" التي كان يرأس تحريرها. وهكذا استمر الحال إلى حدود سنة 1985 حيث أفضت بي الأقدار إلى مسالك أخرى في عالم الكتابة والنشر. لقد أثبت الرجل حقا أن المرء يكون كبيرا بتواضعه فقد كان ينشر لي مقالاتي ثم يرسل إلي نسخة من الجريدة-وأنا تلميذ في السادسة ثم قسم الباكالوريا- مع بعض كتبه حول قضايا الفكر الوطني والإسلامي كهدايا - وهذا الصنيع لم يتكرر مع الأسف إلا نادرا مع غيره داخل المغرب أو خارجه. ولك أن تتخيل مبلغ الاعتزاز الذي شعرت به ذات يوم لما زرته في الرباط واستضافني في بيته عقب نشر مقالتي المعلومة: لقد ضاعف هذا من ذلك الشعور بالمسؤولية الذي شعرت به في تطاون يوم أن حملت لي إحدى زميلاتي في الثانوية نسخة من الجريدة حيث نشر مقالي. وهاهي نفس المسؤولية التي لأمر ما شعرت بها ثقيلة أكثر لما أتيحت لي مصافحة رجل كان في زيارته هو الآخر في نفس اليوم الذي زرته في مكتبه بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وهذا الرجل كان اسمه عبد رب الرسول سياف الذي كان أو بسبيله إلى أن يكون-لا أعلم حقيقة- أمير المجاهدين ورئيس الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان. كل هذه "الذكريات"  ما تزال حاضرة في الذهن ومشتعلة في الوجدان وجمالها يترسخ كلما امتد بالمرء العمر وانتثرت أمامه الرؤيا. وقد يأتي اليوم الذي أتحدث فيها بتفصيل أكثر حتى تكون كلمة حق وشهادة تقدير في كل الذين أدين لهم بفضل طيلة حياتي التعليمية والثقافية.

 

  ماذا يعني أن تكون مدرسا للفلسفة ؟

 

·        أن تكون محاورا لبقا مع الأجيال. أنت تعلم أن قيمة الحوار في مجتمعنا الراهن قيمة في انحدار مهول. والأجيال التي ندرس لها الفلسفة أكثر الشرائح الاجتماعية تأثرا بهذا الوضع. فماذا عساك تقدم لها غير إحدى القيم المفقودة في محيطها وعالمها. لقد برمت من "التكفير" كلما عبرت عن رأي، وضاقت بـ"التخوين" كلما فكرت في "الهجرة إلى الضفة الأخرى، أو دعت إلى إعادة النظر في "المواطنة" وجعلتها اختيارا لا اضطرارا، وساءها أن تتلقى الأوامر من كل فاقد للمصداقية، وتكون مطيعة طيعة لا ترد أمرا ولا تعصي إرادة لكل من فقد مشروعية قانونية أو أخلاقية. ثم إن "المعارف" أكثرها متاح باتساع الوسائط المعرفية في زماننا؛ فهذا الجيل قطع أشواطا بعيدة في عصر القراءة الرقمية. ماذا عساك تضيف إليه إذن إن لم تخض معه التجربة الأصيلة في كل ممارسة فلسفية: الحوار؟ وتعود من ثم إلى سلوك البدايات الأولى للسيرة السقراطية في "الأغورا" أو "الفدان"، وتقدم له، بدلا من "المعارف" الجاهزة، جملة من "المواقف" الحية.. على المرء أن يكون على قدر من التواضع العلمي والأخلاقي لكي يخوض تجربة تدريس الفلسفة بعيدا أن أي ادعاء في "التعليم" أو في "التربية". ثم له أن يكون على قدر كبير من الشجاعة الأدبية لكي يعلن انتصاره للفلسفة في محيط لا يقيم وزنا لصوت العقل، ولا يعبا بوازع الأخلاق، ولا يحفل برأسمال القيم.  

 

من هـــم الفلاسفة الذين أثروا في مسارك الفكري ؟

·        مسألة تأثير فيلسوف بعينه في مساري الفكري مسألة صعبة في تقديري الشخصي على الأقل فيما يخصني. كل الفلاسفة الذين كنا نقرأ لهم إنما كنا نعيش معهم أيضا بمعنى من المعاني ومن ثم نرتبط بهم عقليا ووجدانيا بدرجات متفاوتة. ولكن جميع من صحب الفلاسفة قراءة وحياتا سيقول لك عن جميعم إنهم موضوع احترامه وتقديره. وهذا حالي مع أسماء معينة يمكن أن أذكرها لك أمثال جبران خليل جبران في كتابه النبي، وحسن حنفي في تتلمذي المباشر على يديه ولاحقا بوساطة أعماله، وعلي شريعتي، وابن رشد وغيرهم. ولكن إذا كان لي أن أختار فيلسوفا بعينه عشت معه طويلا فهو الفيلسوف الإسباني خوسي أورتيغا إي غاسيت (1883-1955). لقد تعرفت على هذا المفكر الأصيل عن طريق شاعر ومفكر إسباني آخر هو أنطونيو ماشادو؛ فبعدما عشت مع صاحب "براري قشتالة" السنوات الطوال قارئا ومتذوقا ومتأملا، سلمني إلى "المشاهد" فصار صديقي القريب إلى درجة أني كنت في وقت من الأوقات لا أطيق مقالة أبي حيان التوحيدي في الصديق الذي لا ينبغي أن تسيئك منه نقيصة أو  نقيصتان. لقد كان "خوسي أورتيغا" صديقي الوفي، ولما نشر الكاتب الصحافي "غرغوريو موران" كتابا عنه عام 1998 قال فيه ما يسئ إلى تراث الرجل، أصابني بعض الكدر أذكر أنه لازمني وقتا من الزمن. ولم أستطع التخلص منه إلا لما تمكنت مني من جديد أدوات الحكم الموضوعي على الأشخاص والأشياء بعيدا عن أية عاطفة إنسانية أو دينية أو وطنية. الصداقة الفكرية والروحية للفلاسفة شئ ثمين، ولكنها أحيانا تمنع صاحبها من تبين مواضع النسبية في أشخاصهم وأفكارهم ومواقفهم. ومهما يكن من أمر، فالتاريخ الفكري الشخصي هو أمشاج من تواريخ فكرية لعدد من المفكرين والكتاب والمؤرخين وأيضا من التجربة الشخصية والغيرية.

 

نعـــلم أنك تنظر إلى ' تـطاون العامرة .. أفقا للتفكير ' ...

·        صحيح، ولكني في نفس الوقت أنظر إليها كأفق للتدبير. وهذا ما ذكرته في كتابي الصادر عام 2002 . وبيان ذلك أن التفكير السديد يثمر التدبير الرشيد. إنك تعلم أن بعض آفاتنا صادرة من أن من يتولى أمور التدبير عندنا تنقصه القدرة على التفكير السديد فلذلك تجد أن معظم تدبيرنا لمصالحنا تدبير غير رشيد. ولكن لا ينبغي أن يفهم هاهنا أن الأمر يتعلق بتفكير تقني مباشر لشؤون "بلدية"، بل الأمر على العكس من ذلك، يتجاوز ما هو جزئي إلى ما هو كلي. مشروعي هو تأسيس "النظرية العامة في تطاون ضمن ما أسميه بـ"الفكر المدائني" القائم على جعل المدينة بدل الوطن أفقا للتفكير، ومن ثم جعل "التواطن" بدل "المواطنة" مناسبة للفعل انطلاقا من مواطنة اختيار لا مواطنة اضطرار. وأعتقد أنا نحتاج داخل الفكر المغربي هذا النمط من التفكير في مكاننا المشترك انطلاقا من أفق مديني محدد يتولى كل واحد منا جعل مدينته موضعا للتأمل والتدبر. ولك أن تتصور حصيلة ما يجتمع إليك من ثمار: متن فكري معتبر للتفكير الكلي في المغرب. ولا سبيل في تقديري إلى إنجاز التفكير الكلي في المغرب من دون الانطلاق الأولي من بعض الآفاق المدينية المشخصة التي يقتدر أبناؤها التفكير فيها لما قد يرون لها من معقولية فكرية أو حضارية أو ثقافية أو تاريخية. لقد حان الوقت لكي يستعيد المغاربة صلتهم الحقيقية بمدنهم من حيث كونها إمكانيات حداثية. ولعل المدخل الحقيقي لتحقيق ذلك يتم عبر بوابة التاريخ. على المغاربة معرفة تاريخ مدنهم، ويعني هذا على أهل الصناعة في التاريخ إعادة كتابة تاريخ مديني يتعرف بوساطته الناس على الأمكنة التاريخية التي يعيشون فيها ولا أقول ينتمون إليها لأن هذا موضوع آخر.

 

    شاركـتــم مـؤخـرا في نـدوة حـول تخليق الحياة الثقافية بطنجة، وكانت ورقتك تــشخص ' آفات التداول الثقافي في تطاون ' ، هل يمكن أن توضح لنا أكثر [مضمون] هذه الورقـــة؟ 

 

·        إذا كنت تعني الندوة الأخيرة حول "تخليق الحياة الثقافية في المغرب" المنعقدة في طنجة، فقد سعيت في ورقتي إلى رصد بعض "آفات التداول الثقافي في تطاون" وذلك أني رأيت أن دعوى "التخليق" لا بد أن تسبقها دعوى "التحقيق"، أي لا بد من تحقيق القول في هوية الآفات وطبيعتها، حتى نتمكن من "تخليق" الحياة الثقافية لأن من يقول "التخليق" يقول "الآفات" ضمنا. وهذا ما أحببت أن أقوم به من منطلق الاهتمام بالتداول الثقافي في مدينتي. تعرف أني لا أحب أن أكون "باسبارتو الثقافة" –أي ذاك المثقف الذي يتكلم في كل شئ بادعاء ظاهر وبشكل كاريكاتوري يبعث على الشفقة وهذا بالمناسبة بعض آفات تداولنا الثقافي- ولذلك اخترت الحديث عما أعرفه وأكتوي بناره يوميا في هذا البرزخ الوجودي الذي اسمه تطاون. آفات التداول الثقافي في مدينتي تشبه إلى حد قريب آفات عموم المغرب مع اختلافات بسيطة في الشكل وإضافات طفيفة في الجوهر نظرا لمقتضيات التخوم الجغرافية وطبيعة الإرث الاستعماري الإسباني مثلا. ولذلك حين تحدثت عن تلك الآفات فقد يحتمل أن تنطبق على باقي الحياة الثقافية في المغرب إن لم تنطبق عليها فعلا. هذا إلى أني بصدد وضع اللمسات الأخيرة على كتاب لي يدور فصل من فصوله على تلك الآفات. وإذن فنحن أمام نموذج جزئي لما يقع في الوطن، ولكنه يصلح أن يكون هو النموذج لأنه يتكرر في تقديري في باقي الخريطة الوطنية وقد تحدثت بالمناسبة عن هذه المسألة في كتابي الذي أشرت إليه سابقا تحت عنوان " آفات بعض متثاقفي مدينتنا ومتصاحفيها". الموضوع يحتاج إلى جرأة وصدق مع النفس، ومع الأسف هذا ما يغيب عن حياتنا الثقافية المليئة بالادعاء والكذب وانعدام المروءة...

اهتمامك هذا قد يجــعل البعض يتهمك بالتعصب لمدينتك...

·        من حسن الحظ أنك استعملت لفظ "قد" وإلا لطالبتك بإفادتي عمن يكون قد اتهمني بالتعصب لمدينتي لأنه ببساطة لا يوجد لدينا إلا "نقد المقاهي"-وهي آفة معتبرة في سلم الآفات التي تشكو منها حياتنا الثقافية- لم أقرأ لأحد كتب يقول إن فلانا متهم بتعصبه لمدينته. هذه فرضية -إن صدقت- فهي قائمة على الجهل والهوى. أنا حقا متعصب لمدينتي من حيث الانتماء إلى المستقبل والحداثة. أيريدني الناس أن أنتمي إلى الحزب أو إلى القبيلة أو إلى العرق أو إلى الزاوية حتى يرضوا عني؟ ثم إن من يقول ذلك عني فهو يمنحني فرصة طيبة للفخر والاعتزاز. لكن دعني أشرح لك كيف يكون التعصب حقا: أن يزعم المرء أن مدينته هي "أم الدنيا" وان غيرها لا يعدو أن يكون عدما، أو أن يدعي مدع أن مدينته هي أفضل من غيرها من دنيا العالم. هذا ادعاء وزعم باطلين يمهدان لفاشية أين منها فاشية بعض النعرات العرقية التي صرنا نعاني بأسها اليوم في بلادنا. لا أعتقد في هذا النوع من التعصب المذموم، ولا أحب أن أمارسه وأرى أنه مرحلة متطورة من السذاجة العقلية وعلامة اعتلال ظاهرة في الحس الوطني. ما أعتقد فيه هو أن مدينتي كانت قدري، ومن ثم من واجبي أن أفكر فيها، وأحبها وأعمل من اجل مرضاتها انطلاقا من تصور منهجي يقدم "المدينة" المشخصة على "الوطن" المجرد.  لو كنت في مكان آخر غير مدينتي لكان سيكون اختياري شيئا آخر. أما وأن تطاون شهدت مسقط رأسي، وموضع "حياتي"، فيها أعمل وأشتغل وأفكر، ومن خلالها انظر إلى العالم من حولي، فهي من ثم اختياري الأوحد الذي أعتز بالانتماء إليها واحرص على أن تكون عامرة عامرة. ولكن في نفس الوقت، لدي الوعي أني مواطن عالمي أمارس إنسانيتي من أفق محدد ومن مكان مشخص ولعل هذا هو التحدي الحقيقي لنا: هو أن تفكر في المجرد انطلاقا من مكانك المشخص. هذه بداهات نجد أن بعض الناس يحاججون فيها عن جهل وعن هوى.

 

"مناسبات أورتيغانية" عنوان مؤلفكم الجديد الذي صدر مؤخرا، هلا قربت لقراء [أسبوعيتنا] الكتاب أكثر ؟ ..

·        كما قلت في تصديري كتابي، "مناسبات أورتيغانية" هو طائفة من "مقالات في الفكر الإسباني المعاصر"، منها ما نُشر ومنها ما لم ينشر؛ وكلها تتناول الموضوع الإسباني في بعده الفكري والفلسفي والتاريخي، إما بالوجود كفكر له حضوره في لغته وأرضه، أو بالامتداد كفكر منتشر في لغات وأصقاع أخرى. غاية جميعها، فتح نافذة الفكر المغربي على التجربة الفكرية الإسبانية القريبة منا كلما مضى بنا البحث في شمال الفلسفة، أو ساقنا النظر إلى جنوب التاريخ. ولقد كتبت نصوصها ما بين 1995 و 2000 إلا اثنتان. ومع حلول الألفية الجديدة على زماننا، أحببنا نشرها في كتاب حتـّى ُنبدد "مخاوف سنة ألفين" كما صنع قريبا من هذا "خوسي أورتيغا إي غاسيت" عام 1904. ولم نكن نقصد بتلك المخاوف إلا استمرار اشتغال الفكر الفلسفي المغربي بنفس الواحدية الفكرية الـّتي كان يشتغل بها منذ ظهوره، دون أن يجدد في آلاته، أو يغير في غاياته وهو مقبل على ولوج ألفية جديدة. وقد مرت بضع سنين منذ ذلك الحين، ولم يقدر لنا نشر الكتاب أسفا، وِكدنا نضرب عنه صفحا لما كاد يقع في ظننا أنا قمنا بما كان يجب علينا القيام به، وهو نشر بعض مواده في المجلات والصحف السيارة والكتب الجماعية، والاجتزاء بما كنا دعونا فيها إلى تعديد مصادر الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، واتخاذ الفكر الفلسفي الإسباني مناسبة جديدة لتجريب الحوار الثقافي. ولما رأينا من الفكر الفلسفي المغربي حرصه على صورته الـّتي بها عرفناه، جامدا على الواحدية الثقافية، ُمخلصا للهوية الأولى الـّتي انطلق منها يفكر، وصار ِبهديها يُدبر خرائط الزمان والمكان المغربيين بغير اقتضاء لضرورات التاريخ، ولا انتباه لتخوم الجغرافيا، صار لدينا الاعتقاد بأن مقالاتنا ما زالت تنطوي على بقايا معقولية زمانية مبررة بفائض المعقولية الفكرية، وإلا فقد كادت تموت بعض قناعاتها بالاختلاف مع إكراهات الوقت المغربي شئ واحد حرصنا على صنعه وهو صياغة العنوان من الأفق المفهومي للفكر الفلسفي الإسباني، استوحيناه عمدا  من "خوسي أورتيغا إي غاسيت" حتـّى نؤكد به بعض ما نعتقده في مقتضيات التفكير الفلسفي المغربي، ونقدم به نموذجا من الإحالة على المناخ العام لكتابنا من حيث هو كتاب يقدم بعض وجوه الفكر الفلسفي الإسباني، أغلبها له صلة قريبة أو بعيدة بصاحب "موضوع عصرنا"، أو ببعض مناسباته.

 

 أنت على رأس ' الجمعية الفلسفية التطوانية' التي أسست يوم 26 ماي 2006، بعد سنتين و نيف . ما هي الحصــيلة ؟ ..

 

·        الحصيلة واعدة طبعا بإرادة كل من يشكل هذا المشروع الفكري والثقافي الجديد. ولعل إحداها أنا نشرنا في الناس اختيارا بسيطا هو عنايتنا بالشأن الفلسفي الإسباني كإحدى مبررات وجودنا الفكري والثقافي في مكان لا تخفى على عين المراقب الحصيف دلالته. لكن إلى جانب عنايتنا بالفكر الإسباني، نعنى أيضا بالفكر المغربي والعربي والإنساني عموما. أتعلم أن بعض الناس ساءهم أن نسمي جمعيتنا بـ"التطوانية"؟ لقد أعمتهم قلة ثقتهم بذاتيتهم عن تبين بديهية من البديهيات التي تكثر في تاريخ الفلسفة حين نسبة الاشتغال بالفلسفة إلى مكانها: "حلقة فيينا"،  و"مدرسة فرانكفورت" و "مدرسة مدريد"...ينبغي عليهم منذ الآن أن يستاءوا من تسمية بعض الأسماء ذات البعد المركزي في "الرياضة العضلية" مثل "المغرب الفاسي" أو "المغرب التطواني"، ويتقبلوا جمعية متواضعة في انتمائها إلى مكانها المشترك تعمل في مجال "الرياضة العقلية". يظهر أنا لم نتصالح بعد مع "المدينة"، وهذه هي إحدى عوائق تقدمنا، ولما نفعل ينبغي أن تكون دائما هي "المركز"، وإلا لاتهمت بالتعصب أو غيره من الاتهامات. لكن دعني أقول لك بكل فخر أنا صنعنا اسم بلادنا بدرا منيرا في سماء الفكر الإنساني حين اصطنعنا اللغة القشتالية وسيلة للتواصل، وسخرنا الشبكة العنكبوتية وسيلة للعمل. ولعل المرحلة الماضية من حياة جمعيتنا كانت بالأساس مرحلة تعريفية بهذا الكيان في إسبانيا والبرتغال والعالم الأمريكولاتيني إما عبر الحضور الفعلي في بعض مؤتمرات الفكر والفلسفة فيها، أو بالمشاركة في منتدياتها أو بالمساهمة في كبريات مجلاتها. فبفضل جهودنا صار العالم يعرف أن في تطاون المغربية حياة عقلية وثقافية وليس فقط حياة التهريب والمخدرات والشذوذ كما يحرص بعض الناس على تقديم مدينتنا إلى العالم. نحن الآن أحد المخاطبين الرسميين لقسم الفلسفة باليونسكو، وعضويتنا في الفدرالية الدولية للفلسفة بسبيلها للتفعيل قريبا، ولنا تعاقدات مع إحدى المؤسسات الثقافية في الخارج لإحياء ذكرى دولية لأحد الفلاسفة، ولدينا صلات وثيقة مع الجمعيات الفلسفية في إسبانيا والبرتغال والبلدان الناطقة بالإسبانية في أمريكا اللاتينية، وكونا صداقات مع رجال الفكر والثقافة في معظمها، وصار الناس هناك يعرفون شؤون التداول الفكري والثقافي في تطاون والمغرب مما تحرص بعض المنابر الصحافية والإعلامية أن تستره بالغربال. أنجزنا أنشطة وندوات إشعاعية متعددة، واحتفلنا لدورتين باليوم العالمي للفلسفة بتنسيق مع اليونيسكو، وأنجزنا معرضا للكتاب الفلسفي المدرسي والإسباني، ونظمنا أياما فلسفية رمضانية، وأقمنا عيدا للكتاب في بعض ثانويات وإعداديات مدينتنا، ونشرنا موادا فكرية وتربوية وثقافية وإخبارية في شرفتنا التواصلية الرقمية باللغتين العربية والقشتالية، وشاركنا بصفتنا الشخصية أو الجمعوية في بعض الأنشطة الفكرية داخل المغرب وخارجه آخره في مدينة "البسيط" بمناسبة مؤتمر المستعربين الإسبان حيث عقدنا صلات ثقافية وجمعوية مع كثير من أطراف الشأن الفكري والثقافي الإسباني....عمر جمعيتنا سنتان ونيف، ولكن احسبها بحساب الإرادة تجدها أكثر، وبحساب العزيمة تجدها بلا حدود.

 

 ماهي قـراءتك للوضع الدولي عمــوما ؟

 

·        قراءة متفائلة دوما منطلقها ثقتي في منطق التاريخ الذي سيقضي بسقوط الأقنعة، وانكشاف الحقائق، وان الشعوب إذا أرادت الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.

 

من هو المثقف و كيف تنظر إلى المهام التي يجب أن يكون عليها في عالمنا المعاصر؟

·        ما زلت أومن أن المثقف هو ضمير الأمة الحي، ومن ثم عليه أن يكون صادقا في مسؤوليته أمينا في مهمته التنويرية للأجيال، قارئا جيدا للتاريخ، منصتا بارعا لنبض الحاضر، ومستشرفا حكيما للمستقبل.

 

لو رخـص لـكـم بتأسيس حزب سياسي، ما الأهداف التي ستدافعون عنها ومع من ستتحالفون ؟..

·        أخي بدر، تعلم انه لن يرخص لي بتأسيس حزب سياسي بالمواصفات التي أريد، وتعرف أن التجربة السياسية التي ساهمت فيها في بداية الألفية الجديدة كانت محض سراب لأسباب قد يحين أوان الحديث عنها في مكانها، وتعرف رأيي في الأطراف الممكن التحالف معها فيما لو كانت هناك إمكانية لتأسيس حزب على مقاس الطموحات ومبلغ الإرادات، فإذن أعفني من الجواب.

ســـؤال أخيــر:  شــعاع يــشـــع في حــياتك ؟

أسرتي الصغيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثقافة العربية والإعلام الرقمي [أسئلة لمحمد بلال أشمل من لدن "روافد ثقافية"]

ضمن ملفها المعنون بـ" وضع الثقافة العربية بين الورقي والرقمي" الصادر في العدد الثاني عشر (2008)، سألتني جريدة "روافد ثقافية" الصادرة في تطاون الأسئلة التالية:

- روافد ثقافية: سبق لكم أن خضتم تجربة إصدار جريدة ورقية، ثم انتقلتم إلى إنشاء مدونة تهتم بالأخبار الثقافية المحلية، لماذا هذا الانتقال؟

محمد بلال أشمل: هو في الواقع ليس انتقالا بل "تنقيلا" حملتني عليه وسائل التواصل الرقمي المتطورة، وفرضته علي الحاجة إلى مخاطبة عدد واسع من القراء في العالم. ثم هي لحظة صدق مع النفس: من أكون حتى أصدر جريدة ورقية ثقافية في مدينة عرف عنها الجحود على ما كان يرى الفقيه المرير رحمه الله ذات يوم تطاوني مرطوب؟ ليس لدي تكوين صحافي معتبر أغشى به هذا الميدان الذي غشيه غيري في تطاون بغايات مشهورة، وليست لدي عصبية سياسية تؤازرني إذا ضيقت يد الرقيب الخناق على الهواء، وليس لدي سند مالي يحميني من جشع السوق، ويعوضني تردد القراء حين ابتياع نسخة من جريدة في ناحية مهملة من الشمس. لست إلا رجلا يحمله شعوره بالمسؤولية الحضارية على الانصياع لإحدى حالاته العاطفية فيصدر "منبر المسؤولية الحضارية"، ويطلق "جريدة الأخبار الثقافية التطاونية" حتى يقدم صورة أخرى عما يروجه بعض الكتبة عن مكاننا المشترك. ومع ذلك ففكرة إصدار جريدة ورقية كجريدة "الأنوار" التي "أضأناها" مع ثلة من الأصدقاء عام 1993 أو "تطاون العامرة" التي أصدرتها عام 1999 ما زالت ضاغطة وتتربص بالأقدار لكي تخرج على الناس بما ترضاه من عمل صحافي. ولكن هل تكفي العواطف لصنع التاريخ؟ من غير المعقول أن تكون تطاون بمجدها الصحافي المعلوم وهي لا تقو على إصدار صحيفة جامعة تكون هي مرآة الحياة العقلية فيها. ولكن أيضا ليس أقسى على القلب أن يكون المرء في تطاون شر خلف لخير سلف. ولذلك فالصبر مثوانا الأول والأخير. ومن يدري؟ فلعلها تتغير الأمور إلى ما نشاء ونرضى. ما نصنعه في مدوناتنا الآن إنما هو من قبيل "إشعال شمعة خير من لعن الظلام" ليس أقل ولا أكثر، أو قل هو من الاجتزاء بالبعض في استحالة الحصول على الكل. والكل هو أن تتهيأ الأسباب الكافية والضرورية لعمل صحافي في مستوى أشواقنا الفكرية والثقافية والإيديولوجية. لا أتصور في المدى البعيد صحيفة إلكترونية تحل محل صحيفة ورقية وتعوضنا عن غيابها القسري. في اعتقادي ما زلنا نحتاج إلى رائحة الورق، حتى ننتشي في فعل ثقافي في مستوى طموحاتنا. "الكلمة" المكتوبة هي الأصل وما زالت، والغالب على الظن أنها ستبقى. بيد أن هذه النزعة المحافظة التي نعلنها للناس بافتخار لا تنسينا هوانا الرقمي، ولا تبعدنا عن القيام بواجبنا تجاه ضرورات التواصل العصرية. ولكن دعني أقول لك: في "جريدة الأخبار الثقافية التطاونية" أنشر ما يحلو لي، وما يوافق اختياري، وما أراه يمثل الحياة الثقافية في مدينتي. أصنع ذلك من منطلق أن هذه "مدونتي". وحين أتحرى فيها قدرا قليلا من "الغيرية" فذلك على قدر الاستطاعة، لا مجبرا ولا مكرها ولكن طائعا مختارا. أقوم بواجبي بكامل حريتي. وهكذا ألتزم بحدود مهمة "الفدان" كساحة للعرض وكميدان للمعاينة: إعلام القارئ الواقعي والمفترض بـ"الأخبار الثقافية التطاونية". ومن ثم فليس صحيحا أن ما ينشر هنالك هو فقط "الأخبار الثقافية المحلية"، لأن منطق الثقافة الرقمية يقوم على التشظي المكاني بل على قتل المكان والزمان والمسافة، ومن ثم زوال العقلية المركزية وما تستند عليه من مقدمات متهافتة مثل "المحلي" و "المركزي" و "الوسط" و "الدائرة". نافذة "الفدان" مشرعة على الكون، مفتاحها اللغة العربية التي تخاطب بها نظيراتها في العملية التواصلية، وآلتها اللغة الرقمية التي تصطنعها لترجمة تلك العملية. وفوق كل هذا وذاك طبيعة الخيرات الرمزية التي تتبادلها مع غيرها من مواطني العالم اعتزازا بانتمائها إلى المكان الذي تستوطنه بكل رمزيته، وأملا في مستقبل واعد على أرضه دون أن تزعم أنها "أم الدنيا". ألسنا من أطلقنا استعارة "الفدان الفلسفي" في مقابل "الأغورا" اليونانية فعلم بها القاصي والداني، وصار "الفدان" كساحة واقعية ومجازية رمزا للحرية والحوار؟ التحدي الحقيقي هو كيف تستطيع انطلاقا من مكانك المشخص أن تبرهن على كونيتك المجردة. ومع ذلك صرنا نكتشف كم هي قوية "أوهن البيوت" لما خلقت لنا صداقات في الشمال والجنوب، وهيأت لنا عداوات في الشرق والغرب لمحض أنا أعلنا ولاءنا للمدينة وأعلن غيرنا ولاءهم للقبيلة. هذه هي على الأقل عقيدة "الفدان" وعليها ستلقى قراءها الذين بدؤوا يعرفون اسم مدينتنا بفضلها مقرونا بالفلسفة والأدب والفن والثقافة وليس بالمخدرات والإرهاب والشذوذ والتهريب.


- روافد ثقافية: كيف تنظرون إلى مستقبل الثقافة المنشورة رقميا؟


م.ب. أشمل: أنظر إلى مستقبل الثقافة المنشورة رقميا بعين الرضا لأن الصالح سيصمد في وجه الزمن، أما الأصلح فسيخلد في وجه الزمانية. وكلما كان مستقبل الثقافة الرقمية مستقبلا واعدا، كلما كانت الثقافة الورقية بسبيلها إلى الرسوخ؛ لأني أعتبر أن الثقافة الرقمية تستند في وجه من وجهها على الثقافة الورقية فهي الرافد لها بامتياز، على الأقل لدى أولي العزم من القراء والمفكرين والمثقفين. أما أصحابنا ممن لهم ولع بالثقافة "البوكادية"-نسبة إلى البوكاديو- فحسبهم من الثقافة أعراضها، أما جواهرها فليسو بحاجة إليها، أو هي ليست بحاجة إليهم، حتى تنهض بما ينبغي أن تنهض به من مسؤوليات. في تقديري ستحافظ وسائط الثقافة الورقية على مقامها، وستنطلق الثقافة الرقمية إلى أكوان غير متوقعة من الإبداع والاكتشاف وسيكون على الواحد منهما أن يتعاون مع الآخر في سبيل مرضاة من وجدا جميعا بسببه.

- روافد ثقافية: ما الذي أضافه الإعلام الرقمي للثقافة العربية؟

م.ب. أشمل: الذي أضافه الإعلام الرقمي للثقافة العربية أشياء كثيرة منها ما هو في مصلحتها ومنها ما هو ضد مصلحتها. وحسبي أن أذكر من سائرها أنه أمدها بشرط ضروري لازدهارها وهو إمكانية الحرية؛ فها نحن نشهد كم من الحدود قد فتحت عنوة، وكم من السدود نقبت حيلة، وكم من السلط سقطت صلحا، حتى صار "الفدان" الافتراضي ساحة بدون تأشيرة، تغشاه بآنسيابية عظيمة كل أمم الأفكار والآراء والمقالات والنحل والملل والأهواء، وتقيم فيه ما تشاء من بنيان. إن الشبكة الرقمية، بما هيأته من سرعة في التواصل، وبما سمحت به من أسباب الانتشار الواسع، كسرت سلطان من كان يتسلطن، ونسفت بنيان من كان يتجبر، ولكنها أثمرت نوعا من الآفات كنا حسبناها انقرضت خلال العصر الورقي، فإذا بها قد ازدادت انتشارا وسعارا وهاهي تهدد "العملة الحقيقية" بزيفها وادعائها وتعالمها، فمن كان نكرة بين أهل الصنعة صار "معلما" ينبغي أن تقدم له الولاءات وإلا لشنع عليك في مختلف المواقع والمنتديات الرقمية والواقعية. أيستطيع أي منكر أن ينكر أن الثقافة الرقمية سترسخ قيمة محمودة هي الحرية وستمكن لقيمة دنيئة هي الادعاء؟ ولكن متى كان عالمنا الورقي خاليا من نكبات الحرية وعاريا عن آفات الادعاء حتى نطمع في خلو العالم الرقمي منهما؟ كما كانا مترافقين ومتزاوجين على حالين متنافرين سيظلان كذلك إلا أن يقرر الإنسان العيش في "مدينة الله". أما ما دام يعيش في مدينة الإنسان، بجهالتها وفسقها، فعليه أن يصبر ويصابر ويسعى ما وسعته قوته وإرادته إلى العمل من أجل الحرية ومناهضة كافة أشكال الادعاء سواء باللسان أو بالخط أو بالنقر. الحرية والادعاء يقف الواحد منهما على طرفي نقيض، وبما أنهما أكثر المظاهر التي جدت على الثقافة العربية- أو تجدد حضورها فيها بشكلها الرقمي- كلاهما يعكسان آمال الثقافة العربية في الانعتاق من جميع أشكال القيد والادعاء المفروضة على عقل وجسد وروح الإنسان العربي والتي تقف في وجه أن يكون كيانه ملكا له لا ملكا لغيره.

- روافد ثقافية : ألم تؤثر سهولة النشر رقميا على قيمة الإبداع ؟

م.ب. أشمل: هذا السؤال يستطيع أن يجيب عليه أهل الصنعة من النقاد. ولكني مع ذلك أقدر أن سهولة النشر رقميا أثرت على قيمة الإبداع من زاويتين، الأولى إيجابية؛ فقد صار معلوما أن "أوهن البيوت" ينطوي على إسهامات عظيمة القدر في الجودة والإبداع، سهلت لها الدولة الرقمية الافتراضية المواطنة الكاملة بعدما سدت الصحف الحزبية و الكتائبية أبوابها في وجهها؛ والثانية سلبية، فقد صار معروفا أن الشبكة العنكبوتية تستضيف في ربوعها ذوي"الرايات الحمر" لا ّهمّ لهم إلا تفريخ كل مؤذٍ للذوق ومسئٍ إلى المروءة ومعاندٍ للعقل. وكدليل على ذلك هذه الآثار الفكرية والأدبية التي تحفل بها المواقع الرقمية وتتبشع بها المنتديات الافتراضية؛ فبين عشية وضحاها أصبح لدينا كم هائل من "الشعراء"، وصار لدينا جيش لا يقهر من"الصحافيين"، وطفقنا كل صباح أمام طائفة منصورة من "الكتاب" يتبادلون الإطراء والمديح فيما بينهم بسهولة غير معقولة. ولا عجب، فبعض القبائل الافتراضية توزع على مواليها الألقاب وتكرمهم بمحض التشيع لها دون أن تعلم أنهم مجهولي النسب في قومهم، وأن بضاعتهم فاسدة تعرض الذوق العام للخطر. لقد صار الكذب والادعاء هو عقيدة من خرج على الناس بمدونة أو بموقع -إلا قليلا- ومن ثم أحدث من التأثير السيئ على قيمة الإبداع ما يلمسه كل ذي نظر. إنها مهمة النقاد في تزييف الأعمال الفكرية والأدبية المنشورة على الشبكة العنكبوتية، ولكن ما حيلتهم وقد أعيتهم كثرة الادعاء في العالم الواقعي، كيف سيعالجونها في العالم الافتراضي؟

- روافد ثقافية : ما رأيكم في التوقعات التي تتنبأ بانقراض الإنتاج الثقافي الورقي ؟

م.ب. أشمل: اعتقد أن تحديد جغرافية "الانقراض" أمر مهم. يجوز أن يصح هذا على المجتمعات التي صفت حسابها مع الأمية ومع الفقر، وصار التكوين الثقافي لديها بمعناه العام من مقومات حياتها اليومية، أما لدينا نحن الذين ما زلنا نتخبط في جهالتنا وجهلنا، فما زلنا نحتاج إلى وقت طويل حتى نتطارح هذه التوقعات اللهم إلا إذا كان بأس من يريد أن يدخل بنا هذه المرحلة قويا فيحملنا على حرق مرحلة لسنا مؤهلين لحرقها دون الاستعداد لها أتم الاستعداد. هذا إلى أني أرى أن العقلية التجريدية التي تحسن استخدام وسائل الثقافة الرقمية هي عقلية محصورة جدا في عدد محدود من المتعلمين، أما سواهم فهم من أصحاب العقلية الحسية الذين تربطهم بالأشياء علاقة رحمانية، ومن ثم، فمن الصعب جعلهم يصطنعون الثقافة الرقمية مع أنهم في قرارة أنفسهم من أكثر مستخدميها ولكن بعقلية "فيتيشية" كما هو الحال مع وسائط التواصل الحالية من هواتف نقالة وغرف الدردشة وما على ذلك. أقدر أن الثقافة الورقية –وتحديدا الكتاب- ستصير كمثل تلك القلعة الحصينة التي كلما تعب الناس من الترحال بين المجرد وأشباهه، عادوا إليها التماسا لحنان الأم يطمئنهم أنهم ما زالوا بواقعيتهم، ولعلهم سيبحثون عن تلك الوردة الحمراء التي وضعوها ذات ربيع "كيتاني" في إحدى صفحات كتبهم الأثيرة على أنفسهم حتى يربطوا صلاتهم بالماضي الواقعي استعدادا للحاضر الافتراضي.
محمد بلال أشمل
تطاون العامرة

 

 


مجلة "روافد ثقافية"

باكورة منشورات "الجمعية الفلسفية التطوانية": كتاب حول الفكر الإسباني المعاصر لمحمد بلال أشمل
مناسبات أورتيغيانية
 مقالات في الفكر الإسباني المعاصر
مطبعة الخليج العربي، تطاون 2008
عدد الصفحات: 177 من الحجم المتوسط
 
عن منشورات "الجمعية الفلسفية التطوانية" (تطاون 2008) صدر لي كتاب يحمل عنوان "مناسبات أورتيغيانية: مقالات في الفكر الإسباني المعاصر"؛ وهو مؤلف يتناول الموضوع الإسباني في بعده الفكري والفلسفي والتاريخي؛ غايته فتح نافذة الفكر المغربي والعربي على التجربة الفكرية الإسبانية القريبة منا كلما مضى بنا البحث في شمال الفلسفة، أو ساقنا النظر إلى جنوب التاريخ تعميقا لمقتضيات الحوار الحضاري، وتنويعا لمصادر التثاقف الفكري مع الآخر الغربي في صورته الإسبانية.

         ولعل الجديد في "مناسبات أورتيغيانية" أنه يتناول بعض الاهتمامات الفلسفية الإسبانية الفكرية كما هي متداولة في اللغة الإسبانية، وكذا علاقة بعض المفكرين الإسبان  بالمغرب وبالإسلام مثل "الفلسفة الإسبانية في التداول الفكري المغربي"، و "حوار الفكر المغربي الإسباني"، والتساؤل عما إذا كان هناك "وجود للفلسفة الإسبانية"، و"الماركسية في الفلسفة الإسبانية المهاجرة إلى أمريكا"، ونموذج من "آراء أهل إسبانيا الجوهرية"، وأصداء "هزيمة إسبانيا عام 98"، واستخلاص العبر الفكرية والسياسية منها، ووضع "أورتيغا إي غاسيت في الفكر العربي"، و"نموذج من إحياء ذكرى وفاة أورتيغا إي غاسيت"، و"لمحات تربوية لدى أونامونو"، وعلاقة "أنخيل غانيفيت بالإسلام وبالمغرب... وغيرها من المواضيع التي تتوزعها سبعة فصول وتصدير.

         وهكذا فقد عنونت تصدير كتابي بـ"فلسفة بضفتين"، عرضت فيه لـ"حوار الفكر المغربي الإسباني"، دواعيه وأسبابه ومقتضياته ومظاهره،  وكذا لحال "الفلسفة الإسبانية في التداول الفكري المغربي".

         أما في الفصل الثاني الذي عنونته بـ"الفلسفة الإسبانية:  الوجود والامتداد"، فقد تساءلت فيه "هل من وجود للفلسفة الإسبانية ؟"، وتحدثت فيه عن "الماركسية في الفلسفة الإسبانية المهاجرة إلى أمريكا".

         أما في الفصل الثالث، والذي عنوته بـ"أورتيغا في المناسبة المغربية والمشرقية"، فقد رصدت فيه وضع "أورتيغا إي غاسيت في الفكر العربي"، وتتبعت "أصداء مغربية لدى أورتيغا إي غاسيت" ساعيا إلى تكوين نظرية أورتيغانية حول بلادنا.

         أما في الفصل الرابع، والذي عنونته بـ"أورتيغا في مجلة الغياب"، فقد عاينت "الحضور المرئي للمسافة" في شخص أورتيغا إي غاسيت، وترجمت مقالة لخوليان مارياس بعنوان "أربعون سنة على وفاة أورتيغا إي غاسيت"، ورصدت "نيتشه عرضا لدى أورتيغا إي غاسيت".

         أما في الفصل الخامس، والذي عنونته بـ"آخر الأمجاد الوطنية"، فقد قدمت فيه إحدى "لمحات أونامونو التربوية"، كما راقبت "أرانجورين بين تجربة الحياة وتجربة الموت".

         أما في الفصل السادس، والذي عنونته بـ"إسبانيا كمشكلة"، فقد عرضت لـ"آراء أهل إسبانيا الجوهرية"، و ذكرت بـ"هزيمة إسبانيا 98 "، وتحدثت عن "الفلسفة والسلام" بمناسبة لقاء "خيخون الفلسفي.

         أما في الفصل السابع والأخير، والذي عنونته بـ" الإيدياريوم المغربي"، فقد رصدت علاقة "أنخيل غانيفيت بالإسلام وبالمغرب".

         لم أشأ أن أضع لكتابي خاتمة، لأني حسبت أن القول فيه لن يبدأ حقا وفعلا، إلا بتراكم حقيقي في مجال الإسبانيات الفلسفية، وما هذه الـ"مقالات" إلا "مناسبات" للتفكير في حال ومصير الفكر المغربي في علاقاته الإقليمية والكونية.

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

 


غلاف "مناسبات أورتيغانية"

البرج الذي يراقب نفسه...

كم من الأبراج في تطاون تراقب نفسها؟


البرج الذي يراقب نفسه...

تطاون العامرة....مع غزة الصامدة.

معك يا غزة الصمود.....


معك يا غزة الصمود