الدعوة إلى الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها اليوم الأربعاء 23 يناير 2008 "صحافيون بلا حدود" أمام مكتب بعض متصاحفي مدينتنا، ذكرت بعض ِضعاف القلب، أن تطاون ما يزال يقيم فيها رجال عاهدوا الله على محبتها والإخلاص لقضيتها، على الرغم من قلة عددهم، وضعف حيلتهم، وتفرق كلمتهم أمام من يريد بها سوءا من أمثال بعض المنابر الصحافية المتبتلة في محراب الدعاية المغرضة، والأكاذيب المشبوهة، والإفك المسموم.
لن ننخرط في خطاب أبولوجي مجاني لمدينتنا، فهذا نتركه لبعض الجمعيات التي، ِلعظم ولهها بتطاون، تتكلم باسمنا في المنابر المحلية والوطنية والعالمية، ولكنها حين الكر، لم تستجب لنداء التواطن الحق في الدفاع عن مكاننا المشترك ما دام النداء لم يصدر من مئذنة جامعها الأعظم. ما نحب قوله هاهنا، إن كرامة مدينتنا من كرامتنا، وشرفها من شرفنا، وأيما أحد مسها في كرامتها، وطعن في شرفها، فهو يمس كرامتنا، ويطعن شرفنا. ولذلك ينبغي التصدي له بكامل القوة، وبعظيم البأس مهما احتمى بعصبية جبارة، أو استقوى بطائفة باغية، أو استعدى علينا أبواقا شرقية أو غربية.
وما يسعى إليه هؤلاء المتصاحفون الأحداث، المخذولون بحول الله، وشرذمة من نظرائهم الدساسون والمشاؤون بكذب، الساعون ببهتان، من تدمير آخر قلاع حصانتنا، فلن يقابل إلا بالخزي والعار تارة، وبالمقاومة والتصدي تارة أخرى. ومهما سعى أفرادهم أو جمعهم، من التشهير بها، فلن ينال بضعة من محبتنا لها، ولن يمس بضر ولاءنا لها، فليطمئن أهلنا فيها أنها عامرة عامرة عامرة، أبدا كما أرادها من بناها أول مرة، وكما ارتضاها من جدد بناءها ثاني مرة، وكما أحبها من يعيش فيها ثالث مرة معززا مكرما لا تقتحمه الأعين، ولا تلفظه المجالس، ولا تشير إليه الأيادي بكل نقيصة.
فلتخسأ هذه السلالة العفنة التي تأكل في تطاون، وتلعنها، مثلها مثل "جنان اليهودي"، وليعلم الذين جهلوا، وليتذكر الذين نسوا، أن لها ربا يحميها، ورزقا " يأتيها من بعيد، والطاغي يموت فيها بالحديد"...
محمد بلال أشمل
تطاون العامرة حرسها الله
وردتني يوم 30 أكتوبر من سنة 2006 هذه الرسالة من الأستاذ عبد الرحيم العطري تتضمن جملة من الأسئلة أريد منها إجابات مقتضبة كي تنشر في إحدى الجرائد الوطنية. فيما يلي نص الرسالة و"الحوار" تعميما للفائدة مع ملاحظة أني لم أتوصل بأي خبر عن نشر هذه المادة أو عدم نشرها....من لدن صاحب الحوار.
الصديقات و الأصدقاء الأعزاء
يشرفني كثيرا أن أدعوكم للتفضل بالإجابة عن هذه الأسئلة في كلمات مقتضبة و عميقة ، و ستنشر تباعا بإحدى الجرائد الوطنية ابتداء من الشهر القادم ، فالرجاء موافاتي بالإجابات في أقرب فرصة ممكنة مرفوقة بصورة لكم .
مع فائق الشكر و خالص المودة
عبد الرحيم العطري
آل الحرف و السؤال يتحدثون
سلسلة حوارات خاطفة مع ثلة من المبدعين المغاربة
من إعداد : عبد الرحيم العطري
جرت العادة أن نسأل آل السياسة و التقنوقراط ، كلما جد جديد في شؤون الدولة و المجتمع ، قليلا ما نتوجه بالسؤال إلى آل الحرف و السؤال ، من الكتاب و المبدعين ، في شتى صنوف المعرفة و الآداب و الفنون ، للأمر علاقة بالتهميش الذي يلاقيه المثقف في مجتمعات لا تصيخ السمع جيدا للصوت الآخر ، و لا تنتصر أصلا لثقافة النقد و المساءلة .
لكن على درب قلب الطاولة ، و ضدا في منطق التهميش هذا ، نفتح هذه الزاوية قصدا ، لننصت لكل المنهجسين بالحرف و السؤال ، كي نقترب من أرائهم و مواقفهم بشأن تحديات المغرب الراهن .
هذه مساحات حرة و مستقلة لتوقيع كلمات دالة و معبرة، تفكر في مغرب مفتوح على كل الاحتمالات، تقاربه و تقرأه بنفس إبداعي عميق ، بعيدا عن لغة الخشب و العطب .
آل الحرف و السؤال يتحدثون
اليوم مع محمد بلال أشمل
- من تكون ؟
- محمد بلال أشمل
- ماذا تقرأ آنا ؟
- José Luís López Aranguren: Zubiri y la religiosidad intelectual.
- و علام تشتغل هذه الأيام ؟
- فكر "خافيير زوبيري" الفلسفي والديني.
- لو لم تكن من آل الحرف و السؤال، ماذا كنت ترغب أن تكون ؟
- مقاتل مع "الألوية الدولية" في الدفاع عن مدريد عام 1936، وصديق وفيّ لأشعار "انطونيو ماشادو" في خندق "المدينة الجامعية".
- ماذا تنتظر من انتخابات 2007؟
- قل لي ضمن أية شروط، أقول لك ماذا انتظر منها.
- هل ستكون انتخابات 2007 نزيهة و شفافة ؟
- ما أعرف هو أن "الانتخاب" قانون علمي يفرز "الصالح" و "الأصلح" في الطبيعة؛ فإذا كانت انتخابات 2007 تخضع لقوانين علمية ضمن السياسة المغربية، يكون الجواب ما تتوقع.
- من سيفوز بها برأيك؟
- من سينصرف عنها.
- هل تفكر في الترشح للانتخابات التشريعية ؟
- إذا رُخص لي بتأسيس حزب سياسي جديد.
- هل المغرب بخير ؟
- "ما" يكون المغرب؟
- كيف السبيل إلى القضاء على الفقر؟
- بدولة حديثة تحترم مواطنيها، فلا "تتصدق" عليهم، وإنما تضمن لهم حقوقهم متى حصلت منهم الضرائب.
- و بالنسبة للعطالة؟
- "العطالة" غير موجودة. ما يوجد هو "الحركة المعطلة"، وهذه تحتاج إلى "محرك أول" يحركها: قانون صارم، ورجل عالم، وأفعال على التو لا على التراخي.
- والهجرة السرية ؟
- إنشاء مادة تعليمية اسمها "محبة الوطن".
- هل هناك حاجة إلى إصلاح دستوري؟
- عفوا، طموحي يزيد على ما ذكرت بضع إرادات.
- هل المغرب يعيش فترة انتقال ديموقراطي حقيقي؟
- لو سلمنا بوجود "المغرب"، لسلمنا بوجود انتقال ديمقراطي حقيقي فيه. ولكني أرى "عدم وجود المغرب"، ومن ثم عدم وجود انتقال ديمقراطي "واقعي"، فبالأحرى وجود انتقال ديمقراطي "حقيقي".
- من أو ما الذي سيصنع مستقبل المغرب؟
- مدائنه، إذا وُجد "المغرب".
- كيف ترى مغرب الغد ؟
- مشرق إذا آمنا أن مستقبله ستصنعه "المدينة"، وأن "المواطنة" فيه ستكون "تواطنا" اختياريا لا اضطراريا.
- قولة أو مثل أو فكرة تنتصر إليها دوما؟
- قولة لأبي حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة": "محبة الرجال للرجال فتنة حاملة على قبول الباطل، وبغض الرجال للرجال فتنة حاملة على رد الحق".
- حلم تريده أن يتحقق، ما هو؟
- أن يصبح "الفدان" في تطاون والعالم، ساحة للحرية.
- سنة 2007 كيف تراها، مغربيا ؟
- تقصد من "العدم"؟: تراكم زمني ملئ بالخوف والرجاء.
- و عربيا ؟
- تقصد من "المجرد"؟: محض أمل في إرادة الشعوب إذا نهضت.
- و دوليا ؟
- تقصد من المجموع الذي لا يساوي تاريخه؟: طائفة أخرى من الحروب.
- كلمة على سبيل الختام ؟
- من أنت؟
إن الإطار الحقوقي الشمالي مشروع وحدوي تاريخي وثقافي وحداثي وإنساني وكوني من حيث هو:
· منظومة متكاملة من الأفكار والرؤى والتطلعات تستمد قوتها الموضوعية من المعطيات النفسية والجغرافية، وتستوحي شرعيتها التاريخية من المقتضيات اللغوية والثقافية، من منطلق التعبير عن حاجة ملموسة؛ وهي الحاجة إلى شكل تنظيمي تنخرط فيه كل القوى الواعية بانتمائها إلى هذا الكون الجغرافي والتاريخي والثقافي الشمالي لتحصيل مكاسب عامة ذات طابع حقوقي، ولكنها بامتداد حضاري وثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي. وككل مشروع لا بد له من رجال وأفكار وعزائم لكي يحقق نفسه في الصيرورة كيانا ماديا واضحا، مستقلا عن أي كيان سياسي، فالإطار الحقوقي لديه من الرشد ما يؤهله لكي يمارس حقه في الاختلاف، ويترجمه إلى وقائع مادية، ويبلوره في أشكال مطلبية، بعيدا عن أية وصاية إلا وصاية الشرعية الشمالية، وبعيدا عن أي ولاء إلا لقضيته العادلة.
· أنه ينخرط بصدق وبشجاعة واستقلالية في السياق المطلبي لحقوق الإنسان في الشمال، ويتوحد مع كافة التطلعات التي ترى إلى مستقبل شمالي فيه كل الحقوق مصانة، وكل الكرامات محفوظة، وكل الكيانات محترمة، في إطار من الوحدة الوطنية، وفي سياق من المسؤولية التاريخية، تجسيدا لإحدى الإمكانيات المتعددة لتحقيق "التنمية البشرية" الـّتي أعلنت عنها الدولة رسميا عبر تحقيق أخص أبعادها وهي حقوق الإنسان الكلية، ولكن باشتراط ضمانات ديموقراطية، عبر جملة من الآليات الفعالة لإخراج التنمية من مستوى الشعار، إلى واقع التطبيق، ومن محض الأمنيات، إلى مادية الفعل؛ واضعا عزائمه وقدراته في خدمة أي فعل تنموي شمالي، ومسخرا إمكانياته المعنوية والمادية في سبيل أية مبادرة صادقة لوضعه على طريق النهضة الشاملة، ضمن منطق تآزري يعمل به، وفي دائرة أخلاق تضامنية يؤمن بها، وعلى هدي حس مبادر يستشعره في أعماقه.
· أنه يؤكد مسلكه التاريخي المستقل في مسار الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة في الشمال قديما، وأطراف الصف الوطني والتقدمي حديثا، ويسوق مساهمته الشخصية في استكمال التحرر والاستقلال من حيث أن مكوناته يمثلون جيلا وطنيا يستأنف بناء الدولة الوطنية ديمقراطيا، ويسعى إلى تحرير الإنسان حقوقيا؛ فإذا كانت مهمة جيل الحركة الوطنية، ومن لحقها في الشمال، هي الدعوة إلى تحرير الوطن من الاستعمار، فإن جيل الحركة الحقوقية يدعو إلى تحرير الإنسان من الظلم والقهر والمهانة وكل ألوان الضيم التي تسلبه إنسانيته حقوقيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا. وهكذا تتعاقب الأجيال جيلا بعد جيل في صيرورة متواصلة من أجل بناء الدولة الديمقراطية الحداثية التي يشعر فيها الإنسان بإنسانيته، وقد ضمن كافة حقوقه المدنية والسياسية والثقافية. كما تؤكد للأجيال طابعها الخاص في التقدم الوطني عبر تقديم إسهاماتها العامة من منطلق استقلالي وحواري وتواصلي وديموقراطي، في علاقة نقدية مع التراث السياسي الشمالي، ومع امتداداته في المركز، سواء لدى الأطراف الوطنية اليمينية أو اليسارية، منذ الاستقلال إلى الآن.
· أنه يجسد حقا من حقوق الإنسان الشمالي الثقافية الممتدة في التاريخ والمتجذرة في الجغرافيا. لقد تم إهمال حقوق الشمال الثقافية في إطار الهيمنة الثقافية للمركز، وتعميمها لنمطها الثقافي التوحيدي، بل وتم اقتلاع رموز هذه الثقافة والإجهاز على ما تبقى منها عمرانيا وسياسيا وأدبيا. ومن كان يمثل هذه الثقافة في الشمال- أو من كان من المفترض فيهم تمثيلها- انخرطوا في سياق التنميط الثقافي، وانصرفوا عن الدفاع عن الخصوصية الثقافية للشمال. ولكن مقتضيات الدولة الديمقراطية الحديثة الـّتي نؤمن بحتميتها، تضطر الجميع إلى الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، وتحمل أعتاهم في مواجهتها إلى السعي في احترامها. والإطار الحقوقي الشمالي استجابة طبيعية لهذا التطور السياسي الوطني والدولي، وتفاعل إيجابي مع هذه الصحوة الثقافية التي تزداد يوما عن يوم قوة وصلابة في مجموع التراب الوطني.
· أنه يمثل تيارا حقوقيا حداثيا لأنه يؤمن بالولاء للإنسان في الجغرافيا الخاصة، ويعلن نفسه متضامنا مع حقوق غيره في الجغرافيا العامة، ويستعد للدفاع عن تلك الحقوق بقدر استعداده للدفاع عن حقوقه في تناغم وطني كامل، وتكافل إنساني صادق، بغض النظر عن الدين إلا ما اعتدل، وبغض النظر عن العرق إلا ما توسط، وبغض النظر عن السياسة إلا ما تخلق، فأشد ما يرفضه هذا الإطار الحقوقي الشمالي التطرف في الدين لأن الدين يسر، وأعظم ما يكرهه المغالاة في التزكية العرقية لأن الأصل في الأعراق الاختلاط، وأكثر ما يبغضه غياب المروءة في التدبير السياسي للشأن العام لأن المطلوب توفر النزاهة فيمن يتصدرون مجالس التدبير العمومي.
وهكذا فدواعي قيام "الإطار الحقوقي الشمالي" دواع قائمة بمعطيات سيكولوجية مثل "الحس الشمالي"، و مبررة بمعطيات ثقافية مثل "الخصوصية الثقافية واللغوية والحضارية"، ومعقولة بأسباب واقعية مثل الشعور بالتهميش وضياع الحقوق، ومستساغة بالظروف الدولية مثل تنامي تيار المطالبة بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية، ومستقوية بالتيار الجارف للتحديث في العقليات والأفكار والممارسات والمؤسسات، وليس على رجال هذا الإطار ونسائه إلا العزم على تمتينها والاستقواء بمشروعيتها التاريخية والديموقراطية من أجل تحقيق ما يتطلعون إليه من شمال إرادي، وما يشتاقون إليه من وطن ديموقراطي، وما يحلمون به من نظام سياسي حداثي.
الكلام في المنطق العام الذي ينبغي أن يسود العلاقات بين "دولة الجهات" و"جهاتـ"ها" هو كلام في الخلافيات، كما هو الشأن في جميع الكلام السابق. وإنما وضع في صيغة "الماينبغي أن يكون" لأنه مبني على تعاقدات بين الدولة وبين جهاتها. ومن المعلوم أن أي تعاقد، إنما ينبني على ما ينبغي أن يكون، مع تسخير الوسائل الممكنة والمتاحة. هذا المنطق العام لا يوائم إلا الدولة، كما حددناها سابقا؛ الدولة التي يضمن فيها الحق، ويطبق فيها القانون، وتتخلق عقلانيتها، وتصان فيها الكرامة. كما لا يوافق إلا الجهات التي لها خصوصية، حرة، قوية، مبدعة، ومتواصلة. بصفة عامة، إنه المنطق الذي يوائم علاقة التكامل التي قلنا إنها من الواجب أن تسود بين الدولة وبين جهاتها. أية دولة بغير ما وصفنا، وأية جهة بدون ما حددنا، وأية علاقة بينهما خارجة عما ذكرنا، لا يصلح لها هذا المنطق؛ لأنه منطق إيجابي، لا يصلح إلا لمثله من الكيانات الإيجابية التي حددناها. ومن ثم فالعلاقة بين الجهات ودولتها ينبغي أن تنضبط للمنطق التالي:
§ منطق التواصل لا منطق التفاصل؛ صحيح إن الخصوصية هي أبرز مميز للجهة، ولكن خاصية التواصل التي تتميز بها أيضا لا تجعلها إلا مقبلة على الآخر سواء كان الدولة أو الجهات التي تتألف منها، ومدبرة عن أي مسعى للتفاصل معها. لا تتحقق غايات التكامل إلا بمنطق التواصل، ولا تنهدم مقاصد التكامل إلا بالإقبال على التفاصل. الانعزال، وما شاكله من ألوان الانكفاء على النفس، اعتزازا بخصوصية، أو انتصارا لشخصية متميزة، لا يخلف إلا تزايد الحظوظ في الاندثار البطئ أمام ضرورة الحوار مع الآخر، وإقامة الجسور معه لعبور العلاقة من الصلة إلى الوصال فالتواصل.
§ التآزر لا التخاذل؛ فمنطق التواصل إنما هو منطق متخلق بقيم التآزر لا التخاذل، تتآزر الجهات مع بعضها البعض، و مع الدولة أيضا، لتحقيق مصالح "التواجه"، وتطبيق أخلاق "التواطن"؛ لاتقع من أحدهم مخاذلة، ولا يبدر من طرف أيهم امتناع عن تقديم العون، فكلهم في الوطن يدا واحدة على عدوهم، وجميعهم في المصالح جهة موحدة على حاجاتهم.
§ التعاون لا الاستئثار بالخيرات؛ فالتواصل والتآزر يقتضيهما وإلا لما كانت هناك من حاجة إلى الانتماء إذا لم يحقق التكامل. والتكامل لا يكون إلا بالتعاون على تحقيق المصالح، والاستعانة بقوة الجميع على تسريع زمن تحقيقها، لا الاستئثار بالخيرات، فهذا ليس إلا وجها من أوجه "الاستبداد" الذي قد يمكن أن تأتيه الدولة، كما كانت تأتيه الدولة الشرقية أيام عز استبدادها ، جلبا للخراج، وتحصيلا للضرائب، وإزهاقا لحقوق الرعايا، أو تسعى إليه جهة من جهاتها، مستغلة هوان الدولة، فتهدم ركنا أساسيا من أركان الحرية التي ينبني عليها الانتماء فيما بين الدولة والجهات.
§ الحرية لا التبعية؛ لأن الأولى هي الأصل في الانتماء، والأكثر وفاء للخصوصية، والأكثر تعبيرا عن الإبداع، والأفضل تتويجا للقدرة على التواصل. أما الثانية فهي نفي للجهة بالأصل، ومحو لها بالنيابة. لا تكون الجهة جهة إلا بحرية، ولا تكون الدولة دولة للجهات إلا بميثاق الحرية. ومن ثم فالتبعية هي المقدمة الأولى لتآكل الدولة الطامحة إلى الاستقواء بجهاتها ما دامت هذه الأخيرة ضعيفة غير قوية، تابعة غير حرة.
لقد تصورنا الدولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ وصيانة الكرامة وحفظها، وتخليق عقلانيتها وأنسنتها. و تصورنا الجهات فقررنا خصوصيتها، وشددنا على حريتها، وأكدنا على تواصلها، وألححنا على إبداعها، وودعونا إلى قوتها. ثم تصورنا العلاقة بينهما علاقة حرة، قائمة على التكامل، ينطبق عليها ما انطبق على الدولة كوحدة، وما انطبق على الجهات كتعدد. وإنا لما تصورنا كل ذلك، لم نلتفت إلى الأسماء التي بها تتسمى هذه الدولة التي جهاتها منتمية إليها انتماء استقلال بقصد التكامل، ولا إلى الأسماء التي بها تتسمى الجهات بها فتنتسب إلى الدولة انتساب حرية بقصد الاستقواء. فقط أحببنا أن نؤكد أنا في كل ذلك نعتقد أن الجهة هي "البداية"، والدولة هي "الامتداد"، سواء في المصالح؛ فالجهة هي أولى في المصلحة من الدولة، والدولة هي آخر امتداد لها، أو في التواطن، فالجهة هي أحق بمشاعر الوطنية من الدولة، والدولة تلحق عليها. لا أثر لأية هرطقة وطنية في هذا، إذ الوطنية في نظرنا حلقات بدايتها من الجهة، وامتدادها في الدولة. تفنى الدولة بشكلها السياسي، وتبقى الجهة بشكلها الحضاري، ويظل معها الوطن بشكله العاطفي. حلقات مترابطة فيما بينها تشكل ما قد يسمى لدينا بـ"التواجه"، أي ممارسة الانتماء إلى الجهة، مبتدؤه في المدينة، ومنتهاه في الوطن. وبذلك يمكن أن نكون أمام بلورة نوع من "التواطن"- أي ممارسة المواطنة- بناء على الجهة أو التواجه، أو قل بناء على المدينة أو مجموعة المدائن التي تشكل نواة الجهة.
الإرادة في إرساء دولة الجهات، وفي تصريف شؤونها عبر آلية الديموقراطية، يتطلب التفكير في الموانع أيضا ما هي؟ وفي تقديرنا هناك العديد منها، ومن سائرها:
§ الخشية من انفراط عقد "الوحدة الوطنية"؛ فإذا تنادت كل الجهات بخصوصيتها، وعملت على الدعوة إلى احترامها، ومضت إلى إبداع صيغ في "التواجه" بعيدا عن رقابة الدولة، ستثمر مناخا من التوتر لا ترضاه الإيديولوجية التوحيدية للدولة، ويمكن أن تتحرك لتلافيه جيوب "الفاشية" فيها، مما يخشى معه من حرب أهلية طاحنة.
§ الخشية من اشتعال الحرب الأهلية داخل كيان الدولة، لأن الجهة، بما هي جهة، لما تمارس "جهويتها" انطلاقا من "جهتها"، في غياب ضوابط ديموقراطية تضمنها الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات، ربما أسفرت عن تواجه الجهات فيما بينها متى اختل توازن التكامل، وارتبكت موازينه بسبب تطرف الخصوصية لدى بعض الجهات، أو إساءة استعمال حريتها، أو إتيانها من الإبداع لجهتها ما يتعارض مع التخوم، أو قيامها بتواصل مختل مع غيرها، أو اغترارها بقوتها وتعسفها في استعمالها؛ لا سيما إذا اختلط كل ذلك بنعرات عرقية أو دعوات دينية، أو مذهبيات سياسية.
§ الخشية من بلقنة الكيان الوطني، وتقسيمه بدعوة حق أريد بها باطل؛ حق الخصوصية، بباطل الاستقلال، ثم الاستنجاد بالقوى الخارجية لدعم مشروع الانقسام أو مشروع التقسيم أو مشروع الانفصال أو ما عداه من دعاوي التشرذم والبلقنة. يخشى من الخصوصية الثقافية كالخصوصية الأمازيغية والجبالية والغمارية، أو الخصوصية الحضارية كالخصوصية الشمالية، فكيف لا يخشى من الخصوصية الجغرافية التي تعيش على أرض معلومة، وجهة مشهورة.
§ وجود إرادة الاستبداد لدى الدولة إذا كانت دولة بطريركية، تستبد بالحكم في المركز، وتستبد بالحكم في الهامش، خشية انفلات السلطة من يدها، وانتقالها إلى ما يعاديها. ومن ثم فإن أية ملامح لخصوصية ثقافية، أو جغرافية يمكن أن تثمر نوعا من الوعي الاستقلالي، أو نوعا من النزوع الانفصالي، سرعان ما تمضي إلى محاربته، وزرع الأشواك في طريقه عرقلة منها لامتداده، أو تضع العراقيل في طريقه إجهاضا منها لتطوره.
§ وجود إرادة الهيمنة لدى الدولة؛ فالدولة البطريركية المستبدة، إنما تستبد بممارسة هيمنتها على الجهات التي تؤلفها، فلا تسمح بأي قرار غير قرارها، ولا تطق أية مبادرة غير مبادرتها. كل الأجهزة التنفيذية تحت مراقبتها، وكل قنوات التنفيذ في يدها، هي المطلق الذي لا تفوته لا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
§ وجود إرادة الانعزال لدى الجهات؛ لا سيما إذا عظم لديها الوعي بخصوصيتها، وحصل لديها الاقتناع بكونها ضحية لقوى تمنع عنها تمتعها بشخصيتها الحقوقية والسياسية والثقافية، فتمضي إلى تجريب المقاومة عن طريق النزوع إلى الانعزال تمهيدا منها لإعلان الانفصال أو ما شابهه من دعوات الاستقلال.
§ إرادة التنميط لدى الدولة؛ أي إحداث نمط من الحياة العام، تؤمن به الدولة، وتسلكه، وتنزله بمثابة قانون لا بد من العمل به، والعيش وفقه على إكراه من مواطنيها، وعلى مضض منهم. ولأن هذه الإرادة في التنميط تجد مقاومة لها من لدن الجهات الخاصة التي تملك نموذجا للحياة يتعارض مع النموذج الذي تدعو إلى تطبيقه الدولة، ينجم نوع من التوتر بين الدولة كوجود عام، وبين الجهات كوجود خاص، قلما يسلم الأمر فيه من الضحايا إما في الإنسان أو في العمران.
§ تطرف أشكال الخصوصية لمقاومة التنميط "الدولتي" كلما اشتطت الدولة في فرض نمطها العام، اشتطت الجهات في مقاومته عبر الغلو في التنادي بالخصوصية، والمبالغة في إبرازها، والخروج عن المعتاد في التظاهر بها، على ما يرافق ذلك من مزج بين الحقوق الثق







