تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
كان قد صدر من حينه: "نبي أورفليس المسلح" لمحمد بلال أشمل

 

 

باحث مغربي يثير جدلا حول "نبي أورفليس المسلح"

بقلم: حنين محسن

يضمّ كتاب "نبي أورفليس المسلح" للكاتب والباحث المغربي محمد بلال أشمل، تسعة فصول هي: "نبي أورفليس المسلح- أربعة تجليات لكاميلو توريزـ مسيحيون في الثورةـ الدين والثورة عند الأب إرنستو كاردينالـ لاهوت التحرير ومشروع الحياةـ حاشية على لاهوت التحرير النسائيـ لاهوت التحرير على ضوء التبشير الجديدـ لاهوت التحرير الإسلامي من الاستحالة إلى الإمكانـ الحركة الشيوعية الوطنية المسلمة.

ولئن كانت مادة هذا الكتاب من بين مشاغل أشمل اليومية، باعتباره باحثا في قضايا الفكر والفلسفة الإسلامية منذ ما يقارب عقدين ونيف من الزمن، فإن القضية التي يثيرها هذا الكتاب تستحق الإهتمام حتى ولو كانت، بحكم طبيعتها، مثيرة للجدل.

ويشير المؤلف، في تمهيده للكتاب، إلى أن مادته هي بعض من أبرز "اللّمع التي عنت لجيلنا حول مسألة الدين كعامل من عوامل الثورة والتغيير، انطلق يعبر عنها وقلبه على الوضع الحضاري العام، وسعى إلى التفكير فيها وعينه على تجارب غيره من الحضارات، ومضى إلى تمحيصها وعقله على مقتضيات البعث الحضاري لدى غير دينه من الديانات. وجميعها مكتوبة بتلك الروح التواقة إلى التغيير، والمشتاقة إلى التثوير، والشغوفة بالتنوير".

وفي تقديمه للكتاب، يقول أستاذ الفلسفة المعروف د. حسن حنفي إن "لاهوت التحرير موجود في كل ثقافة" باعتباره "إعادة فهم الدين طبقا للتركيب الطبقي للمجتمع".

ويقول "يوظف الدين في الطبقة العليا كأفيون الشعب، وفى الطبقات الدنيا كصرخة للمضطهدين، وفى الطبقة الوسطى كشعائر وطقوس وعبادات وحلال وحرام للحفاظ على التركيب الطبقي للمجتمع باعتبار أن الطبقة الوسطى هي المستفيدة منه، بمشاركة الطبقة العليا في بعض المغانم واستغلال الطبقة الدنيا في بعض الجهود".

ويضيف الدكتور حنفي ان "أهمية المقارنة هي في بيان مدى تأخر علم الكلام الإسلامي عن اللحاق بعلم الكلام المعاصر، وكيف أنه مازال غارقا في مشاكل اللاهوت القديم، نظرية الذات والصفات والأفعال، وقضايا الجبر والاختيار، الإيمان والعمل، والنبوة والأخرويات، والمعجزات والكرامات، وضرورة التوجه نحو علم كلام جديد يقدم لاهوت التحرر، ولاهوت الثورة، ولاهوت الوحدة، ولاهوت العدالة الاجتماعية، ولاهوت التنمية، ولاهوت الهوية الوطنية، ولاهوت حشد الجماهير، وهي القضايا السبع الرئيسية لمواجهة تحديات العصر، وكما بدا ذلك كله في "قضايا إسلامية معاصرة" التي تصدر في قم - إيران منذ ما يقرب من عشر سنوات".

وحسب الدكتور حنفي فإن لاهوت التحرر يقوم "على أنثروبولوجيا الدين كما بدت عند شليرماخر وفيورباخ. فالدين نزوع إنساني، رغبة في الكمال، واتجاه نحو المطلق. والخلاف فقط في الاتجاه، هل الكمال أو المطلق خارج العالم، نحو الأعلى كما هو الحال في الاغتراب الديني أم داخل العالم نحو الأدنى كما هو الحال في الالتزام الديني؟ وكل محاولة للدفاع عن حقوق الإنسان بالإضافة إلى حقوق الشعوب هو تمهيد ثقافي لتأسيس لاهوت التحرير إما ابتداء من الله - الإنسان كما هو الحال في المسيحية أو من استخلاف الله الإنسان في الأرض، وحمل الإنسان الأمانة كما هو الحال في الإسلام. وفي كلتا الحالتين خلق الله الإنسان على صورته ومثاله".

ويشير الدكتور حنفي إلى أن "لاهوت التحرير ليس جديدا على الفكر الإسلامي قديما وحديثا. بل إن أول من انضم إلى الإسلام منذ الإعلان عنه الفقراء والمستضعفون وعبيد مكة. وأول من عاداه الأغنياء والسادة وأشراف مكة. واستمر أبوذر الغفاري في هذا التيار الإسلام لصالح الفقراء والمستضعفين ضد الأثرياء والحكام والأمراء والولاة الذين تراكمت لديهم رؤوس الأموال، وبنوا القصور والمساجد، والحصون والسجون. كما قامت ثورة القرامطة والزنج في بغداد دفاعا عن المضطهدين.

وفي العصر الحديث قدم الإصلاح الديني عند الأفغاني والكواكبي وعلال الفاسي ومحمد إقبال والمهدي والسنوسي وعبدالحميد بن باديس وآخرين أنواعا من لاهوت التحرير تبدأ بالاستنارة العقلية، والتحول من العبادات إلى المعاملات، ومن الدين في القلب إلى الدين في التاريخ، ومن العقيدة في الإيمان إلى الثورة في الواقع".

ويرى الدكتور حنفي ان لاهوت التحرير يعتمد "على الثقافة الوطنية وليس على الثقافة الوافدة. ولما كانت المسيحية أو الإسلام ثقافة موروثة ارتبط لاهوت التحرير بالموروث الثقافي. ولا يمكن تأسيسه في ثقافات العالم الثالث على موروث ثقافي غربي هي الماركسية وكما يحاول بعض الماركسيين العرب".

لعل ما يميز كتاب "نبي أورفليس المسلح" لمحمد بلال أشمل أنه "يتناول موضوعا واحدا عبر تجليات متعددة الصور والزوايا. وذلك عدا عن أنه دافع نبيه المسلح ليس من داخل المنظور الإسلامي وحده، وانما من منظور "الفقه" اليساري، الماركسي والمسيحي أيضا".

جريدة العرب أونلاين

 

 http://www.alarabonline.org/index.asp?fname=\2011\07\07-12\428.htm&dismode=x&ts=12-7-2011%207:40:20


غـــلاف الـــــكــــتــاب

قراءة في أوراق الحرب الأهلية الإسبانية (1)

 

"شخصية نيغرين التاريخية"

لـ"سانتياغو ألفاريز"

 

محمد بلال أشمل

 

[نشرت في صحيفة القدس العربي اللندنية في العدد 6684 الاثنين 6 كانون الأول ديسمبر 2010]

 

 

 

         ستظل الحرب الأهلية الإسبانية لسنوات 1936-1939، مناسبة للانتماء وللغربة معا، لعظيم "الأمجاد" التي خلفتها لدى طائفة "المنتصرين"، وجليل "الأحقاد" التي خلفتها لدى طائفة "المنهزمين". وكم احتاج الضمير المدني، الممثل في رجال إسبانيا الجوهرية؛ من مفكرين وكتاب وفلاسفة وفنانين، إلى كثير جهد لكي يذهبوا بالتآلف إلى غاياته في النسيان على شرط الذاكرة والتصالح. فأما الذاكرة، فقد أدرك الإسبان أن لا مستقبل لهم بغير معرفة ماضيهم، ومن ثم الوقوف على طبيعة المشاكل التي واجهوها في الماضي حتى يتفادوا نظيراتها في الحاضر أو في المستقبل؛ متعظين من هول الحرب التي فرقت بينهم، ودقت إسفين الفرقة في اجتماعهم. وأما التصالح فهو ما مضى إليه فرقاء الصراع بالأمس، لما علموا أن الحرب لا تجدي فجنحوا إلى السلم مستبشرين فرحين إلا الفئة الفلانخية التي ما زالت بين الحين والحين تدق طبول الحرب الكلامية على الورق، أو تشعلها حريقا على الطريق السيار للمعلوميات، أو تمجد "النيكروفيليا" سنويا في ضريح "فرانكو" Franco  (1892-1975).

         ومن بين المهام التي اعتقد الإسبان أن لا بد من القيام بها تصحيح صورة بعض الرجال في الفترة الحرجة من تاريخ بلادهم؛ ممن تحملوا مسؤوليات سياسية أو عسكرية أو فكرية، جميعها أو بعضها، إما خلال الحرب الأهلية، أو قبلها أو بعدها. ونظرا لأن تلك الصورة شهدت، كثيرا أو قليلا، من التشويه، أو أصابها قدر من الإهمال، أو بولغ في ذكرها وتغطية أثر غيرها، فقد سعوا إلى إعادة كتابة تاريخها، ومن ثم تقديم ما يعتقدونه الصحيح والسليم فيها من منطلق تاريخي وموضوعي لا تقدح فيه صلة القرابة التي يمكن أن تكون لدى بعضهم مع إحداها. 

         ومن هؤلاء "سانتاغو ألفاريز" Santiago Álvaeaz  الذي سعى إلى تقديم صورة صحيحة عن رئيس الحكومة الجمهورية خلال الحرب الأهلية الدكتور "خوان نيغرين" Juan Negrín   (1892-1956) مفندا جملة ادعاءات لحقت بالرجل، ومصححا جملة أخطاء أساءت إلى شخصه، ومن سائرها بطبيعة الحال تلك التي أساءت إلى تاريخ أساسي من التواريخ الحاسمة في حياة إسبانيا خلال الحرب الأهلية وبعدها.

         لم يكن "سانتياغو ألفاريز" بالنكرة في حياة الدكتور "نيغرين"، ولا بالبعيد عن مدار مسؤولياته؛ بل بالعكس، كان أقرب إليه حتى من كثير ممن ُأريد أن يكونوا قريبين منه، ولا سيما في الأيام الأخيرة من عمر الجمهورية الثانية. ولد الرجل في مدينة أورينسيOrense  عام 1913، والتحق بالحزب الشيوعي الإسباني عام 1931، وعين خلال الحرب الأهلية مفتشا سياسيا للفيلق الرابع للكتيبة الأولى المختلطة، وبعد ذلك قام بنفس المهمة في المجموعة الحادية عشرة، وأخيرا في القوة الخامسة من الجيش النظامي. وخلال هذه الفترة تعرف على "خوان نيغرين" وبقي على صلة معه عمليا وإنسانيا.

         في كتاب "شخصية نيغرين التاريخية" Negrín, personalidad histórica"  (منشورات دي لا طوري، مدريد، الطبعة الأولى، 1994، والثانية 2009) حاول "سانتياغو ألفاريز" تقديم نوع من السيرة الدفاعية لـ"نيغرين" معدلة ومنقحة على ضوء معرفته بالرجل، وقريب صلته به، وعميق اطلاعه على حيثيات حياته، واقتسامه معه الحلم بجمهورية ديموقراطية يسودها العدل والحرية، واتفاقه معه على دفع خطر الفاشية التي هددت ذلك الحلم فأصابته في المقاتل. 

         ولقد حدد المؤلف دوافع عمله بأربعة، أولاها الذكرى المئوية لميلاد "نيغرين"، وثانيها معرفته بالرجل، وتعامله معه خلال الحرب الأهلية، وإعجابه بسلوكه وطريقته في العمل، وشخصيته السياسية التي لم تزده إلا تقديرا له وتعلقا بذكراه، وثالثها إعداد محاضرة حول "نيغرين" يوم 22 نوفمبر من عام 1992 في "نادي مدريد"، ورابعها ضرورة إعادة النظر في حياة وشخصية "نيغرين" كما دعا إلى ذلك الأستاذ "سانتوس خوليا" Santos Julía ، ولكن من موقع من عمل تحت إمرة "نيغرين"، واشتغل وفق توجيهاته.

         والراجح أن المؤلف كان مدفوعا في كل ذلك بروح المسؤولية التاريخية، ومسددا بثقل الأمانة العلمية، ومؤيدا بأخلاق الرفقة؛ وهي دوافع من النبل ما لا يملك القارئ عدم الانتباه إليها أثناء مطالعة الكتاب، خصوصا لما تصلك نبرة الصدق في دفاع المؤلف عن صاحبه أمام من هاجمه من المنتصرين شماتة فيه، أو من قدح فيه من المنهزمين تحميلا له لفشلهم وسوء تقديرهم للعواقب.  والحق مع المؤلف هاهنا؛ فلقد تطرق لشخصية "نيغرين" كثير من الإفساد المتعمد من لدن المنتصرين و المنهزمين على السواء. وكلا الفريقين بالغ في الإساءة إلى الرجل، وعمل على تقديم صورة غير مشرفة عنه حتى كادوا يحملونه كافة أخطائهم، ويركبون على مسؤوليته، كرئيس للحكومة خلال الحرب، ليبرروا السئ والردئ في سياستهم. ردا على هذا التحالف الغير المقدس من قبل جميعهم ضد الرجل، كان عمل "ألفاريز" التصحيحي ؛ حيث تتبع شخصية "نيغرين" منذ التحاقه بمقاعد الدرس في التعليم الثانوي إلى وقت موته في باريس يوم 12 نوفمبر من عام 1956، فما وجده من يومها إلا ذلك الرجل النموذجي الذي يحق لإسبانيا أن تباهي به غيرها من الأمم في كونه وجه طرفا من تاريخها إلى منعطف هو الخير كله لولا طعنة العسكر من سلالة "الأفريكانيستاس" وحلفائهم من "الكتائب" و "الريكيتيس". وليس الكتاب في رمته، بوجه من الوجوه، إلا "أبولوجيا" في حق من كان آخر رئيس للحكومة الشرعية في عهد الجمهورية قبل أن تنهار نهائيا، وتمضي في رحلة قسرية إلى المنفى ستدوم عشرات السنوات.

         ومن بين مظاهر هذه الأبولوجيا، نفي الصورة السلبية عن "نيغرين" خلال مرحلة الديكتاتورية للخنرال "بريمو دي ريفيرا" Miguel Primo de Rivera (1870-1930)؛ فلم يكن الرجل  غريبا عن الحقل النضالي؛ حتى قبل أن يتحمل أية مسؤولية سياسية، إذ لما أقدم الديكتاتور على إصدار قرار بإغلاق جامعة مدريد يوم 4 مارس من عام 1929-و"نيغرين" يومئذ في هيئة التدريس بها كأستاذ للفيسيولوجيا وقف الرجل دون تردد إلى جانب الطلبة مناصرا لهم، ومطالبا بفتح الجامعة واستئناف الدروس. وأي غمز من هذا الجانب ليس إلا صيحة في واد؛ إذ للرجل مواقف مشرفة تشهد له بسبق شجاعته، وعدم تردده ساعة الحق، وعدم اكتراثه بالمخاطر حتى كادت تودي به شجاعته الى   مهالك خطيرة .

         ولا ينسى التاريخ لـ"نيغرين" أنه كان الداعي إلى سياسة السلام مع المتمردين عام 1932، ولم يكن يشاطر فكر العمال الأستوريين المنتفضين عام 1934 الذين سحقتهم قوات "فرانكو" بالمناسبة-مما يؤكد مرة أخرى استقلال الرجل ونزاهته وشجاعته في إبداء رأيه، ولو كان مخالفا للخط العام الذي كان يسير عليه حزبه الاشتراكي العمالي.

         كما أن الرجل لم يكن بالصورة التي تم تقديمه بها في المحافل السياسية، أو في المنتديات التاريخية، أو في الأعمال التأريخية؛ حيث زورت شخصيته أيما تزوير، وأريد استغلال علاقته بالشيوعيين أبشع استغلال للإساءة إليه في الدارين حيا وميتا. وفي نظر المؤلف، إن شخصية "نيغرين" أخضعت لتزييف تاريخي لا تضاهيه فيه إلا أعظم الشخصيات التي تصنع التاريخ المجيد للأمة. غير أن حظ "نيغرين" كان أسوأ؛ فقد خضع لتزييف سلبي قضى على بذرة الخير في شخصه، وصوره كما لو كان المسؤول الأول عن شرور إسبانيا في الهزيمة أمام قوات الفاشية، أو عن انحطاطها الروحي أمام استسلامها للشيوعيين الروس.

         كما أن الرجل لم يكن بالمتراخي في القيام بالواجب غداة التمرد العسكري الذي قام به الجيش؛ فقد تحمل مسؤوليته السياسية كاملة، وكان المدافع الصلب عن الديموقراطية والمنافح العنيد عن المؤسسات الجمهورية، والمناضل الأشد عن المبادئ الدستورية التي قامت عليها. ولو تهيأ له الاستناد على الرجال الأشداء ممن يعتمد عليهم للمضي بالمشروع الحكومي إلى نهاياته التي طمح إليها، ومنها تأسيس الجيش النظامي الجديد لكان لإسبانيا شأن وأي شأن. ولو تهيأ له التضامن الدولي الذي كان ينتظره من الديموقراطيات الفرنسية والإنجليزية التي خذلته بقانون "عدم التدخل" المجحف لكان لميزان القوى ريح غير الريح التي هبت عليها وسط عدم تدخل هو أقرب إلى "التخاذل" منه إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة لها سيادة على أراضيها . ولو تهيأت له المصداقية الدولية في المنتظم الدولي لما سحب "الألوية الدولية" Brigadas Internacionales  من الجبهة، فيما تلكأ نظام "فرانكو" في سحب المتطوعين الإيطاليين والألمان، ومعهم العتاد العسكري الذي دمر الإنسان والعمران في "الغيرنيكا" وغيرها، وكانت لمشاركتهم الرمزية على الرأي العام التاثير المستحب لأن كثيرا منهم كان من أرباب الدعاية في بلاده. لو تهيأ له كل ذلك، لكان مصير إسبانيا سيتخذ وجهة أخرى غير تلك التي علمناها. ولكن القدر الإسباني سار بما لم تشتهيه النوايا الحسنة، فكان ما كان من خسارة معركة، واستئناف أخرى في المنفى، توجت، في نظر الكثير من المحللين، بانتصار الديموقراطية بعد وفاة "فرانكو"، واجتماع الإسبان على كلمة سواء فيما بينهم ان حيا على الديموقراطية.

         وفي عز التمرد العسكري الذي تلته الحرب الأهلية، لم يكن "نيغرين" موافقا على تشكيل حكومة شيوعية واشتراكية برئاسة "لارغو كاباييرو" Largo Caballero  (1869-1946)  خلال سبتمبر عام 1936؛ فقد كانت للرجل حساباته السياسية، وتحليله الاستراتيجي للحالة الراهنة لإسبانيا، وتقديره لتوازنات القوة السياسية فيها يومئذ. على ما كان يعلمه للقوى الشيوعية من ميل إلى الخروج عن المعقول في تناول القضايا السياسية، والدفاع عنها عسكريا في الجبهة.فلذلك لم يكن يلح على ضرورة مشاركة الشيوعيين في الحكومة عامها، بل كان الذي يلح هو "لارغو كاباييرو" مما يجنبه، تاريخيا وأخلاقيا وسياسيا، أية مسؤولية فيما حدث بعد ذلك من نكبات أو هزائم.

         كما لم يكن الرجل الذي قرر إرسال ودائع الذهب الموجودة في "بنك إسبانيا" إلى موسكو كرهن على شراء الأسلحة لصالح الجمهورية؛ ففي هذا القرار شارك "لارغو كاباييرو" الذي كان رئيس الحكومة يومها، و"إندليسيو بريتو" Indalecio Prieto  (1883-1962)  الذي كان وزيرا للبحرية والطيران فيها ، و"أثانيا" Manuel Azaña  ( 1880-1940) كرئيس للجمهورية التي تمثلها، وهو الموضوع الشائك الذي أسال الكثير من المداد، وسارت بذكره الركبان كمظهر من مظاهر "الاستسلام" للنفوذ السوفياتي، والارتماء في أحضان الشيوعية العالمية.

         كما لم يكن الرجل موافقا على تصفية "أنطونيو بريمو دي ريفيرا" Antonio Primo de Rivera  (1903-1936)  المسجون في "لقنت" Alicante ، كأنه خشى أن يقع ذلك العمل موقعا سيئا في الجانب المتمرد فيمضى إلى سياسة التصفيات بلا رحمة؛ وهو الأمر الذي حصل بالفعل حيث أزهق النظام الفتي في بورغش"Burgos   الآلاف المؤلفة من الأرواح بلا رحمة في كامل التراب "المحرر" من النفوذ الشرعي للجمهورية.

         ولما كانت "مصلحة" الجمهورية تقتضي أن يتم الاستغناء عن "الأولوية الدولية" المشاركة في الحرب، تحمل الرجل المسؤولية الثقيلة بالإعلان، في جنيف يوم 21 سبتمبر عام  1938، عن قرار الحكومة بترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية ؛ مستجيبا في ذلك لمقررات المنتظم الدولي يومئذ، فكانت حفلة الوداع بل مأتم الوداع- المؤثرة يوم 18 نوفمبر من نفس العام، والحسرة تمزق المتطوعين من مختلف أنحاء العالم وهم ينظرون أية فرصة ضاعت منهم للاقتصاص من ظلم الفاشية في إسبانيا وفي بلدانهم، والانتصار للحرية وللعدالة ولا سيما المثقفين منهم .

         لقد كان الرجل طوال حياته خادما أمينا للجمهورية ولمبادئها، ومن العبث أن يمضى إلى التشكيك في وطنيته، أو يتم السعي إلى الطعن في محبته لبلده. وحتى آخر ما كان يسعى إليه وهو طريد شريد في المنفى، إيصال وثائق الودائع الإسبانية من الذهب إلى الدولة الإسبانية؛ مما يؤكد، مرة أخرى، أن هم الرجل كان مصلحة إسبانيا بغض النظر عن اللون السياسي و الإيديولوجي الذي يحكمها في الحاضر أو الذي سيحكمها في المستقبل.

         لم تكن الحرب الأهلية حربا عادية بالمعنى العسكري من الجانب الجمهوري، بل كانت حربا شعبية وثورية مفروضة على الجمهورية، ومن ثم فقد قدمت فيها عظيم التضحيات وانتهت بهزيمتها عمليا فيما نظريا كانت هي المنتصرة الأبقى نظرا لأن القيم التي سبق لها أن كانت تدافع عنها هاهي الآن تمثل مقدمة المطالب التي تحققت حاليا فيما يعرف بـ"الانتقال الديموقراطي"، وبعده في دولة الحق والقانون في ظل ملكية دستورية منضبطة للدستور باعتباره صاحب السيادة العظمى في البلاد. وبالموازاة مع ذلك، فقد انتصرت الصورة الحقيقية لأعلام الرجال الذين صنعوا تاريخ إسبانيا ومنهم "خوان نيغرين".

         وفي نظرنا، إن كتاب "نيغرين شخصية تاريخية" برغم كونه سيرة دفاعية وذاتية، إلا أنه يمثل أعلى درجات الصدق في الشهادة على العصر من لدن رجل عايش "نيغرين" وصاحبه، وعمل تحت إشرافه لما كان في موقع المسؤولية في أدق اللحظات من تاريخ إسبانيا المعاصر، ومن هنا قيمته. ولا يضيره إن كان ذاتيا، بل بالعكس إن الذاتية مطلوبة هاهنا متى تعلق الأمر بقضية يعتقد صاحبها أنها عادلة ويسخر لها ما وسعته قدرته من الشواهد والوثائق والأدلة وهذه كانت حالة " سانتياغو ألفاريز" مع "خوان نيغرين" ومع الرمز السياسي الذي مثله آخر "الأمجاد الوطنية" في إسبانيا.

         ونعتقد أن هذه العودة إلى كتابة تاريخ إسبانيا خلال الحرب الأهلية بأيد أجنبية ومنها بعض أيدي المغاربة كما هو معروف-التي دارت رحاها خلال سنوات 1936-1939، وكل تاريخ البلاد التي تستنطق ماضيها للاعتبار منه والاتعاظ من وقائعه، عبر إعادة كتابة تاريخ أبنائها، وتصحيح صورتهم، وتقديم ما يعتقد أنه الحق في شخصياتهم السياسية والتاريخية، هذه العودة لا بد وأن يستقر بها المقام في الاعتقاد بأن أية كتابة تاريخية لا بد وأن تنطلق من مسلمة أن من انخرطوا في الحرب الأهلية إنما انخرطوا فيها من منطلق أنهم أخطؤوا الطريق في محبة إسبانيا. بهذه المسلمة وحدها تهدأ الأحقاد، وتنطفئ حرائق الانتقام. ولكن لا بد أولا من معرفة ما حدث، والتعود على قبول الروايات المختلفة لما حدث ولو كانت ذاتية؛ فليست الحصيلة في نهاية المطاف، إلا صيغا متعددة في ممارسة هذا الخطأ في محبة الوطن الذي اقترفه عن جهل كل من شاركوا في تلك الحرب. فالمصالحة تقتضي المعرفة والوعي لا النسيان والتعمية وهذه مسؤولية جيلية مستمرة ينبغي أن تتحملها الأجيال جيلا بعد جيل.

 

 

الزوجة... وأسماؤها، تجريد ّ بقصد التعيين.

كثيرة هي الألفاظ والتعابير التي يتداولها أهل الشمال للدلالة على  الزوجة،  منها ما قد يكون خاصا بهم، ومنها ما قد يشتركون فيه مع غيرهم من مناطق المغرب. وجميعها تمد الباحث الأنثروبولوجي والاجتماعي بفرصة طيبة للوقوف على أنماط فكرية وسلوكية واجتماعية تجاه المرأة خصوصا، وطبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، ورتبتها الأنطولوجية داخله. وللتمثيل على ذلك، سنجتزئ بنماذج دالة، وننظر فيما تحمله من معاني ومواقف تجاه المرأة، وما تنطوي عليه من قرائن واصفة لطبيعة تفكير قائلها، ووضعه الاجتماعي،  وطبيعة تصوره الثقافي.

 

الـْعيـــــَــالْ

         فعلى سبيل المثال لا يسمي الرجل زوجته باسمها، أو حتى بلقبها، أو بوضعها كزوجة، بل باسم غيرها؛ كأن يستعمل لفظة  "العيال" (بتسكين العين واللام وهي من الفصحى إذا كانت مكسورة العين) أو لفظة "وْلادي" (بتسكين الواو أي أولادي). أي أنه يسمي زوجته باسم أولاده، ولو لم يكن قد ولد له ولد أو بنت بعد. والتسمية هاهنا إنما هي "تغطية" على شيء من المفروض أن التسمية تعلنه. يكتفي الزوج بالحديث عن ثمرة الزوجية، ولا يتحدث عن طرفها الذي هو الزوجة. إن الرجل منا يسمي زوجته بأولاده، مستعملا الكثير للتعبير عن الواحد، ويصطنع المجرد لكي يعبر عن المشخص.  وهي اللازمة التي ينبغي أن نقول، منذ الآن، إنها لصيقة بأغلب  الألفاظ والتعابير  التي يستعملها الزوج للحديث عن  زوجته، ومن ثم لتغييب حضورها الاجتماعي والشخصي والوجودي.

 

الــْمــــَرا

         وقد يستعمل الزوج لفظ "المرا" (بتسكين الميم أي المرأة) إذا كان مباشرا في كلامه، ويبدو أنه يكون أكثر دقة وتعيينا لوجودها. ولكنه باستعماله لهذا اللفظ، إنما يمعن في تجريدها؛ فأي امرأة هي بين النساء؟ إنه يستعمل لفظا دالا على جنس مقابل للذكر، لكي يشير إلى شخص معين، ولكن استعماله للفظ المذكور إنما يبقيه في رتبة التجريد مع أن الأمر يتعلق بشخص له كيان متعين، ويرتبط معه ارتباطا مؤسسيا وأخلاقيا، وقد يكون لديه منه بنات وبنين. وحتى هاهنا ما زال الزوج يخفي زوجته، ولو أنه يشير إليها بلفظ عام، وما يزال يتحكم في حضورها، ولو أنه يتهيأ له أنه يحضرها للوجود الاجتماعي الذي يظل محض وجود لفظي مجرد. ولسنا في حاجة إلى القول إن بعض الناس من أهلنا يرجعون أصل "المرا" إلى  "المرارة" باعتبار أن المرأة هي مصدر المرارة للرجل.

 

ْمــــــرَاتـي

         وقد يستعمل الزوج أحيانا  لفظ " مراتي" فينسب ذلك الكائن المجرد-المشخص إلى نفسه، ومن ثم يثبت ملكيته له. والغريب أن الزوج مع إصراره على تغييب زوجته، وتجريدها (ضد تشخيصها)، إلا أنه يصر على امتلاكها في صيغة هي في الواقع صيغة نظرية مجازية؛ لأن الأمر يتعلق أصلا بشيء مجرد وغائب؛ إذ  كيف يمكن للمرء امتلاك شيء غائب ومجرد إلا على سبيل التعسف والمجاز والتمني والرغبة؟ ويجب أن نضيف في شيء من الاستثناء أن صيغة "مراتي" هي صيغة فيها من الاستعلاء ما فيها؛ لأن الرجل يثبت، بلا وعي منه أو بوعي، أنه السيد المطلق على المرأة، ومن ثم فهو المالك المطلق لوجودها، والمتحكم الأوحد في مصيرها، تنتمي إليه لأنه هو قطب الانتماء، وتملك له، لأنه مصدر الملكية. وكما تنطوي على المعاني السابقة، فإنها تنطوي على قدر ما من صيغة "الاحتقار" تجاه كيانها، أو قل قدرا غير قليل من الشعور بـ"الفضيحة" تجاهها كان مقصودا أو غير مقصود.

 

الـــــّدارْ

         وقد يسمي الرجل زوجته باسم  بيته، فيستعمل لفظ  " الدار" وهو يعني زوجته وأولاده؛ فعوض الحديث عن كائن مشخص هو الزوجة، يتم الاستغناء عنه تماما وتغييبه مطلقا من مجال الوجود، والحديث عنه بنسبته إلى البيت. كان الزوج يتحدث عن زوجته ويستعمل لفظ "المرا" أو "مراتي" أو "العيال" أو "ولادي"، وكان مع ذلك يغيبها لأنه يجردها، ويسميها بغيرها كالأولاد. أما الآن فإن الزوج يسمي زوجته بـ"المكان" فيلغيها بتاتا، ويجعلها كيانا ممعنا في الشيئية والمادية والتجريد. إنه يصرح بالمكان الـّذي يخفيها، ولا يصرح بالذات الـّتي تخفى في المكان، أو الكيان الـّذي يوجد فيه، ويعيش داخله. وليس من الضروري التنبيه هاهنا على أن الإنسان يبيح لنفسه التصريح بارتباطه بالمكان، ولا يصرح بارتباطه بالشخص بغض النظر عما ينطوي عليه المكان أو الشخص من معاني قيمية عظيمة القدر والرتبة. هذا دون الإشارة إلى أن استعمال لفظ "الدار" باعتباره مكانا خاصا وفضاء مغلقا، هو نوع من الحفاظ على حصانة المرأة، وسريتها، وحجبها عن أي هاتك لأسرارها ولو كان بتغيير الاسم الموضوع أصلا للتعيين لا للتجريد أو التغييب.

 

ُمـــــولاةْ الــــدّارْ

         وقد يسمي الرجل زوجته  "مولاة الدار" (أي صاحبة الدار أو سيدة الدار) إذا اعترف لها بالوجود في مجاله الاجتماعي، وأقر لها بالملكية له، والسيادة عليه.  ومع ذلك فهو لا يسميها باسمها كما هي معروفة به رسميا. وإذا كانت الزوجة هي "صاحبة الدار"، كما يحلو للزوج أن يقول لكي يطمئن نفسه أنها في البيت، ومن ثم غير معرضة للخارج بما ينطوي عليه من إثم وخطيئة وعار ووضوح وضوء وحرية، فإن نفس الزوج يقر لنفسه بكيفية غير واعية أنه "صاحب القرار" أولا، و"صاحب الخارج" ثانيا، وصاحب كل القيم الـّتي ترتبط بهما مثل "الحرية"؛ فالرجل قد يتأخر في الخارج بدون حرج والمرأة لا، وأيما امرأة دخلت دارها بعد "آذان العشاء" يشار إليها بالسوء إلا إذا كان زوجها برفقتها، ومثل "الإباحة" فالرجل قدر يرتاد المقاهي، ويغشاها، أما المرأة فلا، وأيما امرأة فعلت ذلك قيل فيها من الذم الشيء العظيم، إلا إذا كانت برفقة زوجها في مقاهي على شاطئ البحر كما هي العادة عندنا في تطاون. أما داخل المدينة فمن النادر، على الأقل في مدينة كمدينتنا بعض مقاهيها يرتادها المراهقون وبعض النسوة على تردد وبشيء من "الاستحياء" وبكثير من الخشية جراء بعض حملات "المخزن" من الشرطة من حين لآخر. وغير خاف أن الألفاظ التي تدور حول المكان مثل "الدار" و "مولاة الدار" تنطوي على تقسيم للمكان واضح، ومن ثم تقسيم للقيم الذكورية والأنثوية- ومنها اللغة بطبيعة الحال الـّتي يمكن تقسيمها عمليا إلى لغة ذكورية ولغة أنثوية- قد تقبل به حتى المرأة تفاديا لبأس الخارج وشراسته، وحفاظا على اطمئنانها القيمي للصورة القيصرية للرجل الـّتي تربت عليها.

 

 

 

ْعــَمارة الـدار

         ويوجد من يسمي زوجته بـ"عمارة الدار" ويقصد بها معنى التعمير، وهو، على أية حال، معنى طيب؛ يؤكد به الزوج احترامه لزوجه، وإقراره بأهميتها داخل البيت، وحنكتها في تسيير شؤونه . ولكن هذه التسمية ما تزال تتأسس على تقسيم قد يكون غير عادل للمكان، ومن ثم في غير صالح المرأة. حقا إن  الملكية للداخل مشهودة  للمرأة، ولكنها ملكية ناقصة؛ لأن المالك الفعلي لها هو الزوج، والمالكة اللفظية هي المرأة. ويوجد من الأمثلة الشعبية ما يؤكد وجود تنازع على الملكية الرمزية والفعلية للمكان (البيت) حين تقول بعض النسوة إن "الراجل في الدار فـْحال ْ الدْمـّالة فـي الطـّْهار ْ " (الرجل في الدار مثل الورم في الظهر) دلالة على مضايقة الزوج لزوجته، أو تحكمه في حريتها في الحركة البيتية، أو تدخله في بعض شؤونها التي تكره أن يطلع عليها، أو إلزامها بخدمته بكيفية مستمرة على ما في ذلك من تعب لها.

 

الــعَـتـْـبـَــة

         وقد يوجد من يسمي زوجته بـ"العتبة"؛ وهي من بقايا المعاني التي تمت وراثتها عن الثقافة الذكورية التقليدية. وتؤكد هذه التسمية ذلك الارتباط بالمكان الذي يبقي فيه الزوج زوجته ما دامت العشرة بينهما، وإلا عليه أن يبدل "العتبة"، أي أن يتزوج على زوجته الأولى فيأتي لها بضرة ، أو يسرحها بالمعروف ويتزوج غيرها. وهذا اللفظ فيه من الدلالات ما فيه، لأن الزوجة والارتباط بها هو نوع من "الدخول" إلى عتبة جديدة في الحياة، ومن ثم الدخول في نوع من الالتزامات والمسؤوليات. وليست "ليلة الدخلة" أو "الليلة الكبيرة" ( العظيمة) دخولا مكانيا إلا على وجه المجاز سواء كان إلى غرفة العروس أو إلى فرجها. إنه  هو دخول على نمط جديد من الحياة، وما يستتبع ذلك من أوضاع اجتماعية واقتصادية وثقافية. ومن هنا كبرها أو عظمتها كليلة، وتميزها عن غيرها من الليالي الأخريات من حيث "الدخول" و "العظمة".

 

الـشّريفـة

         وقد يوجد بعض من يدعو زوجته صدقا أو كذبا بـ"الشريفة"، دون أن تكون لها من الأرومة النبوية أي شيء، كأنه يؤكد طبيعتها "العفيفة" أولا، ويلغي إمكانية طبيعتها "الغير العفيفة" ثانيا. يستعمل الزوج لفظا مجتثا من حقل المقدس لكي ينفي به المدنس. وفي صنيعه من النفي للمرأة و وكيانها ما لا يظهر لأن حجته الـّتي لا يعبر عنها هي أنه "يرفع" زوجه فيكرمها من حيث أنه "يشرفها"، ولكنه في حقيقة الأمر، "يضعها" من حيث "يغيبها" لأن "الشريفة" هي المتعين المجرد، أو المجرد المتعين. ومع ذلك فكثير من الزوجات يحببن مناداتهن بلقب "الشريفة" اعتبارا منهن أنهن سيدات "زاويتهن" أو لنقل بلغة أهل مدينتنا "مْـقدّمات" (قيمات) زاويتهن أو بيتهن. وهذه المقابلة بين البيت والزاوية والزوجة والشريفة لها ما يبررها إذا ما علمنا أن لكل زاوية "ولي" و "قيـّم" يقوم على خدمته، وخدمة من فيه. وهذا، بكيفية من الكيفيات، ما تقوم به الزوجة في بيتها فهي باعتبارها "مقدمة" الزاوية، تخدم "وليها" ومن في بيته من أبنائه.

 

الـحـاجّـــــة

         وقد يوجد من يسميها بـ"الحاجة" دون أن يسبق لها أداء مناسك الحج قط، تقديرا لها-وغالبا عند الأزواج الذين عاشروا زوجاتهم مدة طويلة-  مع أن هذا اللفظ امتزج مؤخرا في بلادنا بدلالات غير سليمة أخلاقيا، إذ سميت به الممتهنات للدعارة،  ومنبوذة سياسيا، إذ سمي به السجانون -وما زالوا- خلال ما يعرف بـ"سنوات الرصاص" في المغرب، ولم تعد له تلك النصاعة الدينية والأخلاقية والاجتماعية  الـّتي كانت له من قبل. ورغم  ذلك فدعوة الزوجة بهذا اللقب فيه نوع من الحرص الخفي على "إعلائها" اجتماعيا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن "الحاج" هو وضع اجتماعي اعتباري يسعى إليه بعض الناس لكي "ينتحروا طبقيا" لا لكي يؤدوا واجبا دينيا. كما أن دعوتها بنفس اللقب ينطوي على حرص مبطن بـ"تطهيرها"؛ فكل حج طهارة، وكل حاج طاهر إذا تهيأت له شروط  حج كامل ومبرور. وبذلك يضمن الزوج أن لا تكون زوجته "دنسة" أو "غير طاهرة"  حتـّى لا يلحق به "دنسها" فيوصم بالعار. والغريب أنه بالرغم من حرص الزوج على "تغييب" زوجته من مسرح الوجود عن طريق تجريدها وتسميتها بغير أسمائها، إلا أنه يخشى تبعات "غيابها" فيعمل على التنكر لها بوعي أو بدون وعي، وقد يكره حتـّى الإشارة إليها، وقد يتمنى لو لم تكن أصلا لأن وجودها كما هو الحال في قيم شهدناها ونحن صغار السن مدعاة للفضيحة والعار، فمن عنده أخت كمن عنده ورم في مؤخرته (اللـّي عندو ْختو فحال اللـّي عَندو دمـّالة فـ[....] ).  وفي باديتنا ما يزال من يمشي وزوجه تتبعه، ولا تجرؤ أو لا يجرؤ على المشي إلى جانب بعضهما البعض إذا خرجا إلى قضاء بعض شؤونهما، هي تتبعه، وهو يقودها لأن من البديهيات الرجولية في مجتمعنا أن القيادة للرجل إلا القليل ممن "يعترف" بواقعة غير جنسية اسمها "الإرادة" و "الشخصية" و "الوجود" و "الرغبة" و "الحرية".

 

وزارة الـداخـليـة

         وقد يوجد بعض الظرفاء من الأزواج من يطلق على زوجه لقب "وزارة الداخلية" أو "وزيرة الداخلية". وبالمناسبة  لهذا اللقب من تأثير في نفوس أهلنا القدر العظيم في وقت من الأوقات نظرا لصلته بـ"خاصية مغربية" في السياسة وهي الوضع الاستثنائي الـّذي كانت تتميز به هذه الخطة التنفيذية باعتبارها "وزارة سيادة" كما سميت في الأدبيات السلطانية المغربية الحديثة، وارتباطها بجهاز كان له وقع البأس و الرهبة في قلوب كثير من الناس. ويمكن القول إن إطلاق هذا اللقب على الزوجة هو بمعنى من المعاني استبطان دور وزارة الداخلية على المستوى العائلي بعد أن تم التشبع بقيمها وبثقافتها وبسلطتها على الصعيد الشخصي والاجتماعي. وسواء كانت هذه المسألة حقيقية أو غير حقيقية، فإن أغلب بيوتنا السلطة الداخلية فيها للمرأة اقتصاديا وتربويا وليس للرجل فيها إلا الحضور الرمزي باعتباره "ملكا يسود ولا يحكم". إنها "ملكية دستورية" ولكنها متحققة على المستوى المنزلي فقط. إنها بمثابة حكومة قائمة بذاتها تقوم بالتدبير المنزلي وفق تفكير اقتصادي واجتماعي وتربوي. هذا إذا تصورنا المسألة بقدر من حسن الظن بالزوج الـّذي يفوض زوجته سلطاته النظرية، أما إذا لا وقلنا إنه رجل لامبال لا بالتفكير ولا بالتدبير المنزليين، صح القول إن السلطة الداخلية للزوجة قد تمارسها بنوع من "الديكتاتورية المستنيرة" أحرزت عليها بواقع الحال لا بما ينبغي أن تكون عليه الأمور من مشاركة وتشارك في الشأن المنزلي بين الطرفين. ومن المناسب الإشارة  في هذا المقام، إلى أن دعوة الزوجة بلقب "وزيرة الداخلية" فيه من الشعور بـ "الخشية" منها ما فيه لأن بعض الزوجات تمارسن عن حق ما تمارسه وزارة الداخلية من "تحقيق" و "مساءلة" و "تأديب" و "عقاب" عقب ما يصدر عن الزوج من "جنح" و "مخالفات" و "جرائم". ولكن هذه "الخشية" غير معيبة له في نظر سواه من الأزواج؛ فكأن بينهم اتفاقا ضمنيا أن "الخشية" من الزوجة أمر مقبول ولا يخالف الرجولة، ولا يتعارض مع "الفحولة" وقد يعترف بخوفه من زوجه دون أن يشعر أن مقامه قد نقص عند سامعه من الرجال. إن الزوج أبدا من الخطائين، وخطؤه من قبيل الضرورة الـّتي لا مناص منها. بل إن ما يمكن أن يعد خطأ في نظر قيم الزوجية، والمقاييس الدينية، والتعاقدات الاجتماعية والأخلاقية، يعد "رجولة" وفحولة" في نظر القيم الذكورية الـّتي لا تحفل إلا بإشباع الرغبة مثل "الليبيدو". كل شيء نسبي ، فالرجل مهما صنع يظل "راجل" (رجلا) وعلى المرأة أن تتحمل فتسكت وتستكين وتصبر، وإما "الوقوف" فتضع حدا لمسيرتها الزوجية ربحا لكرامتها. أليست معروفة ومسكوت عنها قسمة  "صَاِحبـْـتي" في الخارج، و "يمّاهوم ْدالعيال"(أم العيال) في الداخل، ولا تعارض بينهما لدى "السّي السيد" شريطة أن لا تعلم بذلك الزوجة، ولا بأس أن يكون غيرها يعلم فلا يتكلم؟

 

 

َمـــــدامْ

         وقد يوجد من يطلق على زوجه اسم "مدام"، ولا سيما حديثا لدى بعض الرجال ممن نالوا حظا من التعليم في المناطق الداخلية من المغرب. إنهم  يستعملون اللفظ الفرنسي للإحالة إلى زوجاتهم أو إلى زوجات معارفهم فيقول الواحد منهم للآخر مثلا "كيف هي المدام؟" أو "سَلـّم على المدام". وبغض النظر عن أن هذا اللفظ ينطلق من اعتقاد خاطئ بأن الفرنسية هي لغة التحضر وعلامة التمدن، ومن ثم فكل من استعملها صنف من المتحضرين وسلك في المتمدنين، إلا أنه ينطوي في نظرنا على نوع من "الانفتاح الحذر" تجاه الجنس الآخر، والرغبة في الكشف عنه ولكن بتردد، وتسميته باسم ممعن في التعميم ولكن باحتشام. صحيح إن بعضهم يتسامحون في أن يسأل الآخر عن زوجاتهم، ولكنه سؤال محتشم، لم يتجاوز عتبة "السرية" الـّتي يحيط بها الزوج بيته ومن فيه، ولا يعدو أن يكون الأمر محض "مجاملة" فارغة من أي رغبة في المعرفة. وفي جنسها تدخل إجابة الزوج الـّتي لا تعدو أن تكون مجرد إجابة روتينية لا تصف واقع الحال كأن يقول "مزيان الحمد لله" على ما فيها من اختلاط الخوف بالرجاء فـ"مزيان" للرجاء، و"الحمد لله" للخوف.

 

 

الأسـتـاذة

         وقد يوجد من يسمي زوجته باسم "الأستاذة"؛ ولا سيما عند رجال التعليم الذين يشيع عندهم أكثر من غيرهم استعمال هذا الاسم. وهو اسم يبدو أنه "يعين"، كغيره من الأسماء الـّتي مرت بنا، ولكنه يمعن في التجريد، ولا يضيف إلى شخص الزوجة أي حضور؛ فالحديث يدور حول الاعتبار المهني للزوجة، وليس حول اعتبارها الاجتماعي. وهو على أية حال طريقة مؤدبة في "هتك الأسرار" الداخلية عن طريق إعطاء صفة القبول للزوجة في مجتمع "ألتعليم" و إدماجها في سلك المهنية كأية امرأة أخرى شريطة عدم تجاوز الحدود المتفق عليها ضمنيا بين الأزواج من الرجال.

 

المْــرا... حـَاشـاكْ !

وقد يوجد في البادية من يتحدث عن المرأة عموما، وعن زوجته خصوصا، فيذكر لك في السياق كلمة التنزيه "حاشاك" كأن يقول "المرا حاشاك....." ويكمل حديثه الـّذي بدأه.وقد يفعل ذلك بتأفف، وبعضهم يقولها بطريقة عادية ميكانيكية عقب كل إشارة إلى المرأة. والملاحظ أن من بقي يحرص على "تنزيه" مخاطبه عند الحديث عن المرأة، إنما هو من العوام الذين لم ينالوا حظهم من أي تعليم، أو نالوه ولم يتشربوا معه أي قدر من الاحترام للمرأة. إنهم ينطلقون من فكرة بسيطة ولكنها خطيرة وهي أن المرأة موضع "نجاسة" فقط لأنها على موعد محدد مع "العادة الشهرية". وبالرغم من أن الأمر لدى النساء محض مرحلة عابرة يتم تدبيرها بكثير من العناية والنظافة، إلا أن فكرة "النجاسة" مستقرة  في أذهان بعض الرجال ويترجمونها إلى سلوكات عدوانية تجاه المرأة، إما بنبذها مع رغبتهم الدفينة والدائمة لها، أو تحقيرها متى لم تستجب لسلطتهم الرجولية ورغبتهم الشبقية. وفي جميع الأحوال لا يقبل الواحد منهم أن يتسوق لزوجته "فوطة" النظافة، ويستشيط غضبا لو أن إشهارا لها أذيع خلال تناوله لإحدى وجباته الغذائية.

         وعموما، يمكن القول إن الألفاظ المستعملة في الإحالة على الزوجة، ألفاظ مجردة، من حيث هي تقصد أن تعين، وألفاظ مغيبة لشخصية المرأة ولوجودها، من حيث هي تقصد إحضارها إلى ساحة الوعي والوجود والفعل، مع ما يداخل تلك الألفاظ من بعض الشعور بالاستعلاء والتفوق والامتياز والاحتقار والشفقة من لدن الرجل... وحسبنا الإشارة هاهنا إلى أن جميع ذلك له أسباب نفسية وثقافية واجتماعية ودينية يكون من المفيد الوقوف عندها في فرصة مقبلة.

 

 

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

 

 

 

تاريخ الأنوار ومقتضيات التوهج
نشرت هذه المقالة في جريدة "الأنوار" الورقية التطاونية عدد 243 يوليوز/غشت 1997. وأعيد نشرها هاهنا تذكيرا بوقائع، وتأكيدا لاختيارات...
 
 

لما نهضنا، رفقة ثلة من المعارف، بمبادرة إصدار منبر إعلامي من تطاون، مباركينه باسم "الأنوار"، كنت أستجيب شخصيا لداعي "المسؤولية الحضارية" الذي كان لدي، أيامئذ، محض حدس أولي، أنضجته الأيام والرجال حتى اتخذ الهيأة المعروفة عنه في ملفات العمل التي وضعتها لمجلة "تطاون العامرة". ومفاد هذا الداعي، أن جيلنا لا بد له من استعادة عافيته التاريخية، حتى يشارك في تحقيق هويته الثقافية، على هدي اختيارات ورؤى جديدة، تناسب خصوصيته كجيل يعيش سياقا فكريا وسياسيا وثقافيا وحضاريا مختلفا بالكل أو بالجزء، عن سياق جيل الحركة الوطنية، ووارثيهم من جيل الاستقلال.

         ولكي أمضي إلى البرهنة على هذا الداعي، لم يكن لي أن أخوض في مناظرات فكرية وسياسية عن السقم التاريخي الذي يعيشه جيلنا، ومن يكون هذا الذي يكون جيلا بملامحه الخاصة وسياقه الخاص وفكره المخصوص، فإن مكان ذلك كله منبر المسؤولية الحضارية، فضلا عن أن دائرة الضوء التي رسمتها "الأنوار" لم تكن قادرة على أن تشمل مثل تلك القضايا. كان حسبي من ذلك قيادة ذرات من النور لكشف ملامح من الوجود التطاوني تاريخا وثقافة وحضارة، في أفق إبلاله من آفة التجريد- ولا أقول التعديم- التي يرتهن إليها. وهكذا أحببت التحدث، فيما أحببت التحدث عنه، عن "غزالي" وعلاقة جيلنا بالحرب الأهلية الأسبانية، ومحاضرة "ليفي بروفنصال" في تطاون، وأول درس فلسفي فيهاوقبيل من ذلك مما توثقه الأعداد الثلاثة الأولى من "الأنوار" التطاونية. أما ذرات النور الأخرى، فقد اختار باقي المعارف توجيهها إلى جوانب ثقافية وسياسية واجتماعية؛ قدروا أهميتها ومضوا إلى التحدث عنها، بما ظهر لهم من رأي، وتحصل لديهم من علم.

         والواقع أنى لم أكن دائما متفقا مع ما يذهبون إليه من رأي، وما يصدرونه من حكم، بل إني بالأصل لم أكن حتى متفقا معهم في اختيار بعض القضايا، وطريقة تناولها إعلاميا، لسبب ظاهر هو أن "الأنوار" ليست جريدة وطنية، بل محلية، ولسبب خفي، هو أن أيا منا لم تكن لديه الأهلية الصحافية؛ إذ لا أحد منا يحترف مهنتها، وإذن من دواعي الشفقة مضي صحيفتنا إلى أداء إعلامي على غير مقتضياته المشهورة بين الناس، وهذا ما حدث أسفا.

         غير أن ذلك لم يكن يمنع من العمل، فإشعال شمعة واحدة أفضل من لعن الظلام كما يقال، وتلك هي الروح التي انطلقنا بها في "الأنوار" التطاونية، ولكن على خلاف في التصورات والاختيارات. وهي على وضعها، يمكن تصنيفها على التقريب، وبدون استئذان "الأنواريين" إلى أربعة أنماط؛ إن لم يكن هناك وعي بها من طرف أصحابها فهي بادية بكل وضوح في أفكارهم وسلوكهم:

         النمط الأول-كم أنا طامع في تسامحه- منخرط في العمل السياسي المباشر بانكساراته وآماله، ينتمي إلى تنظيم سياسي عرف مرحلة السرية فالعلنية، أثقل ما يكون بترسبات نكسة 1967، والروح السبعينية الفوارة، عاش سنوات الثمانينات بثقافة النضال الديموقراطي، وهاهو يدرك بمرارة شديدة عصر "الثقافة السياسية الجديدة".

         النمط الثاني- كم أنا طامع في شفافيته- متغرب حتى حدود "الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية"، ذاهل عن أصول الفكر الغربي، وضحلة ثقافته الدينية المسيحية والإسلامية، يعيش في تطاون وقلبه في الرباط، ينتمي إلى هيئة ثقافية مركزية ولم نقرأ له قط دراسة نقدية علمية موثقة عن الأدب المغربي المكتوب بالإسبانية.

         النمط الثالث- كم أنا طامع في شهامته- "تقنوقراطي"، يحسن لغة الحسابات، وقليلا من فن العلاقات العامة، ينظر إلى الصفحة في الجريدة، فلا يرى غير الإعلان التجاري مترجما إلى أرقام نقدية، يصلح للإدارة المالية، ولا يصلح لإدارة السياسية، ويحسن أن لا يعرف رأيه في الأمور الثقافية.

         النمط الرابع- كم أنا طامع في مؤالفته- متجذر في تطاونيته، وممتد في مغربيته، يفسر العالم، ولا يجرؤ على تغييره، تلميذ مخلص لآباء الوطنية في الشمال، يتعلم منهم دون أن يوافقهم الرأي في مفهوم الوطنية، له صبر على مطالعة الأعمال الكاملة التي يقرأ غيره عناوينها فحسب للتباهي، آفة العمل الثقافي في رأيه داخل تطاون تصدر الأنبياء الكذبة للمجالس وهرولة الأدعياء وراء الألقاب، ولاؤه للمدينة العامرة، وأما الأحزاب فرأيه فيها رأي فلاسفة إسبانيا الأحرار.

         جميع هذه الأنماط، عملت على اختلاف مشاربها الفكرية واختياراتها السياسية، جنبا إلى جنب طيلة صدور ثلاثة أعداد من "الأنوار"، ولو قدر لها الاستمرار، لصنعت من الأنوار وهجا وهاجا، يسطع بضوئه، فيملأ الآفاق ضياء؛ شريطة توحد كان يكون منهم في الرؤية، وتبصر بالقصد، واشتراك في قضية محددة، واستقلال كامل عن إرادة أية جهة من الجهات.

         ولكن أسبابا كثيرة منعت ذلك من أن يكون كذلك. ومن سائرها في نظري، غياب الحس الشمالي لدى الأنواريين، سواء فيما يفكرون فيه، أو يكتبون عنه. ومبررهم في ذلك أن الحس المغربي أولى من الحس الشمالي، كأن الأول لا يجتمع مع الثاني في الحس الوطني الوحدوي. امتلاكي هذا الحس وغيابه لديهم، أشعرني بغربة رهيبة قطعت سبل التواصل بيننا، فهم من غير جيلي؛ لا يفهمون لغتي العربية، ويجهلون مرجعيتي الفكرية، وينكرون علي معرفتي "يهوذا الاسخريوطي" من ريحه. وهذا حال من إذا تحلى بفضيلة العمل الفردي لا ينبغي أن يلام على قدر ما يمكن أن يكون لديه من إيمان بأهمية العمل الجماعي، واحترام للتفكير المشترك، وثقة في أن الحقيقة مسؤولية جماعية، وأن الحوار قيمة القيم. وإذا كان بعض الأنواريين قد صبروا علي حتى أتعلم فضيلة العمل الجماعي، فإني صبرت عليهم حتى ينضج لديهم الحس الشمالي؛ فيدركوا أنهم يصدرون جريدة من برزخ حضاري عظيم القدر والجلالة. وهكذا صبر الواحد منا على الآخر "في مكانين مفترقين على حالين مختلفين" بغير مخاذلة من جانبي، وبكل مناصرة من جانبهم، وكلانا ينصر مذهبه، ويحقق معتقده. وأثناءها منعت يومية "أنوال" من الصدور، وأصبحت "الأنوار" لسان حال "منظمة العمل الديموقراطي الشعبي"، وانتقلت من صفتها التطاونية، إلى صفتها الحزبية، في ظروف يحسن أن أرجىء إظهار رأيي فيها إلى مناسبة أخرى.

         وبغض النظر عما صاحب ذلك من تأويلات، بعضها حسن النية، وبعضها الآخر سيئها، فإني أعتبر أن ذلك الانتقال، على المستوى المبدئي، محمدة عالية تنضاف إلى محامد الشمال؛ فقد كانت تطاون دائما "دار هجرة" لإخواننا الجنوبيين في العهد الاستعماري، وفي العهد الاستقلالي، والجزء الشمالي من المغرب، عمق استراتيجي لجزئه الجنوبيهذا إلى أني نظرت فيما نظرت إلى ذلك الانتقال من زاوية أخرى وهي أن "الأنوار" خرجت من البعد المحلي إلى البعد الوطني واكتسبت إشعاعها المأمول ولو بالشرعية التأسيسية التاريخية. ولست في حاجة إلى القول إن مجرد تهيؤ الفرصة لحزب وطني مركزي لكي يعبر عن أفكاره ومواقفه بوساطة جريدة محلية من تطاون، في الوقت الذي حرم فيه من حقه في الكلام، هو أم الفضائل، فما عرف التخاذل والمخاذلة عن الشماليين قط. والآن وبعد عودة صدور "الأنوار" من تطاون، فخورة بما أسدته من دعم ومساندة لقضية ديموقراطية وطنية، أمتلئ أملا في أن الأنواريين القدامى والجدد، قد نضج لديهم الحس الشمالي الضروري إذا أرادوا لعودتهم اليمن والبركة، متمنيا عليهم الحرص على أن تكون "الأنوار" مستقلة القرار، حرة الإرادة، لا ولاء لها إلا لقضيتها الإعلامية في بعدها المحلي، وفي امتدادها الوطني. وما أخال ذلك إلا متحققا، وقد بدأت أرى عند بعضهم بداية طيبة لاستعادة وعيهم التاريخي، واسترداد هويتهم الثقافية

         وبعد هذا وذاك، التوهج دائما لـ"الأنوار" والمجد دائما لتطاون، والخير لهذا الوطن الممتد فينا حلما.

 

 

إسبانيا الجوهرية… في السياسة!!

 

[نشرت هذا المقال في إحدى الأسبوعيات المغربية بدون هذا العنوان خلال عام 2004. هنا استعادة لمضامينه لمن كان بسبيله إلى الريب
 م.ب. أشمل].

        

عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات العامة في إسبانيا يوم 14 مارس 2004، ألقى "رودريغس ثاباتيرو" خطابا قصيرا دشن به، في رأينا، لغة جديدة في التداول السياسي والفكري لدى جارتنا الشمالية لطالما افتقدناه في عهد "خوسي مارية أثنار" رئيس الحكومة الراحلة . خطاب الزعيم الاشتراكي تضمن  من قضايا "الخلاف العالي" ما لم تتضمنه أشد خطاباته في الحملات الانتخابية السابقة على يوم الاقتراع الأخير. لقد اختار الرجل أن يسمو بالفرحة بالنصر إلى مرتبة النقيض، فيحزن في عز فرحته على ضحايا الأحداث الدامية في العاصمة مدريد، ويطلب من مؤيديه الارتفاع بفرحتهم الحزبية إلى دنيا التضامن الوطني والمشاركة المدنية، ويدعوهم إلى لحظة صمت ترحما على الأموات، ومشاركة لذويهم في ألمهم العظيم على أحبتهم. أو قل إن الرجل  دعاهم إلى إمساك فرحتهم قليلا، وإطلاق حزنهم كثيرا في تلك اللحظات التي يستعذب فيها المنتصر الحزن لأنه يمده بأسباب الفرحة كاملة وفي هذا من المغازي ما لا يتفطن له إلا أهل الاختصاص في تأليف القلوب من الساسة.

         ثم هاهو يعتبر أن النصر الذي تم تحقيقه ليس إلا نصرا للجميع؛ ارتفاعا بالخلاف الحزبي إلى مستوى المؤالفة الوطنية، بحيث لا يخفى هذا التماهي الكامل بين التصور الذاتي الحزبي والمصلحة الإسبانية التي حسم فيها الاقتراع الديموقراطي. فالمصير الإسباني اختاره الاشتراكيون لأنه عينه المصير الحقيقي الذي ينبغي أن تنتهي إليه إسبانيا من لدن أكثر من يحبها والأقدر على محبتها بالسلام لا بالحرب، بالعمل لا بالشعارات.

         ثم هاهو يلتفت إلى خصمه زعيم الحزب الشعبي "ماريانو راخوي" ، فيمضي إلى إطرائه ، داعيا إياه إلى التعاون فيما يخدم شؤون الدولة، ربحا لمصالح إسبانيا العامة، وربحا للنفس أمام محاسبة التاريخ. وحتى وهو في عز انتصاره، لا تأخذه الشفقة على "راخوي"، و لا "يسترخيه" كما كان الأمر خلال الحملة الانتخابية، ولا يتشفى فيه تشفي من في قلوبهم ذرة ضغينة للخصم، بل إنه يرفع من شأنه، ويعلي من مقامه، إذ الحاذق لا يضع من قدر خصمه في مثل هذه الأوقات - فوضع الخصم وضع للذات، ورفعه رفع لها- وإنما يرفع من قدره ويستقوي به، فالنفوس إذا ما كبرت ضاقت عنها الصغائر.

         ثم انظر إليه ينشئ فلسفة هذا التعاون الذي يقرر إجراءه مع الخصم الوطني، فإذا هو الدعوة إلى الحوار و تحمل المسؤولية و انتهاج الشفافية والتجمل بالهارمونيا. فأما الحوار فهو لأجل حاضر ومستقبل إسبانيا، وحول أية صيغة مناسبة لمحبتها؛ فمن العشق ما قتل، ولا سيما عشق "الفلانخي" الذي يميت، ومحبة "العسكر" التي تقتل. وهاهو يتجاوز "سقطة" الزعيم الشعبي في رفضه للسجال العمومي خلال الانتخابات، ويدعوه إلى حوار وطني بعدها؛ فالخير كله لإسبانيا، وثمار الحوار هي خير لإسبانيا وأبقى. ولا حرج أن يكون الحوار بعد الانتخابات لا أثناءها، فقد يعرف المواطن الإسباني البرنامج الحزبي، ولكنه لا يكون واثقا من تطبيقه كاملا، لأن أغلبه ُوضع للحملة العابرة، وليس للمشروع النهائي من أجل السعادة الإسبانية.

         وأما المسؤولية فهي في ضرورة أن يكون الخصم والمخصوم في مستوى من الوعي بالتحديات التي تواجه البلاد ومواطنيها، كتحدي "الأمركة" إذا ترعرع كان الخطر، وبناء أوروبا الموحدة، إذا انهار كانت الكارثة على السيادة السياسية والرخاء الاقتصادي، وإسبانيا قوية وموحدة إذا تطرقت إليها أسباب الفساد ذهبت بريحها العصبيات يمينا ويسارا، فتقوم فتنة الطائفية الإقليمية خارج المدار المركزي الإسباني.

         وأما الشفافية فعين المطلب الإسباني الواسع، اتعاظا من التلاعب المكشوف بمشاعر الإسبان في حرب العراق، وارتداعا عن الكذب عليهم  كما في تفجيرات 11 مارس في مدريد. ليس أمام من يحكم إسبانيا- وغيرها من الشعوب على أية حال- إلا أن يقول الحقيقة، ولا شئ غير الحقيقة، وإلا عصفت به كيخوطية الإسبان كما عصفت بأثنار (اقرأها "نار" الحكومة) وأسيبس (اقرأها "إبليس" الداخلية) وراخوي (اقرأها "رخو" الانتخابات) في اليوم الرابع عشر من شهر الحرب على الكذب.

         أما الهارمونيا فما أكثرها ضرورة في "أرض أراضي إسبانيا" كما يحلو لـ"خوليان مارياس" أن يقول- فقد تستأسد النزعات الوطنية الباسكية أو الكطلانية أو الجليقية أو الكنارية، فتحدث من الفتن ما لا قبل لجارتنا بها، وعوض "بلان إيبارشي" يكون لها من المشاريع ما لا حصر له في التجزئة، و تتوفر لها ما لا عد له من مشاريع الانفصال وكلها متنافرة ستحدث شرخا في الوحدة الجوهرية الإسبانية النزاعة إلى الوحدة المطلقة كما تصورها "خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا" وقرينه "هيديا" وعموم الفاشيين الإسبان، مرورا بـ"مايتزو" و"دورس" و"سيرانو سونيير"، أو الماضية إلى الوحدة في إطار التنوع كما حلم بها جيل 98 ونظر لها نقاد المجتمع الاستهلاكي أمثال "أوخينيو ترياس" و"فيرناندو سافاتير" .

         ثم ها الرجل يضع الأولويات لعمله المستقبلي وقد تسلم نظريا مقاليد السلطة في البلاد، فتكون إحداها مقاومة كل أشكال الإرهاب والبحث عن الوحدة. فأما الإرهاب فسوسة تنخر المجتمع الإسباني، وتخلف وراءها من الألم والموت والتشوهات النفسية والجسدية والمعنوية الشئ الكثير؛ أكان مصدرها "إيتا" وتنظيماتها الشبابية الموازية، أو الخلايا المفترضة لما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي".. لكن على إسبانيا أن لا تنساق وراء الأطروحات الشهيرة حول "الإرهاب الإسلامي"؛ الذي ما يزال يتحدث عنه "أثنار" حتى بعد أن فشل في حشد السخط على "إيتا"، فالذكاء الاستراتيجي في السياسة يحتم على إسبانيا أن تفكر في امتدادها العربي، وعلاقاتها مع الدول الإسلامية في العالم أجمع. هذا وعليها أن تكون لنفسها رأيا فيم يكون هذا "الإرهاب الإسلامي" بعيدا عن إيديولوجيا التضخيم المعروفة عن الأنظمة الغربية الفاشلة في مشاريع الاستعمار الجديد.

         وأما الوحدة فلأنها هي المطلب التقليدي للحكماء من نخبة الشعب الإسباني، بمن فيهم رجال الجمهورية من قامة "مانويل أثانيا" أو "نيسيتو ألكالا ثامورا"، أو "كامباني" من رؤساء كطالونيا. ولكن دون السقوط في المركزية؛ فليس من الضروري أن  تعني الوحدة المركز، بل قد تعني الدورة المركزية، أو المراكز الدائرية أو ما شابهه من أنماط، قصد تحرير الجغرافيا السياسية الإسبانية من سلطة الوحدة المركزية المطلقة وما جرته عليها من الويلات والنكبات، داخليا في مشكلة انفصال البرتغال قديما عن التاج الإسباني، واستقلال المستعمرات في أمريكا اللاتينية حديثا عن سيادتها السياسية والإدارية..

         وهكذا انطوى خطاب "ثاباطيرو" القصير في مدته، العميق في دلالاته، على الخطوط الأولى لما يمكن عده "السياسة العامة" المنتظر اتباعها مستقبلا؛ أولاها سياسة "التضامن" عموما، وسياسة التضامن بين المناطق المكونة للكينونة الإسبانية خصوصا. وثانيها سياسة "المؤالفة الوطنية" بين أطراف الصف الوطني أمام نزعات الانفصال المعتمدة على اللعبة الديموقراطية في تغيير دستور البلاد حتى يستجيب لمطامحها في الانفصال. و ثالثها سياسة "التعاون" بين جميع الأطراف التي يعنيها الشأن الإسباني حكومة ومعارضة وقوى مدنية؛ نفيا لسياسة بناء الذات على حساب الوطن، وتعزيز الفرد على حساب القيم التي يتقوم بها، وهما الآفتان اللتان  أصبحتا فاشيتان في المجتمع السياسي والمدني الإسباني ضدا على كل توقعات المتتبعين للصيرورة الديموقراطية والرخاء الاجتماعيين اللذين تمتعتا بهما إسبانيا منذ أولى خطواتها في درب الانتقال الديموقراطي. ورابعها  سياسة "الأسبقية للمصالح العليا لإسبانيا" على المصالح الدنيا للحزب أو التنظيم النقابي أو السياسي أو العرقي، تفاديا لأسباب حرب أهلية وشيكة على غرار حرب عام 1936 لما تم التآمر على الشرعية الجمهورية.  وخامسها سياسة "الاستقواء بالخصم" استقطابا لفائضه الانتخابي، واستجلابا لإرادته الصادقة في خدمة البلاد دون عرقلة قوية منه وهو في مواقع المعارضة، ودون تشويش متواصل منه على مخططات المعارضة وهو في سدة الحكم.  وسادسها سياسة "الحوار" فتحا لورشات ما تحته طائل، وتدعيما لورشات ما منه الجدوى، وإغلاق الطريق أمام العبث والكسل النظري والتراخي عن الاجتهاد.  وثامنها سياسة "المسؤولية" تحميلا للحكومة و المعارضة معناهما الحقيقي في العمل: الحكومة تدبر والمعارضة تفكر، الحكومة تقرر والمعارضة تراقب فلا عمل في غياب المسؤولية وانتفاء لقدرة على تحمل تبعاتها خيرا كانت أم شرا. وتاسعها سياسة "الشفافية"؛ فالعالم من زجاج، والخير كله أن يظهر الناس في السياسة عين ما يبطنون، وإلا هي سياسة الكذب والنفاق والمؤامرة والمناورة والخداع ومثيلاتها من رذائل العمل السياسي، فحبل الكذب قصير والشعوب، أيا ما كان مدى وعيها، ما زالت تحاكم حكوماتها أخلاقيا ولو قدمت لها الخبز الساخن محشوا بالكافيار على طبق من ذهب. وعاشرها سياسة "الهارمونيا"؛ فالخريطة الإسبانية تعيش حركة التنافر أكثر من حركة الانسجام في اللغة والفكر والطموح والمجد والتاريخ والعقلية والعرق، بحيث  لا ينفع معها حلم إيسابيلا الكاثوليكية بالوحدة، ولا يجدي معها استنهاض الروح التسلطية للقشاتلة على الامتداد الإسباني بفرض اللغة والإرادة، ولا تجريب سياسة اليد الحديدية التي نالت منها إسبانيا الفقر والبؤس في عهد الديكتاتورية ولكي تؤتي هذه السياسة ثمارها، سواء على الأمد القريب أو البعيد، لا بد من تغيير جذري في طريقة الحكم حتى يشعر الإسبان انهم حقا وواقعا صوتوا لأجل مشروع سياسي ديموقراطي مغاير لما تم تجريبه طيلة ولايتين تحت سلطة القرار السياسي لحزب يميني محافظ.

         وبالفعل فلقد وعد "ثاباطيرو" إجراء تغيير هادئ في إسبانيا دون أن تنال من شخصه السلطة أي منال. الوعد الأول تحكمه حسابات الخصم السياسي العلني والسري، والوعد الثاني تحكمه تربية الرجل السياسية في أحضان حزب يساري عريق، تعلم كيف يعطي الدروس لخصومه في الديموقراطية الداخلية، والأخذ بأسباب التشبيب الحقيقي لأجهزة الحزب وكوادره ، وليس "التوريث" كما هو الحال في بعض البلدان المتمسكة بالكسرويةوكيف ما كان الحال، إن الطريق قد امتد أمام تجربة جديدة في التداول السياسي للديموقراطية الإسبانية، وسنحتاج إلى وقت طويل للحكم عليها إيجابا أم سلبا. 

لكن المؤكد من جهة أخرى، أن المعاني السابقة التي انطوى عليها خطاب "ثاباطيرو" تشكل معالم السياسة التي نحسبها تمثل، في إحدى وجوهها، حقيقة إسبانيا الجوهرية كما صاغها تسامحا وحوارا ومسؤولية وهارمونيا جيل من الفلاسفة والمفكرين ممن جعلوا التفكير في مصير بلادهم أخص واجباتهم وأشملها. وباتجاه هذه الإسبانيا الجوهرية ينبغي علينا منذ الآن توجيه العناية في الحوار والصلة بغرض التحاور والتواصل في أفق التعايش والتسامح ولعل حذاء إسبانيا الآن بسبيله إلى الإصلاح لكي يسير في هذا الاتجاه بعد أن تسلمه "إسكافي" ماهر يحسن، ولا شك، إصلاح الأحذية البالية لاستعمالها من جديد في طريق وعر وشاق مثلما هو  طريق الحكم في الداخل، والديبلوماسية في الخارج

 

قراءة في أوراق الحرب الأهلية الإسبانية (2) : المنطقة الحمراء والوعد بـإسبانيا جديدة

نشرت هذا المقال حوالي عام 2005 في مجموعة من المواقع والمجلات. وأعيد نشره من جديد هاهنا عودة به إلى قواعده الأصلية سالما من كل قرصنة. (م.ب. أشمل)

من المفروض أن تكون الحرب الأهلية "خفيفة الوطئ" على أصحابها إذا كان لا بد من أن يتحاربوا. ولكنها عمليا وواقعيا غير كذلك، ولا يمكن أن تكون كذلك. إنها حرب "شديدة الوطئ" على أهلها، وأحيانا حتـّى على جيرانهم. و ما تنطوي عليه من تناقض (بين "الحرب" و "الأهل") لا يدع مجالا للتردد في أنها غير أهلية، بل حرب بين طرفين لا قرابة بينهما؛ لأن الأهل إذا نهضوا إلى حرب، فمع غرباء أعداء لهم أرادوا بهم شرا فردوهم عنهم وحموا عن بغيهم ما لهم من مال وسيادة وكرامة. أما الأهل، فيتحالفون معهم حتـّى يجدوهم في جانبهم ليشدوا من عضدهم وقت الحاجة في الحرب مع الغرباء، أو إذا ألمت بهم نكبة من نكبات الطبيعة.

ولكن مجرى الرغبات وتدفق الأهواء الإنسانية هو غير خيرية المثال واستقامة الأخلاق. وهذا التاريخ نفسه يشهد كم من الأهل قاموا إلى السلاح، ثم فضوا نزاعاتهم بقوته، فكان بينهم الغالب والمغلوب. ولهذا فلا وجود لما يسمى بـ "حرب أهلية" إلا بداع استكبار حدوثها، واستفظاع أهوالها. إنها، على العكس من ذلك، حرب "غير أهلية"؛ لأنها تقوم بين أناس أصبحوا غرباء على بعضهم البعض في "بيتهم" ساعة أمسكوا عن الحوار، وأطلقوا العنان للسلاح. إن الـّذي يحكم "أهل البيت" الواحد هو الحب لا الحرب. ولكن ما من حرب أهلية ساد الحب بين أهل بيتها، بل عصفت بهم الكراهية، وشطرهم الحقد شطرين أو أكثر. وهذا شأن كل حرب أهلية تقوم بين الأهل، وداخل بيتهم، ومنها "الحرب الأهلية الغير الأهلية"
guerra civil incivil (أو الحرب الأهلية الغير المتحضرة) كما يسميها "أونامونو" Unamuno (1864-1936
) و الـّتي قامت بين الإسبان والإسبان، وجرت وقائعها داخل إسبانيا، واشتعل فتيلها من مستعمراتها في المغرب. إنها حرب غير أهلية لأنها قامت بين أعداء كفوا أن يكونوا أهلا متى قاموا إلى السلاح ليحلوا "مشكلة لفظية": من الحق إلى جانبه؟ وأيهم يمتلك المشروعية إلى صفه؟ فانتهى بهم الأمر إلى مغلوبين وغالبين، مهزومين ومنتصرين. لقد حلوا مشكلتهم تلك بكثير من التعصب وبقليل من التسامح؛ فانساقوا إلى حرب من أشرس الحروب وأقساها إنسانيا وبشريا وفكريا في تاريخ البشرية، لم يشفوا من جراحها إلى الآن. وما زال منهم من يطالب بـ"الإنصاف"، وغيرهم ينادي بالحفاظ على "الذاكرة"، والآخرون يتنادون بكشف "الحقيقة" قبل أي شئ آخر. ولهذا سيظل موضوعها، على المستوى الشخصي والإنساني، منبعا لكثير من الذكريات والأحاسيس والأفكار والرؤى والمغازي والعبر، ما طال الزمن بذكرها، وردد التاريخ صداها؛ سواء لأهلها من الإسبان، أو لغيرهم ممن شهدوا معهم بعض فصولها، أو طعموا طائفة من ثمارها، أو تهيأت لهم أسباب الاطلاع على الأبحاث الـّتي تمت على هديها، أو الأدب الـّذي كتب بوحيها. وهو، بالمناسبة، كثير يضاهي ما ُكتب حول غيره من الأحداث العظام الـّتي شهدتها إسبانيا، فطبعت ماضيها القريب، وأثرت في حاضرها الراهن، وأرخت بظلالها على مستقبلها المنظور.

من هذا الأدب الكثير، الـّذي تمخض عن الحرب "الغير الأهلية" الإسبانية، رواية "المنطقة الحمراء"
Zona roja لـ"فيرناندو فيزكايينو كاساس" Fe
ando Vezcaíno Casas . والنسخة الـّتي بين يدي الآن هي النسخة الصادرة في طبعتها الثانية ببرسلونة عن دار "بلانيتا" Planeta عام 1986 ضمن سلسلتها "فابولا" Colección Fábula.

تدخل "المنطقة الحمراء" صميم الحرب عند أحد طرفيها، والمتعلق بالجانب الجمهوري، أو ما دأب على تسميته مجازا بـ"المنطقة الحمراء"، أو باطلا بـ "الشيوعية" كما هو الشأن لدى أدبيات الجانب الآخر؛ الجانب الـّذي سمى نفسه ادعاء بـ"إسبانيا الوطنية"، فصار يزعم أنه الوحيد المدافع عن "الوحدة الوطنية"، و المنافح عن "الدين المسيحي"، و المحافظ على "القدر الإسباني الموحد"؛ استثمارا للحمية الدينية، واستعداء للوجدان الكاثوليكي على الجمهوريين. "المنطقة الحمراء" رواية تصور حياة بعض المراهقين الذين أصبحوا رجالا في مدينة إسبانية هي بلنسية، وفي "حرب أهلية"-يا للتناقض- هي "الحرب الأهلية الإسبانية" لأعوام 1936-1939، وذاقوا فيها مرارة الحرب، وخبروا فيها ألوان الوجود الإنساني، من حب وكراهية وخيبة أمل وخذلان وجوع ومكر. الشخصية الأساسية في الرواية هو "الراوي" نفسه، الفتى "إدواردو"
Eduardo -والرواية بكيفية من الكيفيات سيرة محدودة لحياته وحياة من يعرفهم من قرابته أو من معارفه من مبتدأ الحرب إلى مغادرة أسرته إسبانيا إلى فرنسا بحرا عن طريق أليكانتي.

أكيد أن الرواية تمتلئ بمعان متعددة، ومن الممكن قراءتها قراءات مختلفة، حسب زوايا النظر وطبيعة المقاصد الـّتي يتخيرها القارئ. وحيث أن اهتمامي في هذه الرواية، وعموم النصوص المتعلقة بالحرب الأهلية الإسبانية، ينصب على استخلاص السمات العامة للفكر الإسباني في منعطف حاسم كالذي دخلت فيه إسبانيا عام 36 وما بعده، فإني سأركز على جملة أمور أهمها على الأقل أمران، الأمر الأول هو فكرة "التسامح"، والأمر الثاني هو فكرة "الانسجام" أو "التواؤم". لم هذا الاختيار؟ الجواب هو أن فكرة "التسامح" و "الانسجام" من الأفكار الفلسفية الخطيرة الـّتي وجدت لها في الأرض السياسية الإسبانية ألوانا من التطبيق، إما بالسلب في حالة التنابذ، أو بالإيجاب في حالة التسامح. وعليهما ستبنى كثير من النظريات التفسيرية لـ"مشكلة إسبانيا" في صيغتها الجديدة لدى عديد من المفكرين والفلاسفة أمثال " خوسي لويس أرانجورين"
J. Luis Aranguren (1909-1996)، و "خوليان مارياس" Julian Marías (1914- ). إنهما الفضيلتان اللتان غابتا عن المشهد الإسباني فحضرت فيه "رذيلتان" هما التعصب والتنابذ، فغلبت الثانية الأولى، واستقر لها الحال حتـّى منتصف السبعينات. ومع تأكيدي على هذا الجانب، إلا أني أحب أن أذكر، إذا كان لا بد من ذكر شئ عن الجانب الفني في القول الروائي من باحث يعنى بالبنى الفكرية أكثر من عنايته بالبنى الفنية، أن هذه الرواية أفلحت في شد مركز حواسي، وسيطرت على كامل وجداني بتواتر أحداثها "المنسابة" في تناثرها إلى نهاياتها المعلومة؛ والتي ليست، في الحقيقة، إلا بداية لوعد جديد بحياة جديدة، قوامها "التسامح" و"التواؤم" فأين موضعهما إذن؟

تكشف الرواية عن كثير من الحالات الـّتي يرين فيها الانسجام على التنافر، ويتغلب فيها التسامح على التعصب. يقع ذلك في أكثر من مشهد رغم أن الحرب أصلا كانت بين متنافرين في الظاهر، منسجمين في الباطن، ولكن كلاهما اختارا جانب "التعصب"، وسعيا إلى حسم "تنافرهما" بوساطة العنف. وعلى سبيل المثال، حالة ذلك النقابي القديم والجمهوري الصلب السيد "لورينتي"
Lorente المنتسب إلى "الحزب الجمهوري المستقل"؛ فقد قدم هذا الرجل المساعدة لأب الراوي الفرانكاوي الهوى، والفاشي النزعة، مرتين، المرة الأولى من أجل الحصول على جواز السفر له ولأسرته- ومنهم الراوي- قصد مغادرة إسبانيا إلى فرنسا، والمرة الثانية حين سعى لأجل فك القيود، التي وضعها "أوريتيا" Urrutia لصالح النقابة الثورية، عن متجره. كان هذا الجمهوري يعطي الدليل على أن البسطاء لا ينبغي أن يِِِؤِخذوا بجريرة غيرهم من "المعقدين" من الساسة والمتسيسين، وأن "المثال" الـّذي يسعون إليه في دنيا الواقع، ربما حققه هؤلاء البسطاء بكدهم وشقائهم في صمت وتفان في العمل، ومن ثم فلا يليقن بمن يدعو إلى قيم العدالة والمساواة، ومنها أحزاب "الجبهة الشعبية" يومئذ، أن يشتط في تطبيق قراراته عليهم، لأنهم لم يسلبوا مال أحد، ولم يظلموا أحدا، بل الراجح أنهم هم الذين ظـُلموا سلب مالهم بالباطل.

المثال الآخر نجده لدى ذلك الطبيب الشيوعي الـّذي كان يزور أسرة الراوي ويقدم لها خدماته الطبية؛ فقد "زكى" "دون دومينغو"
Don Domingo أب الراوي حين وقع له شهادة حسن السيرة و السلوك، وكتم عن السلطات الجمهورية حقيقة انحيازه إلى القوات المتمردة عليها، وولائه لها، ونصحه بإخفاء كل مظاهر التدين من بيته، وصرف عنه زيارة غير متوقعة لبعض الكتائب المتعطشين لسفك الدماء. وفي ظني، كان هذا الطبيب بصنيعه، كمن يدرك أن السيد "قلعة أيوب" ليس يميل إلا لما يعتقده صدقا وحقا من دين مسيحي، وعقيدة كاثوليكية، واحتفال طقوسي بالأقانيم والمقدسات، وأن انحيازه إلى الخنرال "مولا" Mola (1887- 1937) أو الخنرال "فرانكو" Franco (1892-1975)، ليس إلا انحيازا إلى أمل بانعتاق إسبانيا من نير أناس لا يقيمون للدين اعتبارا؛ فقد رآهم يقتلون رجال الدين، وشهدهم يحرقون فوق رؤوسهم الكنائس، وعاينهم وهم يدمرون تحت أرجلهم الأديرة والخلوات، ومن ثم فالقوات الوطنية هي قوات مؤمنة ومسيحية جاءت تخلص إسبانيا من تسلط "الروس الملاحدة"، وأذنابهم من "الألوية الحمراء" كما كانت تحرص الدعاية الحربية على تفصيله يومها(**). وإذا كان هناك من مسؤول عن حيف "التدين" فهو رجال الدين الذين يكتنزون الذهب والفضة، ويعدون الناس بالخلاص في الحياة الآخرة، ويهونون عليهم سوء العيش في الحياة الدنيا. فلماذا إذن لا يزكي الرجل في سيرته وهي سيرة أسلافه وأجداده، ولا يوقع له وثيقة يبلغ بها مأمنه فيتخذها وسيلة للعيش في مكان آخر لا يؤذي فيه أحدا ولا يؤذيه أحد؟

المثال الثالث مع ذلك القريب المسمى "بيبي بويغ"
Pepe Puig ذلك المثقف الجمهوري الـّذي بذل نفس المساعدة للسيد "خوليو" Julio Calatayud فوقع له وثيقة حسن السيرة والسلوك. كان الرجل، على اختلافه البين مع السيد "خوليو" فيما يتصل بآرائه وولاءاته، كثير الاحترام لأفكار قريبه، غير مبال بفاشية ولده "نيستور" Néstor متسامحا مع مواعيد استماع قريبه خفية إلى "راديو إسبانيا الوطنية" في نشراته الإخبارية، أو في خطبه الرنانة بصوت الجنرال "كييبو دي يانو" Quipo de LLano (1875-1951). وعندي أن الرجل كان يفقه جوهر الصراع الدائر يومها، ويدرك خلفياته ومقاصده ؛ فلم يكن يعتبر أن السيد "خوليو" من أطرافه ولا من صناعه، بل بالأحرى من ضحاياه. وأغلب الظن أن هذا هو ما حدا به لكي يساعده، فيوقع له تلك الشهادة؛ مؤكدا في قرارة نفسه، أن الرجل طيب السيرة، فلم يعهد منه شر، وأنه حسنها، إذ لم يعرف عنه أنه سعى في إذاية أحد، فلم لا يبذل له من المساعدة، كما بذلها له النقابي الجمهوري، أو الطبيب الشيوعي وجميعهم يعرفون كل الخير عن الرجل على الرغم من اختلافهم معه، وعدم استلطافهم إياه؟

وكما أبرزت الرواية ما عليه الأمور من تسامح وتعاطف، على الرغم من الاختلاف النفسي والشخصي والسياسي والثقافي بين النقابي والطبيب والتاجر، هكذا أبرزت حالات من الانسجام بين أطراف هم في الأصل مختلفون، متنافرون. لقد مضت إلى تصوير ما هي عليه الأوضاع من نزوع إلى التآلف والتواؤم رغم آفات الحرب، وشناعات السياسيين وخصوماتهم، وتصميم العسكر على تسلم مقاليد السلطة على جثث إخوانهم، ودسائس الكنيسة وتحالفاتها السرية والعلنية في الداخل والخارج. انظر إلى انسجام الجمهوري مع الشيوعي، والفلانخي مع الجمهوري، ورجل الدين مع العلماني، والإسباني مع الأجنبي الفرنسي والإيكواتورياني، والمنحل أخلاقيا بالملتزم دينيا...كل ذلك تراه حاضرا في جميع مناطق الرواية، إما عن صدق، أو بتظاهر خشية افتضاح الأمر كما كان الشأن مع أساتذة الأكاديمية التجارية
Academia Comercial الـّتي كان أحدهم عنصرا من "الطابور الخامس"، ينقل الأنباء العسكرية لخصوم الجمهورية من المتمردين، و إحداهم راهبة كانت رئيسة دير حاق به الخراب مع بدء الحرب، والآخر كان رساما كاريكاتوريا سابقا في العاصمة مدريد لم يسلم من سخريته رموز الجمهورية وأقطابها قبيل الثامن عشر من يوليوز 1936. لم يكن يعكر انسجام هؤلاء إلا صوت القصف الجوي الـّذي كانت تتعرض له يومها بلنسية من لدن الطائرات الحربية لـ"إسبانيا الأخرى"، أو صوت رصاصة استقرت في رأس أحد الذين تم الاحتفاء بهم فمضوا بهم إلى "النزهة"(***). أما ما عدا ذلك، فكل الناس إخوة، خلا شيعة هذا الحزب أو ذاك، أو باستثناء عصبة هذه النقابة أو تلك. كان الكل يعيش في انسجام تام، أو هذا على الأقل ما كانوا يتوقون إليه، رغم قساوة الحرب وتناقضاتها المأساوية، وصورها البشعة من موت كموت الجدة "كرمن" Carmenودفنها دون طقوس دينية تليق بكرامتها الاعتقادية، وخذلان كخذلان المساعد "أوروتيا" لمستخدمه السيد "خوليو" حين وجدها فرصة سانحة لتفجير جام حقده الدفين عليه، ووشاية كوشاية بواب العمارة "ليثاردو" Lisardo بمن يشم منهم رائحة "الخيانة" دون انتباه إلى جوهر وظيفته كحارس مؤتمن على أسرار البيت. و في تقديري، إنه رغم الافتعال الـّذي يمكن أن يكون قد تقصده المؤلف في "المنطقة الحمراء"، حين رسم حالة من الانسجام والتآلف والتوادد بين "سكانها"؛ مما يمكن أن يكون عيبا فنيا عند الناقد الأدبي، أو كذبا تاريخيا عند المؤرخ، إلا أنه من الوجهة الفكرية، وحتى السياسية، يظل هذا الافتعال صوت الحق الـّذي ينبغي أن يعلو على أصوات التنابذ والتنافر والتقاتل، الـّتي تعصف بأمة من الأمم، فترديها قتيلة كان لم تغن بالأمس.

وفي نظري إن أمر "التسامح" و "الانسجام" كما صح لي استخلاصهما من رواية "المنطقة الحمراء"، يمثلان "إسبانيا جديدة"، ويرمزان إلى إسبانيا موعودة، ويطمحان إلى إسبانيا غير مألوفة، ينبغي أن يعيشها أهلها؛ تلك الإسبانيا الـّتي طالما بشر بها جيل 98 ، كـ"غانيفيت"
Ganivet (1865-1898) في "الإيدياريوم الإسباني" El idiarium español و"مستقبل إسبانيا" El porvenir de España وجيل 14 ، كـ"أورتيغا إي غاسيت" Ortega y Gasset (1883-1955) في "تأملات الكيخوطي"Meditaciones del Quijote و"إسبانيا اللافقرية" España invertebrada ، و"لاين إنترالكو" Lain Entralgo (1908-1999) في "إسبانيا كمشكلة" España como problema ... وغيرهم كثير.

ولعل إحدى الغايات الـّتي كانت تطمح إلى تحقيقها الرواية المذكورة، هي التبشير بهذه الإسبانيا الجديدة، عبر التأكيد على وجود قيمتين أساسيتين في استقرار أي مجتمع وسعادته، الانسجام بين عناصره من جهة، والتسامح بين مكوناته من جهة ثانية. وفي هذا نجحت رواية "المنطقة الحمراء"، لأنها اقتدرت على تبيان أن إسبانيا بجميع أطيافها، ليست إلا وجودا واحدا؛ سواء في "المنطقة الحمراء" أو في "المنطقة الوطنية". وأقدر أن "فيرناندو فيزكايينو" كان يرمي إلى القول إن "المنطقة الحمراء" هي المنطقة الـّتي ينبغي للإسبان عدم الاقتراب منها؛ لأنها منطقة التعصب، ومنطقة التنابذ، ومن ثم فمن الواجب الحذر والتيقظ حتـّى لا تتكرر أخطاء التعصب، وآفات التنابذ كتلك الـّتي ساقت إسبانيا إلى مصير كمصير الثامن عشر من المرارة عام 1936، فعاشت بسببها حربا غير أهلية أو "غير متحضرة"
incivil -كما نعتها "كارلوس روخاس" Carlos Rojas مرة- وذاقت عقبها ألوانا من الديكتاتورية والفاشية ما شهدتها في تاريخها من قبل.

 

حقنا وحبنا لإسبانيا [يونيو 1990]

[كتبت هذه المقالة في يونيو 1990، وأرسلتها للنشر إلى إحدى الصحف المغربية السيارة، ولكنها لم تنشرها، لأسباب أخمّنها، ولا أحب الخوض فيها. وكأنها شاهدة على ما يقع اليوم، مثلما شهودها على ما وقع بالأمس، أنشر هذه المقالة كما هي؛ منذ حررتها من عشر سنين توثيقا لوعينا الوطني، وتأكيدا على أن "أليسيا" ليست في "بلاد" العجائب فقط، بل في "بلاد" الغرائب أيضا. ومن عاش روى. نوفمبر 2010].     

 نحن وإسبانيا

هناك روابط وثقى تشد بعضنا إلى إسبانيا والثقافة الإسبانية، تتصل بجذور في الماضي وفي الحاضر. إن إسبانيا، قبل كل شئ جارتنا في التاريخ لأنها كانت دائما شاهدة على الأحداث المصيرية التي ألمت بوطننا، وشاركت بقسط قليل أو جليل فيها، إن سلبا أو إيجابا. وهي جارتنا في الجغرافيا، لأنها بوابتنا على أوروبا، ونحن بوابتها على إفريقيا. ولأنها كذلك، ترانا ننزلها من أنفسنا منزلة رفيعة؛ نحاول أن نعرف عن تاريخها وحاضرها أكثر من أبنائها، ونسعى للإلمام بثقافتها أكثر من بني قومها، نفرح لأفراحها، ونحزن لأحزانها...ولا غرابة، فديننا الحنيف يوصينا بالجار خيرا، ونحن من الذين إذا سمعوا قولا اتبعوا أحسنه.

إسبانيا ومشاعرنا الوطنية

غير أنا نرى أن هذه الجيرة تبرحها، أحيانا، بعض القيم التي دعت إليها المسيحية الكاثوليكية، وصدقها إسلامنا الحنيف. ومن بين هذه القيم، احترام الجار ومحبته. ونحن نزعم أنّا نحب إسبانيا كما نحب وطننا المغرب، لكنّا لا نزعم إن إسبانيا تحبنا؛ ولو أنه ينبغي لها ذلك لأنا جيرانها، ومصلحتنا من مصلحتها، ومضرتنا من مضرتها...وآية ذلك أنها لا تراعي مشاعرنا الوطنية، ولا تقيم لها وزنا.

وسائل الإعلام الإسبانية وحقوقنا الوطنية

فقد دأبت بعض وسائل الإعلام الإسبانية المرئية والمسموعة والمكتوبة على النيل من حقوقنا الوطنية المشروعة، والتشكيك فيها مرة حينما شرعنا في بناء الجدار الأمني لحماية أقاليمنا الصحراوية، ومرة حينما شرّعنا قوانين تحمي ثرواتنا البحرية من جشع ونهم صيّاديها. مثال ذلك، خبر صغير- وعلى صغره فهو مستفز- أوردته صحيفة البايس El País  في عددها الصادر يوم الإثنين رابع يونيو من العام الجاري [1990] على لسان وكالات الأنباء من جنيف. يقول الخبر: "يبدأ اليوم في جنيف، 38 من زعماء القبائل الصحراوية اجتماعا لثلاثة أيام للتباحث حول مشروع السلام الذي وضعته الأمم المتحدة للمستعمرة الإسبانية السابقة. وهذه هي المرة الأولى؛ منذ بداية الصراع من خمسة عشرة سنة، التي يجتمع فيها زعماء ينحدرون من معسكرات اللاجئين لجبهة البوليساريو، ومن المناطق المحتلة من المغرب".

البايس والأمانة الصحافية

إن الأمانة الصحافية تقتضي أن يتم نقل الخبر إلى القراء دون تحريف أو تزوير. وإذا كانت "البايس" قد نقلت الخبر أعلاه؛ فإنها تكون قد حرّفت التاريخ، وزوّرت الواقع، وكذبت على القراء، ولم تلتزم بالأمانة الصحافية التي تقتضيها طبيعة عملها الإعلامي. وهي بذلك لم تظلم القراء فحسب، بل ظلمت حتى نفسها؛ لأن صحوة الضمير-إذا ما حصلت- سيكون فيها القصاص، ومن ثم يحق الحق، ويزهق الباطل.

ما يدعونا إليه الانتماء الوطني والالتزام الأخلاقي

إن موقع الانتماء الوطني، والالتزام الأخلاقي، يدعونا إلى القول إن المناطق التي يدّعي الخبر أن المغرب يحتلها، هي جزء من أقاليمنا الوطنية، ترافعنا حولها في المحافل الدولية، وحرّرناها من نير الاستعمار الإسباني بوساطة مسيرتنا الشعبية المظفرة، واعترف لنا الشرفاء الأحرار بسيادتنا التاريخية عليها.

ولو سلّمنا جدلا أنا "نحتلها"، فإنما نفعل لكيلا تحتلها بالفعل جبهة البوليساريو، وتقيم فيها دويلة هجينة مدعومة من الدوائر الاستعمارية؛ فتنغرس شوكة دامية في خاصرتنا تعوق انطلاقتنا التنموية المأمولة. وكما لا يخفى على أذكياء الوقت، إن ذلك ليس في مصلحتنا، ولا حتى في مصلحة جيراننا، وإسبانيا منهم وهي التي تواجه بعض "جزرها" في المحيط الأطلسي أقاليمنا الصحراوية المستعمرة، سابقا، من طرفها.

أسطورة المجال الحيوي

على آن الأمر المثير في هذا الخبر المشبوه، هو تذكيرنا بـ"أسطورة المجال الحيوي" التي آمنت بها الدول الاستعمارية سابقا كألمانيا النازية مثلا...ومن يقرأ الخبر المذكور لا ريب يحسب، أن وطننا يطمع في نيل هذا الحق المزعوم الذي تتضمنه الأسطورة. والواقع أنه لو كان هناك مجالا حيويا، فحقنا فيه قائم نظرا لأن ذلك المجال أرضنا وأرض أجدادنا، والفرق بيننا وبين ذوي النزعات التوسعية يتمثل في طلبهم باطلا، فيما نحن نطلب حقا نحن أصحابه، لا حركات التحرر الوطني!!

إسبانيا والوضع الطبيعي

إنا نفهم أن يكون الإعلام المغرض قد فعل فعله في أية دولة شرقية أو غربية بعيدة عنا؛ فلا تكاد تعترف لنا بحقنا في السيادة على الشطر الجنوبي من وطننا الغالي، ولكنا لسنا نفهم كيف يستطيع أن يفعل الفعل نفسه في إسبانيا القريبة منا، وهي التي استعمرت تلك المناطق من قبل، وما تزال تستعمر أخرى في شمال وطننا. الوضع الطبيعي أن تكون إسبانيا أقل البلدان ظلما لنا في حقنا، وأسرع الدول اعترافا لنا بسيادتنا، لأنها ادرى البلاد بما عليه التاريخ والجغرافا في تلك المناطق وأكثرها مسؤولية على ما هما عليه. إنها جارتنا، وحق الجار على الجار أن يحبه، ويحب مصلحته، ويسعى لمساعدته على حماية حقه. ولكن إسبانيا لا تحينا، ولا تساعدنا على حماية حقنا، لأنها لا تحب حقنا، ولا يرضيها أن نكون أصحاب حق.

حقنا وحبنا لإسبانيا

وإذا كنا لا نطمع في أن تحبنا إسبانيا، ولا في أن تحب حقنا، ولا في أن تساعدنا على حمايته، فعلى الأقل إنا نطمع في أن تدعنا نحمي حقنا بأيدينا، فنحن نستطيع، ولا تزعجنا بأراجيفها. وخبر، كهذا الخبر المغرض، كنظرائه من الأخبار المغرضة، فيه من الإزعاج لنا ما فيه لأنه يتصل بمشاعرنا الوطنية التي خبرت سخونتها جيدا إدارة الشؤون الأهلية بتطوان العامرة.

إنا نحب حقنا وإسبانيا، ولكن حبنا لحقنا أعظم. وإذا اتصل أمر من أمورنا بمشاعرنا الوطنية، ولم تحترمه إسبانيا، وتعارض حقنا مع حبنا لها، فإنا مستعدون للتخلي عن ذلك الحب.

ما نكرهه من إسبانيا

ونرجو أن لا تضطرنا إسبانيا لفعل ذلك؛ فحسبنا أنا نكره منها أنها قتلت أجدادنا في فورة طمع عانت منها خلال مرحلة استعمارها لمناطقنا الشمالية، وحشرت بآبائنا في أتون حرب غير عادلة ضد الجمهورية الفتية طيلة ثلاث سنوات؛ منهم من قضى، ومنهم من ينتظر معطوبا. وفوق ذلك، حسبنا أنا نكره منها أنها ما زالت لم تستجب لنداء التحضر فتنسحب، بالزغاريد والورود، من مدينتينا المحتلتين سبتة ومليلية...

إسبانيا الجديدة

وفي انتظار أن يصحو الضمير الإعلامي الإسباني من "ضلاله البعيد"، ندعو الله أن يعجّل بميلاد تلك "الإسبانيا الجديدة" التي بشّر بها الشاعر الغنائي أنطونيو ماشادو في "براري قشتالة"!
محمد بلال أشمل
تطاون العامرة

 

قضية مصرع الشاعر الإسباني "لوركا"

بين باطل السياسة، وحق التاريخ

محمد بلال أشمل

 

 

نشرت هذه المقالة في صحيفة "القدس العربي" اللندنية بتاريخ 13-09-2010 تحت عنوان " قضية مصرع الشاعر الإسباني "لوركا": عشر نقاط في سبيل تبيان "الحقيقة". ونعيد نشرها هاهنا بعنوانها الأصلي التماسا لفائدة ممكنة قد تظهر لقارئ حصيف.

ربما هي المرة الحادية عشرة بعد المائة التي أقرأ فيها أشياء عن الشاعر الإسباني "فدريكو غرسية لوركا"، ولا أستسيغها. يحدث ذلك إما بأخطاء يقترفها هذا الكاتب أو ذاك، حول حياة "شاعر في نيويورك"،  أو بإعادة تكرار "كليشيهات" ما عادت تقنع الباحث الحصيف في أدب "لوركا"، وسياقاته الاجتماعية والسياسية؛ ومنها صلة "استشهاده" الغامضة بتاريخ الحرب الأهلية الإسبانية برمتها، أو بتقديم شطحات لا يستدعيها المقام حول شعره ونثره وحياته، أو ادعاء الفضل في تأسيس جمعية لصداقته في غيبة عن الوثائق والتاريخ، أو بالإقدام على مغامرة ترجمة نصوصه الشعرية ترجمة تحريفية...الخ.

لقد وجدت الناس مثلا يكتبون عن قضية اغتيال مؤلف "أعراس الدم" بكثير من اليسر، وبمقدار عظيم من اليقين؛ مع أنها قضية ما تزال محفوفة بكثير من الأسرار، ومحاطة بكثير من الطلاسم لدى أهلها الأقربين، فما بالك بالأبعدين. ومع ذلك وجدت بعض الناس يجرؤون على "الفتوى" فيها بما تهيأ لهم من قليل العلم، وإصدار "أحكام جاهزة" حولها بما توفر لهم من ضعيف النظر.

لقد صارت قضية اغتيال "لوركا" عام 1936، بالكيفية التي يعتقد فيها بعض الكتاب عندنا، من قبيل المقدمات المشهورة التي يقبلها كل الناس، ولكنها لا تستند على أي يقين، ولا تنبني على أي دليل سوى تخمينات مستقاة من هنا وهناك؛ كقول قائلهم إن "لوركا" قضى بأيدي "الفاشية الديكتاتورية"، وأن "الديكتاتور فرانكو أمر بقتله"، وأن "الجنرال إيميليو مولا" هو من أعطى الإشارة في "تعليماته المشهورة" بتصفيته مع نظرائه من "الجمهوريين"، و"الماسونيين"، و"الاشتراكيين"، و"الشيوعيين" من ملة "الروخوس"...بل إن أحدهم اجتهد وارتقى بـ"رويث ألونسو" من محض "واش" إلى "منفذ" لعملية الاغتيال. أما عائلة "روساليص" فهي دائما في "عين المدفع"، ويمكن أن تجد من الناس من يتطوع، فيتهم شاعرها "لويس" بضلوعه في عملية الاغتيال، أو يلومه على تخاذله في نجدة صديقه حتى يأخذ منه "إمارة الشعر" في إسبانيا.

قد نقبل ببعض الآراء التي "تجتهد" في السينما أو في الأدب حول اغتيال الشاعر الغرناطي؛ فتقدم لنا وجهات نظر "غير مقبولة"، وعلى حالها ذاك، تظل آراء طريفة، فائدتها أنها تشحذ الذهن، وتغني الخيال، كمثل نجاته من واقعة الاغتيال، واختفائه، وفقدانه الذاكرة، أو تعرضه للجنون...ولكن بعض "الفتاوى" التي يتقدم بها بعض الكتاب عن هذه القضية على سبيل "العلم" و"المعرفة"، تجعلنا مشدوهين أمام مبلغ هذا الادعاء، ومنتهى هذه الجرأة في إصدار أحكام هي في حكم الغيب السياسي، وصمت اٍلأرشيف العسكري.

ولعل اللازمة التي أطلقها أهل "إسبانيا الوطنية" في حينها، وكررها من بعدهم طائفة من الكتاب العرب والأجانب، أن "لوركا لم يكن مسيسا". يقولون ذلك ويعيدونه حتى يجعلوا دمه في رقبة شرذمة من "المثليين" كانت لديه معهم صراعات حول "متع دنيوية"؛ لكي يبرروا، من ثم، مسؤولية اغتياله من لدن "عناصر غير مضبوطة"، استغلت فوضى الأيام الأولى من التمرد العسكري على الشرعية الجمهورية، فانتقمت ممن كان ينازعها صداقات حميمية كانت في وقت من الأوقات محرمة، مثل صداقته مع "دالي"، أو مع "فيرناندو دي لوس ريوس"، حتى لا أقول مع "خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا"، كما كان يعيب عليه أحدهم، انتقاصا من قدره، ومن قدر مؤسس "الفلانخي".

لقد قضى باحث إنجليزي مرموق يعنى بالشؤون الإسبانية اسمه "إيـان جيبسون" (1939- ) حياته في دحض هذه الأطروحة. والرجل ليس بالنكرة في مجال اشتغاله، حتى لا نحمل شهادته على محمل الصدق، بل هو "سلطة" فيما يتصل بكل هذا الزخم المتصل بمصرع لوركا، ومختلف المعاني التي تلبسها اغتياله الدرامي. ففي كتابه "جريمة قتل غرسية لوركا" الصادر عام 1979 –بين يدي الطبعة الصادرة عام 1985- يخصص المؤلف فصله الأول لأطروحة "عدم تسيس لوركا" (ص13-41)، فيبرهن على تهافتها، ويدلل على ضعف سندها، منتهيا إلى أن الموقف السياسي لهذا الشاعر كان قريبا من الاشتراكية الليبرالية، وإن لم يكن صريح الانتماء إلى أي حزب سياسي محدد، وأن وضعه كابن لعائلة مرفهة تعي الامتيازات العظيمة التي هيأتها لها وضعيتها المريحة ماديا، يجعله متضامنا مع ضحايا الظلم الاجتماعي منذ أعماله الأدبية الأولى، ومن ثم يجعله رجلا لليسار، ومتعاطفا مع الجبهة الشعبية، وعدوا لدودا للفاشية (ص 40-41).

 كما يحشد المؤلف ثمانية عشرة وثيقة في ملحقات الكتاب، تنهض جميعها دليلا على تهافت ذلك الادعاء وانهياره. ولكي أوضح المسألة قليلا، أحب أن أقف عند عشر منها، أقدر أنها كافية لبيان المقصود من تهافت زعم "عدم تسيس لوركا" كما يعتقد فيه الكثير من الناس عندنا في سياق هذا التنادي المطرد بـ"الذاكرة التاريخية"، الذي يحركه باطل السياسة، أكثر مما يحركه حق التاريخ.

الوثيقة الأولى عبارة عن "رسالة" موجهة إلى الفيلسوف الإسباني "خوسي أورتيغا إي غاسيت" موقعة في أبريل عام 1929 من لدن ثلة من الكتاب، وفيهم الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ يصرحون في ديباجتها بنيتهم في "تأسيس جماعة ذات طبيعة سياسية، وإيديولوجيا رحبة داخل أفق للحرية، وبطريقة متفردة ذات نغمة ودلالة ثقافيتين" من أجل الخروج من حالة "اللاتسيس"، و"الانعزال"، و"اللامبالاة" تجاه "القضايا الجوهرية" للشعب الإسباني، والحاجة إلى تحديد "موقفهم السياسي" منها اعتقادا منهم أن "السياسة مقصد جوهري للفكر، ومنزلة مهمة في مجال الثقافة" (ص327). ولذلك يستشيرون صاحب "تمرد الجماهير"، ويستنصحوه، ويستنصروه، باعتباره وجها متميزا من الوجوه "الجديدة" في إسبانيا، وصاحب فضائل عظيمة يسلكونها في عداد الندرة والفرادة (ص328).

الوثيقة الثانية "بيان جمعية أصدقاء الاتحاد السوفياتي" الذي وقعه عام 1932 طائفة من المثقفين، والكتاب، والمهندسين، والأطباء، والمحامين ذوي الهوى "السوفياتي"، وفيهم بطبيعة الحال، "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ الذي سرق فتيان "اللجان الوطنية النقابية الهجومية" بطاقة عضويته في الجمعية المذكورة يوم 14 يوليوز 1933 (ص18). ولم يكن لدى الموقعين على البيان "أي برنامج أو شعار سوى الصدع بالحق، أو الإعانة على الصدع بالحق، فيما يتصل بالاتحاد السوفياتي؛ وذلك عبر اصطناع سلاح الحقيقة، لدحر الكذب، والافتراء، والتشويه" (ص 332).

الوثيقة الثالثة "بيان حول ألمانيا هتلر لصالح رفاقنا"؛ الذي سجل فيه ثلة من الكتاب عام 1933، وفي مقدمتهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، احتجاجهم على "البربرية الفاشية التي تسجن الكتاب الألمان" (ص334).

الوثيقة الرابعة عبارة عن نص يتضمن نقدا كتائبيا عام 1934 لجمعية المسرح الجامعي الكلاسيكي المتنقل "المسماة بـ"البراكة"؛ يتعرض فيها صاحبها، فيما يتعرض، إلى طلبتها وعمالها -وفيهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا" الذي لا يذكره باسمه- الذين "يتحركون في المياه العكرة والموحلة لماركسية يهودية" (ص337).

الوثيقة الخامسة، مقالة في صحيفة "أ،ب،ث" الإسبانية (الطبعة الإشبيلية ليوم 6 يونيو 1937) بعنوان "حالة تيسبيس" (ص 337-338) التي يتعرض فيها صاحبها بأبخس النعوت، في عز الحرب الأهلية الإسبانية، لـ"براكة" اليهودي "فرناندو دي لوس ريوس" صديق "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا".

الوثيقة الخامسة "بيان إلى الرأي العام حول محاكمة مانويل أثانيا" وقعه العديد من المثقفين والمفكرين والكتاب، وفيهم "الكاتب" الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"؛ للتعبير عن قلقهم وشعورهم بالمرارة تجاه المحاكمة التي طالت أبرز رجال السياسة في إسبانيا الثلاثينات، من منطلق أن لديهم مع الرجل "صلات إيديولوجية، وإن لم يكونوا من شيعته السياسية، ولا مرتبطين به بأية مصلحة كيفما كان نوعها" (ص339).

الوثيقة السادسة بيان لدعم "شعب إثيوبيا" نشر في "يومية مدريد" يوم 9 نوفمبر 1935 بعنوان "المثقفون والسلام"، احتجاجا على ما لحق هذا الشعب من عنت وظلم؛ ووقعه تسعة من المثقفين، من بينهم الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، دعوا فيه مواطنيهم إلى دعم أثيوبيا وسائر الشعوب، حينما يتم "تجاهل حقوقها في الحياة والحرية" (ص 342).

الوثيقة السابعة تنظيم "حفل تكريم شعبي لمارية تيريسا ليون ورفائيل ألبرتي" بمناسبة عودتهما من رحلة طويلة إلى أوروبا وأمريكا، من لدن مجموعة من الأصدقاء والمعجبين بالمحتفى بهما، وفيهم صديقهما "فدريكو غرسية لوركا"؛ الذي ارتجل كلمة ترحيب حارة يومئذ و"قرأ بيانا قويا للانتلجنسيا الإسبانية سيرسل بعد ذلك إلى المسؤولين بعد الفراغ من توقيعه" (ص344). ومن المعلوم أن هذا الحفل تم عقب المهرجان الخطابي للجبهة الشعبية في "مقهى ناسيونال" بمدريد، حيث أراد له منظموه أن تشع فيه "المودة" وحدها (ص343).

الوثيقة الثامنة "بيان الاتحاد العالمي من أجل السلام"؛ الذي أثمرته تحركات "المجلس الإسباني الدائم للاتحاد الدولي من أجل السلام"، والمكون من مجموعة من المثقفين والسياسيين أمثال "أنخيل أوسوريو"، و"مانويل  أثانيا"، و"تيوفيلو إيرناندو"، و"أنطونيو ماشادو"، و"خوليو ألفاريز ديل الفايو"، ووقعه نخبة من ممثلي الحياة العقلية والسياسية والفنية الإسبانية، ومن بينهم "الكاتب الغرناطي "فدريكو غرسية لوركا"، دعما لما يبذله الاتحاد من جهد من أجل تفادي حدوث حرب عالمية ثانية (ص345).

الوثيقة التاسعة "المهرجان الخطابي لدعم المعادين للفاشية في البرازيل"؛ الذي نظم في "دار الشعب" خلال مارس 1936، وشارك فيه الشاعر "فدريكو غرسية لوركا"، إلى جانب "الشاعر الثوري" "رفائيل ألبرتي"، وخطباء آخرين، بقصائد صفق لها الجمهور بحماس، واستزاداهما بعضا منها (ص349).

الوثيقة العاشرة "بيان من أجل إطلاق سراح بريستيس وضد القمع في بويرطو ريكو" في مارس 1936، يعلن فيه الموقعون عن احتجاجهم عما يدبر من تصفية زعيم الثورة البرازيلية "لويس كارلوس بريستيس". البيان المذكور وقعه، مباشرة في اللائحة بعد "لويس أراكيستان"، "فدريكو غرسية لوركا"، إلى جانب ممثلي الحياة الأدبية والفكرية والسياسية في اسبانيا. وخلال التوقيع، تم "التغني بنشيد الأممية وغيرها من الشعارات البروليتارية"، كما نشرت ذلك صحيفة "الليبرالي" ليوم 29 مارس 1936 (ص351).

إلى جانب هذه الوثائق التي حشدها "إيان جيبسون" في كتابه، هناك العديد من الأدلة والبراهين المبثوثة في متن الكتاب، وكلها تنهض دليلا على تهافت أطروحة "عدم تسيس لوركا"؛ فهل يستقيم بعد هذا القول بـ"عدم تسيس" الرجل" هو الذي سخر من "الحرس المدني" "الذي يزرع الحرائق" في مدينة الغجر، وصوّر القيم المحافظة في مسرحيته "يرما"، و"بيت برناندا ألبا" و"أعراس الدم"، وانطوت أشعاره، منذ ديوانه "شاعر في نيويورك"، على العناية بالمشاكل السياسية والاجتماعية، وأظهر اعتراضه على "إسبانيا الرسمية" التي توالي المحافظة، وتقدس "إيسابيلا الكاثوليكية"، وتخلص لتراث "محاكم التفتيش"؟ هل بعد الدراسات القيمة التي أنجزتها الباحثة المعتنية بالشأن الإسباني "ماري لافرانك" حول الالتزام الاجتماعي للوركا (ص40) يظل من ريب في أن الرجل لم يكن من الذين يعتقدون في "الفن من أجل الفن" كما لاحظت صحيفة كوبية، وقد احتفت بزيارته  إلى كوبا؟ (ص15).

أكان سيكون معقولا أن يغتال "لوركا"، وهو من هو في الحياة الأدبية لغرناطة، وعموم إسبانيا، دون "تهمة" مع "فوضويين" اثنين، ومعلم صاحب هوى يساري، في وقت كانت فيه شبهة الذهاب إلى "بيت الشعب"، كافية لتثبيت الحكم بالإدانة على صاحبها، ومن ثم الذهاب به إلى  "نزهة" لا يعود منها أبدا؟

 

 

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

achmobi@yahoo.es

 

 

ِعشْ أنتَ… ِإّنا ِمنَ "العائقينَ"!!

[نشرت في صحيفة "الأخبار المغربية"، الرباط العدد 23 من 11 إلى 17 مارس 2004]

         ما يتنادى به البعض حاليا من مفاهيم "التسامح" و "التعايش" بين الثقافات، وسعيهم إلى إنشاء "مؤسسات" لها، ترعى مصالحها، وتسهر على مقاصدها، إنما هو من الحق الذي يراد به الباطل. فأما الحق فهو أن هناك ثقافتين اثنتين لا ثالث لهما؛ تعايشتا تاريخيا على أرض إسبانيا هما الثقافة الإسلامية والثقافة المسيحية، فيما ظلت الثقافة اليهودية تعيش على هامش الثقافة الإسلامية، وفي ظلها. وهذا ليس رأينا، بل هو رأي كبير مستعربي إسبانيا الراحل "إيميليو غرسية غومث" E.. Garcia Goméz  (1905- 1995) في حوار أجرته معه مجلة "أمية" قبيل وفاته بوقت قليل.

         أما الباطل، فهو أن هناك سعيا حثيثا لتجريب نمط آخر من أنماط التغلغل السياسي والثقافي إلى قلب الوعي الحضاري العربي الإسلامي بوساطة شعارات براقة- من مثيل ما أسلفنا- بهدف إسقاط آخر قلاع المقاومة  في وجه التطبيع العام مع العدو الصهيوني والامبريالي.

         وفي رأينا، إن لـ"التسامح" و لـ"التعايش" شروطا لم يتم احترامها، ومقتضيات لم يتم تقديرها. فالتسامح يكون في الحق لا في الباطل؛ فهل يرضى لنا هؤلاء أن نتسامح في الباطل؟ والتسامح يكون وقد ُضمنَ الحق لا وقد ُهضم؛ فهل يحب لنا هؤلاء أن نتسامح مع مغتصبي حقنا؟ والتسامح يكون وقد استقوى المرء لا وقد استضعف حتى لا يكون التسامح تسامح مذلة لا تسامح عزة؛ فهل يرانا هؤلاء أقوياء حتى نتسامح معهم تسامح كرامة لا تسامح مهانة؟

         هو ذا أيضا حال "التعايش" الذي يدعوننا إلى الإيمان به، ومن ثم إلى تطبيقه. فالتعايش يكون مع ثقافة "تتثاقف"، لا مع ثقافة "تتأفف" من ثقافات أخرى إذ تتعالى عليها، و يكون مع ثقافة "تتخارج"، لا مع ثقافة "تدخل" إلى عمق ذاتها إذ "تتنرجس"، و يكون مع ثقافة "تتفاتح"، لا مع ثقافة "تتغالق" على العالم في  "الملاح" فهل هذا هو حال الثقافة التي يراد لنا أن نتعايش معها؟ أليست الثقافة اليهودية ثقافة "مسدودة"  تعيش في "غيتو" مظلم، وثقافة "تتداخل" مع عناصرها البنيوية توراتيا وتلموديا؟ وثقافة منكفئة على ذاتها لأن ذلك من صلب عقيدتها؟ وثقافة مكتفية بوجودها لأن ذلك من مبررات كينونتها؟ ألا تزعم هذه الثقافة أنها "الأصل" وغيرها "الفرع"، لأن الله وقع معها "الميثاق"؟ ألا تدعي هذه الثقافة أنها "المركز" وغيرها "الهامش"، لأن ببدايتها بدأ التاريخ القدساني، وبنهايتها سينتهي التاريخ الإنساني؟ ألا تدعي هذه الثقافة أن ممثليها هم "الناس" وسائرهم  "الأمميون"؟

         إن "التسامح" فعل "تفاعل" من جهة، وينطوي على معنى "العطاء" من جهة أخرى؛ مما يعني أن أكون قد تبادلت العطاء مع غيري على شرط "المسامحة"، لا أن آخذ دون أن أعطي، ولا أن أعطي من يصر على نهبي، بل أن أمنع من منعني، وأن أعطي من أعطاني، وأمسك عمن يدأب على منعي محققا بذلك شرط "العدل" على وجه الواقع، ومرجئا شرط "الرحمة" على وجه الإمكان. إن الأخذ والعطاء في عالم البشر مترافقان وليس يصح أحدهما إلا بتمام الآخر، أما العطاء دون أخذ فهو من عالم الملائكة مما لا يصدق على عالم الأولين.  كما أن "التعايش" فعل "تفاعل" شرطه أن تعيش وأن أعيش، ثم أن نتعايش؛ لا أن تعيش بمفردك على حسابي، وتريد مني أن أموت حتى أتركك تنعم بحياتك وإلا سميتني "إرهابيا"، مع أنك تعيش من موتي، و تحيى على "عيشي الميت"، تعيش على "موتي العائش" محققا بذلك شرط "الظلم" على وجه الواقع، ومقيما شرط "الإرهاب" على وجه الإمكان. هذا دأبك حتى إذا ما عمدت إلى الدفاع عن عيشي وسط "إماتتك" لي، دعوتني إلى أن "نتعايش" فيم أنت هو العائش الأوحد. بل إني كلما تمسكت بحقي في "عيش كريم" في وجه ما تهيؤه لي من "عيش مهين"، رميتني بتهمة "الإرهاب" ، فيم أنت هو الإرهابي "الأمجد"!!.إن مفاهيم "التسامح" التي يبشر بها هؤلاء الناس لا هي من المفاهيم "المتسامحة" حتى "نتسامح" معها، ولا هي من المفاهيم "المتعايشة"  حتى "نتعايش" معهاولنقلها بصراحة: إذا كان سلام الشجعان لم يأت لنا إلا بالمهانة، فبم سيأت لنا تعايش المتخاذلين، وتسامح المنهزمين إن لم يكن بمزيد من الذل والعار؟ أليس هذا هو التطبيع بعين طبيعته، والتركيع بتعين حقيقته؟ كفوا عن استغفالنا فإنا من "العائقين"!!

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة

م.ب. أشمل: الخدمة مع -النصارى ولا الجلوس خسارة
كتب هذا المقال عام 2005 ونشر في كثير من المواقع بالحق وبالباطل. هنا إعادة نشره إحقاقا لحق، وإزهاقا لباطل.

عيد الشغل هو عيد البطالة أيضا. ومن لا يصدق، حسبه مراجعة النسبة المهولة للعاطلين والمعطلين؛ فقد بلغت أرقاما عالية، وتشهد عليها أصوات صاخبة وصلت آذان ممثلي الأمة في الرباط مؤخرا (كتب هذا المقال في ماي 2005) وحيث أنا لسنا من الذين يحسنون لغة الأرقام، دعونا نراجع لغة الأمثال، فننظر هل تسعفنا في معرفة أي واقع يكون عليه الشغل، وما هي المعاني الـّتي ترتبط به، عسى نكشف جانبا من جوانب تفكيرنا فيِ ِشعب خطير من ِشعاب حياتنا.

يحضرني مثل واحد في هذا السياق وهو "الخدمة مع النصارى ولا الجلوس خسارة". لا أملك المعرفة الكاملة بتاريخ نشوء هذا المثل الشعبي التطاوني سوى افتراض نشأته في فترة هي بقايا عصر تمكن المسلمين وعز دولتهم. ويفهم منه أن العمل مع "النصارى" كان مهانة ما بعدها مهانة، ولذلك اعتبر العامل معهم كمن لا كرامة له، لأنهم "نصارى"، "أعداء الله"، لا يؤمنون بما يؤمن به المسلمون، هم من أهل الذمة إذا كانوا داخل "دار الإسلام"، أو كفارا "عليهم لعنة الله" إذا كانوا في "دار الحرب". أو ليسو "بورقعة" إذا ماتوا، "جافوا" ؟ كان هذا في فترة كانت ما تزال فيها عزة المسلم شامخة، لا يرضى لنفسه المهانة على يد "النصراني"؛ فلا يشتغل أجيرا عنده، فبالأحرى أن يواليه كمثل الموالاة المعلومة بين النصارى والمسلمين. كان العمل عند "النصارى" مذلة، ينظر إلى صاحبها كمن ذهب ماء وجهه. ولذلك نشأ المثل المذكور وصار يصور، من ناحية منتهى القيمة الـّتي يأخذها العمل في منظومة القيم الحياتية الـّتي يؤمن بها الناس ونفورهم من "الجلوس" أو البطالة و العطالة، واستعدادهم، من ناحية أخرى، للمغامرة بالعمل مع "النصارى" حتـّى وإن كان ذلك فيه تعريضا بهم أخلاقيا وعقائديا. كان العمل يومئذ مع "النصارى" مذلة.

أما الآن فقد أصبح امتيازا ما بعده امتياز؛ يفاخر به صاحبه ويظاهر به على الناس أجمعين. بل امتد هذا الامتياز فصار أوسع من مجرد العمل مع "النصارى"؛ فلدينا في تطاون أيما شئ أراد له صاحبه القيمة والعلو زكاه فربطه بـ"النصارى"، فالسلع من إسبانيا خصوصا، ومن الخارج عموما هي الأجود، والزواج بـ"النصرانية" هو الأفضل، والدراسة في الخارج هي الأفيد، والعلاج "نفوق" (أوروبا) هو الخلاص، والعيش "ِليهين" (هناك) هو الجنة، والـ"باسطا" (المال) لما "تعدي" البحر ( تعبر البحر)...هناك أكسيولوجيا كاملة مبنية على الأفضلية المكانية لبلاد "النصارى" ولنمطهم الحياتي، وفي بعض الأحيان حتـّى لدينهم لما وقع في ظن بعضهم أن الإسلام هو سبب التخلف، فإذن من الأفضل اعتناق النصرانية كما نشرت بعض الصحف المغربية السيارة مؤخرا. بل هناك أبولوجيا واضحة لصالح "النصارى"- مهما تغاضينا عن الواقع- يتم بموجبها الدفاع عنهم، وموالاتهم شعوريا وماديا؛ عبر كرة القدم أو الموسيقى أو "المودا" أو أي سبيل يقربهم إليهم. إنه "استلاب" شعبي راسخ القدم في بلادنا. ومع ذلك ما يزال منا من يصدق أن "الشعور الوطني" متمكن من نفوس الناس، ولا سيما الشباب منهم؛ وفاتهم أن هؤلاء يعتقدون اعتقادات قد تخالف ما نحسبه الحقيقة الوطنية الموضوعية. فالـ"خبز" هو الوطن، و"بلادي هي خبزي"، و"شني عطاني المغرب؟"(ماذا أعطاني المغرب؟) و"بلادي هي كرامتي".... كلها اعتقادات ُمرة يفجرها هؤلاء في وجه من يذكرهم بـ"الشعور الوطني" وواجبهم تجاه بلادهم. وقد أثبتت المعاينة المتكررة لأحوال بعض المهاجرين في الخارج أنهم يحتفظون بمظاهر عابرة لشعور غامض بانتماء هولامي للأسرة لديهم وليس لـ"البلاد"، وأن ما يزعمه البعض من وجود "أواصر وطنية" لديهم تجمعهم مع بلادهم متماهية مع انتمائهم لأسرهم، ليست إلا محض مشاعر قرابية قد لا تتجاوز المدينة أو القرية، لأن المغاربة لم "يجردوا" وطنهم بعد فيعتنقونه عقيدة وطنية خالصة . ونحن نعرف أنهم بمجرد ما يغادروا "البلاد" لا يلتفتون إليها إلا للوداع، أما الواقع فهو ذلك الـّذي ينتظرهم في البر الموالي. ووفق هذا "الحس الواقعي" أصبح حلم أغلب الشباب الحصول على "الحديدة" (السيارة) والزواج بـ"الـزعرة"( الشقراء) و "الجميع ديماهم" (جمع المال) والـ"فريس دبنادم" (استفزاز الناس). أما ما عدا ذلك، كالدراسة أو البحث عن عمل "هنا"، فـ"شلل به" (اغتسل به) وما أصيب به التحصيل الدراسي لدينا -على علاته- من نكسات، ليس إلا بسبب هذه الروح الانهزامية التشاؤمية الـّتي ابتلي بها شبابنا في غياب نموذج وطني وأخلاقي يرشدهم إلى سواء السبيل. يتصيد بعضهم الفرص تلو الفرص لتحقيق أحلامه بالهجرة والخدمة مع "النصارى"، ويتراخى طلب السعي إلى البحث عن العمل إذا ما تهيأت الأسباب إلى ذلك. وهنا تقدم نوادي المعلوماتية الخدمة الكبرى لروادها من الشباب لكي يربطوا صلات التعارف مع أهل البر الفوقاني عسى أن تتمتن فتثمر "علاقة حميمية"، تتوج بالزواج أو بالعشرة، وأخيرا بالحصول على الحق في الإقامة في "البلاد دبصاح" (البلاد الحقيقية) والخلاص من "البلاد دالقشاوش" (بلاد اللعب) وترك "بلاد دالملاغة" أو "دالرشوق" (بلاد المزاح) والالتحاق بـ"بلاد دالمعقول". والحق أن حالهم أفضل من حال من آمن بعقيدة "إذا اعطاك العاطي، لا تحرث ولا تواطي"،( وأضاف بعض الظرفاء من معارفي [غير غطي بالملاطي]) ممن يعتقدون في التواكل، ويؤمنون بانتظار وقوع المعجزات. على الأقل هؤلاء يقيمون ديبلوماسية شبابية موازية قد تعجز عنها الديبلوماسية الرسمية. قد ينجح مسعاهم أو قد يفشل، ولكن المهم أنهم يستفرغون جهدهم لتحقيق حلم الهجرة، ومن ثم "الخدمة مع النصارى ولا الجلوس خسارة". ولا بد من الإشارة مع المثل المذكور، إلى أنا بصدد قيمة مزدوجة من حيث الحث على العمل، ونبذ الكسل، ولكنها من ناحية أخرى تكشف حالة من عدم التسامح-ككثير منها لدينا تجاه النصارى واليهود- كما تكشف حالة من "تبدل الحال" في قيمنا وواقعنا. وإذا كان لا بد من قول شئ هاهنا، فهو أنه لم يعد يعكس حقيقة واقعية في مجتمعنا كما أشرنا من قبل، لأنه أصبح يقرر حالة تاريخية كان فيها العمل مع "النصارى" مذلة. ولأن العمل معهم أصبح مطلوبا بل ومستحبا، فقد صار في مرتبة الامتياز أو يعلو عليه. ومع ذلك علينا أن نتريث كثيرا؛ فقد نجد بعض الناس، ممن يعتزون بذاتيتهم إلى حدود القعود عن العمل، يقولون: "اللهم الجلوس خسارة ولا الخدمة مع النصارى"، مع أنهم سيصطدمون بمن سيعيب عليهم موقفهم ويرد عليهم أن هذا ليس من الدين، ولا من الذاتية الإسلامية في شئ، لأن العمل في الإسلام عبادة. أو نجد غيرهم من هؤلاء "الحراقة" الذين نقموا الجلوس في البلاد واشتاقوا الهجرة منها إلى "بلاد كريستو" (بلاد المسيح) يقولون "اللهم النصارى ولا البقاء مع وجوه الخسارة" فيخططون لـ"الحريك"( الهجرة السرية) ولسان حالهم يقول "اللهم الروكان (سمك القرش) ولا الماروكان (المغاربة)"؟ أو نجد بعضهمم ممن، على طول ما قنطوا من تحقيق العدل والمساواة في بلدهم، قالوا "اللهم الخدمة مع النصارى ولا هاك بلا أرى" كناية عن أنهم نهضوا بالكثير من الواجبات، ومنها تأدية الضرائب المباشرة وغير المباشرة، دون الحصول على الحقوق ومنها الحق في الشغل كما هو حال "جمعية المعطلين حاملي الشهادات"، أو "جمعية حاملي الشهادات المعطلين"، أو جمعية "الكفاءات المعطلة عن الإدلاء بالشهادات"، أو جمعية "المعطلين عن تجريب الكفاءات" أو "جمعية "الشهادات الباطلة"... هناك من كل فن طرف، ولا لداعي للمرء أن يجد غرابة في ذلك مادام لسان قائلهم يقول "مادمت في المغرب فلا تستغرب"... ولعل بعضنا سيتذكر ، وهو يقرأ ما نكتب، أن معلوماتنا السوسيولوجية متأخرة بعض الشئ؛ لأن هناك واقعا آخر بدأ يزاحم كل الممكنات وهو "اللهم الخدمة مع المغاربة ولا الجلوس على المطاربة". ولكنا بقليل من التأمل سيبدو لنا أن المثل الأخير يتوازى في تمجيده للعمل مع مثل "الخدمة مع النصارى ولا الجلوس خسارة". ما يختلفان فيه هو ظروف إنجاز هذا العمل، وسياقاته الاجتماعية والسياسية والثقافية. ومن أفضل: هذان المثلان الحاثان على العمل أو هذا الذي يطعن فيه- وبكيفية غير مباشرة في أصحابه- لما يقول قائلهم: "اللي كيخدم في المغرب غير (....)؟" شرف الله قدر المغاربة أجمعين الذين يشتغلون مع النصارى، أو الذين يشتغلون مع المسلمين، أو الذين يشتغلون مع اليهود، أو الذين يشتغلون مع من لا "دين" لهم.

عندما توفي "جمال عبد الناصر" فظل حيا في وجداننا

بمناسبة ذكرى وفاة القائد العربي الوحدوي الكبير جمال عبد الناصر، التي تصادف اليوم الثلاثاء 28 شتنبر 2010، نحب ان نذيع في الناس ما كنا قلناه عام 1994، في سياق مختلف، عن هذا الزعيم العربي العظيم تجلة منا لشخصه، وتقديرا منا لأعماله.

 

         عندما توفي "جمال عبد الناصر" ، كان القدر يعدنا لنلتحق بالمدرسة الابتدائية تلاميذا في قسم التحضيري للموسم الدراسي 70-1971 [بمدرسة الأزهر في تطاون]، وكان عامها قد دخل التلفزيون بيتنا، وتمكنا على صغرنا، من التقاط آثار الحزن والأسى على وجوه آبائنا حين كان التلفزيون، ومعه المذياع، يبث نشرات الأخبار المتعلقة بنعي القائد الكبير، وصور الجماهير المصرية الباكية على فقدان "الريس" وهي تودعه إلى مثواه الأخير. ولم ندرك يومها إلا أن رجلا كبيرا ومهما، هو رئيس المصريين قد توفي، وأن الشعب المصري حزين على فقدانه، ولم نستطع ِإدراك بقية الصورة إلا حين تهيأ لنا الإطلاع على سيرة القائد الوطني الكبير، وأعماله الفكرية كـ"فلسفة الثورة" و"مشروع الميثاق"، ومنجزاته العمرانية الضخمة مثل"السد العالي"، وخطواته الثورية الكبرى مثل تأميم "قناة السويس"، وتصديه لأضخم عدوان خارجي عام 1956، وقبله لمحاولة اغتيال داخلي عام 1954 في حادث المنشية، وإقامته الوحدة مع سوريا في"الجمهورية العربية المتحدة"، وتقديمه لاستقالته في نكبة 1967، وخروج الجماهير المصرية إلى الشارع تمنعه عنها في تلاحم جماهيري قيادي قليل النظير…وحين أدركنا الصورة في كليتها، أدركنا معها طبيعة السياق التاريخي الذي كانت فيه جزءا من المحاولات الوحدوية تلك التي بلورها "جمال عبد الناصر" وعمل على تحقيقها، لولا "الصحوة الوطنية القطرية" التي كانت قد شملت امتداد الوطن العربي، فلم تدع مجالا لصحوة أوسع منها هي الصحوة القومية الوحدوية. ورغم أن بعض البلدان العربية كانت حديثة العهد بالاستقلال، فإن أمرا متعلقا بالوحدة القومية، كان طموحا ما يزال بعيدا أمام أولويات البناء الوطني القطري، خاصة وأن بعض القائمين على شؤون الحكم في تلك البلاد العربية، كانوا لا يستطيعون ِإدراك الوحدة العربية في بعدها الإستراتيجي، باستثناء بعض من كانت قد استهوتنا – في وقت من الأوقات – أطروحاتهم الوحدوية ، وحاولوا فعلا تطبيقها على الأرض باسم "اتحاد المغرب العربي". وبسبب فشل المحاولات الوحدوية العربية، كان لابد لنا أن نضرب بأيدينا في أساسها النظري ولحمتها الفلسفية وسداها الفكري حتى نقف على أسباب فشلها، و نتحقق من أسرار تعثرها. وهكذا رجعنا إلى ما تحصل لدينا من أعمال ساطع الحصري، وتتبعنا ما وصل إلينا من إصدارات" معهد الإنماء العربي " و "مركز دراسات الوحدة العربية "…إلخ، فاقتدرنا على رصد حركة نماء فكرة الوحدة العربية في أذهان النخبة العربية، وتنادي لسان الشارع العرب بها، إلا أنا وجدنا السلطة العربية السياسية، تعمل على تأخير نمائها، وتمضي في اتجاه تعزيز البناء القطري بمفهومه الضيق، على خلاف ما تفصح عنه مقررات القمم العربية، وتوصيات الجامعة العربية. والواقع أنا نشهد فترة الصحوة الوطنية القطرية وانفراط عقد المركزيات الكبرى ، مثل الاتحاد السوفييتي، ويوغوسلافيا. وهكذا نجد أنجيلنا عاش ما بعد مرحلة المحاولات الوحدوية الكبرى، وشهد مزيدا من التأسيس السياسي والاقتصادي لأجهزتها مثل "اتحاد المغرب العربي" أو "مجلس التعاون العربي" أو "مجلس التعاون الخليجي"،وهو الآن يتابع تجربة الوحدة اليمنية و مخلفات الحرب التي أعقبتها.(*)

 



(*) نؤكد مرة أخرى أن هذا الكتاب ألف عام 1994.

م.ب.أشمل: "أونامونو" والجمهورية والشمال

نشر هذا المقال في يومية "القدس العربي" اللندنية خلال أبريل 2010. ونعيد نشره هاهنا تأكيدا لمعطياته، وترسيخا لقناعاته.

 

حلت في الرابع عشر من شهر أبريل [2010] ذكرى مرور تسعة وسبعين عاما على قيام الجمهورية الإسبانية الثانية. وليست هذه الذكرى، في الواقع، إلا تعلة أخرى لكي نتطارح جملة قضايا تاريخية وسياسية وفكرية تصل بوجه من الوجوه بين فيلسوف هو "أونامونو"، ونظام سياسي واجتماعي وثقافي هو الجمهورية الثانية، ومكان جغرافي وتاريخي وحضاري هو الشمال. لا تعوزنا الذكريات كما الوقائع، لكي نجدد النظر فيما نحسب أنه يجمد على البداهة أو ينطوي على المغالطة، أو يسقط في الخطأ، أو يتلفع بالسذاجة. ولكن ذكرى كهذه الذكرى، تنطوي، في اعتقادنا، على القدر الكافي من الرمزية لكي نمضي في تأمل مداخلها ومخارجها، بعيدا عن أية تعلة أو تبرير لأنها شكلت في كثير من الأحيان، عناوين حاسمة في مصيرنا الوطني داخل الشمال خلال فترة الاستعمار الإسباني أو بعده. ومن ثم فما قد يضفي على مسعانا التأويلي بعض معقوليته الممكنة ونحن نتحدث عن "أونامونو والجمهورية والشمال"، أن كثيرا من أقدار الواحدة تداخلت مع مصائر الثانية في سياقات مشمولة بكثير من الالتباس، ومتلبسة بكثير من الباطل. ولأجل ذلك، لا يضر البتة أن نقدم بعض الأفكار للتداول السياسي والفكري العام بصدد فترة تاريخية كانت المنطلق لكثير من الآلام والآمال سواء لدينا هنا في الشمال أو لدى جيراننا في البر القشتالي.

I

من الذين قدر لهم الإعلان عن قيام الجمهورية الثانية من شرفة بلدية سلمنكة في الرابع عشر من أبريل عام 1931، الفيلسوف الباسكي "ميغيل دي أونامونو" (1864-1936). لم يكن الرجل بالنكرة في الحياة الفكرية أو السياسية الإسبانية؛ فقد كانت له مشاركة متميزة في الفكر الإسباني في وقته، وحفظ له تاريخ الأدب حظه الوافر في الشعر والمقالة والرواية، وانتشر صيته في الآفاق بسبب مناهضته للنظام الديكتاتوري في بلاده، وأدى ضريبته في المسؤولية الفكرية والسياسية في النفي، وأكره على ترك عمادة جامعة عريقة مثل جامعة سلمنكة. ولذلك حمل إعلانه للجمهورية الثانية من مركز سيادتها، ومن شرفة شرعيتها دلالات عظيمة، ليس في مرتبة عظمتها سوى موقفه اللاحق منها. ولقد صنع الرجل ذلك فرحا مستبشرا بقيام عهد جديد يصبح فيه للحياة معنى سعيدا بدل "المعنى الأسيان" الذي خبره طيلة منفاه على يد ديكتاتور اسمه "ميغيل بريمو دي ريفيرا" (1870- 1930). لكن بعد مرور وقت وجيز، خابت آمال الرجل في الجمهورية، مثل خيبة أمل غيره من المفكرين والمثقفين والفلاسفة فيها وضاعت أحلامه في الخلاص الذي وعدت به طيلة أجيال، وطفق ينقلب ما كان يعتقده من "سلام في حرب" –كتابه بنفس العنوان-إلى حرب عامة تنبأ لها قبل وقوعها المحتوم عام 1936. وحتى صداقاته لرجال الجمهورية، أمثال "ألكالا ثامورا" و"مانويل أثانيا"، أصابها وابل من الفتور جعله يتغير لها ويسرع إلى مناصرة الانقلاب العسكري الذي قاده ضدها "المدير" الخنرال "إيمليو مولا" في مؤامرة محبوكة ضد شرعيتها الديموقراطية. لم يكتف الرجل بمناصرة الانقلاب العسكري، الذي جنى ثماره الدموية الخنرال "فرانكو" في فن وضيع سماه مؤخرا "خوان مارتينيث ريفيرتي" بـ"فن القتل"، بل ساهم بقدر من المال في دعم آلة الحرب التي بدأت تدور رحاها في قلب إسبانيا، بعد أن قضم العسكر قطعة ضخمة من جسدها. موقف متناقض حتما، ولكنه بلا ريب مفهوم انطلاقا من فرضية "المفارقة الحيوية" التي كانت تطبع كثيرا من جوانب حياة رجل كان دوما خارج التصنيفات كما يرى كثير من دارسيه المعاصرين؛ وإلا فكيف نفسر انتفاضته بعد حين في رحاب جامعة سلمنكة يوم 12 أكتوبر 1931 ضد قيم الموت؟ لم يصبر الرجل على خطاب "النيكروفيليا" الذي ألقاه الخنرال "أستراي" (1879-1938) في عيد "الأمة الإسبانيةّ" مدافعا فيه عن مشروع العسكر والكتائب والكارليين وصغار الأحزاب اليمينية كالسيدا. فلما تناول الكلمة، قال من بين ما قال قولته التي ستصير بعد ذلك شعارا مستفزا لكل معتد أثيم:"ستنتصرون، ولكنكم لن تقنعون!". كانت صرخات "ليعش الموت" الهادرة من أفواه جنود "التيرسيو" و"الليخيون" علامة على أن أيام "أونامونو" باتت معدودة، إن لم يكن قد تم تداول أمر قيامه بـ"الباسيو" (النزهة= الإعدام) قريبا. ولولا مروءة امرأة تأبط ذراعها فاستخلصته من تلك الجموع الجامحة وأنقذته من هياجها وتعطشها للدماء، لكان ذكره نسيا منسيا. ولم تكن تلك المرأة بالمناسبة إلا زوجة الخنرال "المبروك" "فرانسيسكو فرانكو"، فانظر تعجب!

لم تمض سوى أيام قليلة على هذه الواقعة حتى توفي صاحب "احتضار المسيحية"، ومشت في جنازته كتائب "خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا"، الرجل الذي كان يعتبر "أونامونو" معلمه الروحي. وهكذا كرس رجال  "مانويل هيديا"-خليفته في قيادة الفلانخي، فيلسوفنا كأحد هداة الفكر الفاشي، وبدا كما لو أن رجال "العهد الجديد" يبحثون عمن يكون قادرا على تزكية حركتهم "الوطنية"، وشرعنة حربها الصليبية المقدسة ضد "الشر الشيوعي الأحمر". ولكن صاحب "مسيح فيلاسكيز" كان، كدأبه دائما، يعرف كيف ينفلت من أي تحديد أو تصنيف، وذهب سدى ما كان يسعى إليه رجال إسبانيا المنتصرين من ضرب رجال إسبانيا المنهزمين برجل عفيف لا هو من هؤلاء ولا من أولئك، ولكنه كان مع "إسبانيا الجوهرية" التي شاء لها القدر أن تتضرج بدمائها كما شهد بذلك "بابلو نيرودا".

غفر الله لـ"أونامونو"، فقد كان أرحم علينا من عشيرته العسكر الذين سفكوا الدماء وخربوا الزرع والضرع، وسقوا الناس في الشمال أرفع بضاعتهم من المواد الكيماوية أثناء الحرب التحريرية في الريف؛ فيما أوصى هو ببناء ساحات مصارعة الثيران لـ"المورو" (مقالته المشهورة بعنوان "الدخول السلمي عام 1914)؛ فينصاعوا للألوان المزركشة أكثر من انصياعهم لرائحة البارود... ألا إن أهلنا يوزعون بالألوان أكثر مما يوزعون بالسلطان؟

II

هناك "عقيدة" تاريخية متفشية في الشمال أطلقها بعض الموثقين، وتبعه في ذلك بعض الإخباريين، مفادها أن الجمهورية الثانية "لم تصنع شيئا لصالح الشمال". ولذلك فقد نجح الانقلاب العسكري بيسر في ربوعه. وعلى فرض صحة هذه العقيدة، هل كان ينتظر من أهل الشمال الإبقاء على ولائهم للجمهورية والأمور لديهم سيان: العسكر الانقلابيون والجمهورية، كلاهما ملة واحدة في الاستعمار. ثم ينبغي أن نفرق بين سيرة الجمهورية في الشمال ونجاح الانقلاب العسكري، لأن الربط بينهما يوحي بتلازم ضروري بين ولاء الشمال للجمهورية ونجاح الانقلابيين عليها. كأن الانقلاب كان سيكون فاشلا لو أن سيرة الجمهورية كانت طيبة في الشمال مع أن أهلنا فيه لم يكونوا يدركوا من حقائق الأشياء إلا أن الأمر محض فتنة إسبانية داخلية -أو حملوا على أن يعتقدوا في ذلك- وأن الحياد موقف يمليه التعقل والرشد، وهذا ما دعا إليه الصدر الأعظم سيدي أحمد الغنمية لما رمى الطيران الجمهوري كراته الحارقة على تطاون وضواحيها عقب دخولها في طاعة الانقلابيين. وهب أن الشمال كان على ولاء للجمهورية، ما القول في الحامية العسكرية التي تمردت حتى على رؤسائها في تطاون ومليلية وسبت؟ أكانت ستبقي على رأس في مكانه من الجسد وتعليمات "المدير" (الخنرال مولا) واضحة في ضرورة التصفية الجسدية الفورية لكل من اشتبه في معارضته لـ"الحركة؟ ثم هب أن سيرة الجمهورية كانت سيئة في الشمال، لماذا نكر أهلنا في الريف على ملكية ألفونسو الثالث عشر سيادتها على الشمال ونهض الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بمهمة الثورة المسلحة في المنطقة الخليفية وجزء من المنطقة السلطانية؟ من الناحية الموضوعية، لم يتسنى للجمهورية فعل أي شئ في الشمال، لأسباب عديدة من سائرها قصر المدة الزمانية التي تسلمت فيها الحكم في البلاد، من 14 أبريل 1931 إلى 18 خوليو 1936، وطبيعة الصراعات التي انخرطت فيها مع خصومها السياسيين من اليمين (الكتائب والسيدا) والعسكريين (المحاولة الانقلابية التي قام بها سانخورخو عام 1932) والطبقة العاملة (الاضطرابات العمالية بأستورياش عام 1934)وتلبد الغيوم السياسية الدولية في سماء أوروبا (صعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا) إلخ. كل هذه العوامل تضافرت فأثمرت أجواء من العداء والتوتر والاضطرابات صاحبت ميلاد الجمهورية، وطرفا من نشأتها؛ وخصوصا من لدن العسكر الأفريقانيين الذين كانت تنظر إليهم الجمهورية الثانية بعين الريبة والحذر. ثم ماذا كان ينتظر أهلنا من الاستعمار-سواء في عهود الملكية أو الديكتاتورية أو الجمهورية ثم الديكتاتورية مجددا؟ إذا كان العسكر الانقلابيون قد صنعوا ما صنعوا للشمال فلم يكن ذلك من أجل مرضاة أهله، ولكن لكي يحصنوا جبهتهم الخلفية من أن يصيبها مكروه من لدن من مرغوا كبرياءهم العسكري في الوحل في وقعة أنوال الشهيرة عام 1921. الأمر كله "تاكتيك" وتعبئة شاملة من أجل التركيز على القضية الأساسية: القضاء على الجمهورية في شبه الجزيرة الإبيرية. لذلك تسامح العسكر مع كثير مما تشددوا فيه مع أهلهم في إسبانيا: حرية في التعبير، وإنشاء الصحف، وتأسيس الأحزاب...إلخ حتى اغتر البعض فظن أن الأمر في الشمال لم يكن "استعمارا"، كما كان الشأن في المنطقة السلطانية، وإنما كان محض "حماية" صرفتها الدولة الحامية في "تمدين" الشؤون الأهلية. ربما كان الشمال أكبر عبئ على إسبانيا لأنها في الأصل لم تكن راضية على حصتها؛ إذ لم تحصل من الطريدة إلا على "العظم"، فيما "اللحم" تناولته فرنسا وانجلترا في غنيمة استعمارية معلومة غاياتها ومقاصدها. ألم يجر التفكير في التخلي نهائيا عن الشمال؟ ألم يدع "أورتيغا إي غاسيت" (1883-1955) مثلا إلى ترك تلك "الجزر الصلعاء" لأهلها في المغرب؛ وقد كان يمثل في أيامه ضمير إسبانيا الحي، سواء كنائب برلماني أو مصلح اجتماعي أو مفكر إنساني حر؟

كيفما كان الحال، هاهم العسكر الانقلابيون يقضون على الشرعية الجمهورية نهائيا داخل إسبانيا يوم فاتح أبريل 1939 في نفس الشهر الذي شهد ولادتها منذ ثمانية سنين؛ فماذا نال الشمال غير سيطرتهم بيد من حديد على كافة أموره؟ لم تكد المنطقة السلطانية تمضي في إجراءات "استقلالها" حتى سلم الخنرال المتمرد أمور البلاد إلى أهلنا في الشمال وتركت "المهمة التمدينية لإسبانيا" ناقصة، وأهمل الشمال إلى مصيره الموحش يستعد لغربته الوطنية ملوما منبوذا في ركن قصي من الأنطولوجيا المغربية. ولهذا فليس من الحصافة السياسية في شئ اعتبار ما قامت به إسبانيا تجاه الشمال استجابة لـ"روح العصر" الذي تميز يومئذ بحركة تصفية الاستعمار واندلاع شرارة الشعور الوطني، بل الأمر كله محض تخل عن إرث ثقيل لم يعد العسكر الانقلابيون يطيقون احتماله خشية تعريض كبريائهم العسكري للخطر مرة أخرى في ربوعه.

III

لم يعش "أونامونو" إلى 22 نوفمبر 1975  لكي يعلن  للناس كافة نهاية الديكتاتورية الشخصية للخنراليسيمو "فرانكو"، ولا امتد به العمر إلى عام 1978  لكي يحتفل بزوال "الحركة الوطنية"، ويشرب نخب أفول أصنام من كانوا يعدونه أباهم الذي في المجد، سواء من الفلانخي الأصلية أو من المدجنة، ولم تقدر له رؤية "بيلباو قلبه" وقد صارت تحفة رائعة في معمار دولة الجهات المستقلة، ولم تتهيأ له أسباب الرحلة إلى الشمال فـ"يمشي" و"يرى" ما حل به وقد ملئ ألوانا زاهية من التخلف والقهر والإقصاء. لم يقدر لـ"أونامونو" أن يصنع ذلك وغيره، ولكن حسبنا منه أنه ترك فينا مقالته الشهيرة:"تنتصرون ولكن لا تقنعون"؛ فهي بمفردها علامة على كل تاريخه وتاريخنا من الفهم.

محمد بلال أشمل

تطاو العامرة

 

"الاقتباس من المعلم" في مجلة الدراسات الأورتيغانية

نشرت "مجلة الدراسات الأورتيغانية" (مجلة محكمة باللغة الإسبانية) في عددها التاسع عشر (2009) دراسة لمحمد بلال أشمل حول "الاقتباس من المعلم، إشارات إلى/ وإحالات عربية على أورتيغا إي غاسيت"(ISSN 1577-0079, Nº. 19, 2009, pags. 139-154)  تابع فيها مختلف الإشارات والإحالات التي تمت إلى الفيلسوف المجريطي صاحب "تمرد الجماهير" و "تأملات الكيخوطي" و "موضوع عصرنا". وتأتي هذه الدراسة في سياق التوثيق لحضور ومنزلة كبير فلاسفة إسبانيا في الفكر العربي المعاصر، ورصد مظاهر تأثيره في هذا الفكر، وقيمة هذا التأثير، وحدوده. والرابط التالي يتضمن المزيد من المعطيات:

http://www.ortegaygasset.edu/contenidos.asp?id_is=402

 

شهدتها أكاديمية الفكر الجماهيري: محاضرة حول "أورتيغا إي غاسيت في الفكر العربي"

ضمن حلقاتها البحثية الأسبوعية، نظمت "أكاديمية الفكر الجماهيري" بطرابلس الغرب مؤخرا محاضرة لمحمد بلال أشمل عبر الشبكة المعلوماتية بعنوان "خوسي أورتيغا إي غاسيت في الفكر العربي المعاصر"؛ وذلك بحضور نخبة من وجوه الحياة الفكرية والثقافية في الجماهيرية الليبية من بينهم المفكر الليبي الدكتور مهدي امبريش مدير عام الأكاديمية، والقانوني والإعلامي الدكتور جمال الزوي نائب المدير العام، والأكاديمي الدكتور محمد الشحومي، والكاتب خالد محجوبي والأديب يوسف القويري. وقد تميزت المحاضرة بحوار معمق بين المحاضر وطائفة من المثقفين الليبيين مس شؤون الفكر الإسباني بعامة، ومنزلة خوسي أورتيغا إي غاسيت بخاصة، وعلاقات الفكر العربي المعاصر بهذا الفكر وحضور صاحب "تمرد الجماهير" فيه. وقد اختتمت المحاضرة بتوجيه الدعوة إلى المحاضر لزيارة الأكاديمية وإلقاء محاضرة أخرى سيتم تسمية موضوعها لاحقا.

 

عن "لجمعية الفلسفية التطوانية"

http://asofilotetuani.jeeran.com/

حول تخليق الحياة الثقافية: سؤال التخليق أم سؤال التدقيق؟

خلال إعداد ندوة "تخليق الحياة الثقافية" التي نظمت في طنجة يوم 15 يوليوز 2008، وشاركت فيها بورقة حول "آفات التدوال الثقافي في تطاون" استكتبني الصديق الدكتور خالد سليكي فسألني الأسئلة التالية وكان هذا جوابي : 

1.     لماذا سؤال التخليق؟

2.    ماذا يجري في المغرب وما علاقته بالتخليق؟

3.    كيف يمكن أجرأة التخليق؟

 

         يبدو لي أن "سؤال التخليق" ، بوجه من الوجوه، هو اختيار من عجز عن تطبيق القانون، وتدقيق المسؤوليات في الآفات المنتشرة في الجسم الاجتماعي فآثر مواجهتها بسؤال الأخلاق عوض سؤال القانون. ومن ثم فنحن نحتاج إلى سؤال "التدقيق" في المسؤوليات، أكثر من احتياجنا إلى سؤال التخليق فيما يسئ إلى المروءة. وما يجري في المغرب من فساد مادي ومعنوي ينذر "بالتفريق"، ولذلك فمن المناسب الحديث عن تطبيق القانون في مرتبة أولى، ورفده بالخطاب الأخلاقي في مرتبة أدنى أو جعلهما خطابين متوازيين. وأرى أن إحدى كيفيات أجرأة "التخليق" هو السهر على تطبيق القانون وتعليم الناس أن ذلك هو غاية الأخلاق.  

 

ندوة "حول الخصوصيات السوسيوثقافية والتاريخية والأنتروبولوجية للمنطقة الشمالية" في تطاون

استكمالا لسلسلة الندوات العلمية التي ينظمها "المنتدى المتوسطي من أجل المواطنة" حول الجهوية السياسية، سيتم تنظيم ندوة علمية حول الخصوصيات السوسيوثقافية والتاريخية والأنتروبولوجية للمنطقةالشمالية ⁄ الريف" وذلك يوم السبت 15 ماي 2010 بفندق شمس على الساعة الخامسة مساء بمدينة تطاون. وسيشارك في هذه الندوة ثلة من الباحثين المغاربة الذين سيتناولون مختلف الجوانب المقتضية لخصوصية محتملة للشمال المغربي. ونقدر أن يتم التساؤل أولا عما تكون هذه الخصوصية ، وهي مهمة العرض الأول حول "هل هناك خصوصية ثفافية في الشمال؟" حيث ستكون بمثابة فرشة نظرية لكل الندوة وهي المهمة التي سيقوم بها محمد بلال أشمل؛ ثم البحث عن خلفيات تلك الخصوصية التاريخية والدينية والثقافية، وهي مهمة العرض الثاني حول "التدين الشعبي ومسألة تعريب أهالي الشمال" وسينجزها عبد العزيز أشهبار؛ ثم إعطاء نمط من تداولها المادي، وهي مهمة العرض الثالث حول "سوسيولوجيا الاقتصاد بالشمال" والتي سيتولى تقديم كتاب في شأنها عبد الهادي امحرف؛ وأخيرا تقديم نمط تمثيلي وهي مهمة العرض الرابع والأخير حول "الخصوصيات المعمارية والتاريخية لمنطقة الشمال (تطوان نموذجا) والتي سينجزها امحمد بنعبود. ونتوقع أن تشهد الندوة خلال فترة المناقشة حوارا مسترسلا نظرا لراهنية الموضوع، وحساسيته النظرية والسياسية.

هل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة لعام 2009، وضعت "الجمعية الفلسفية التطوانية" برنامجا احتفاليا حافلا بالمحاضرات والندوات والمعارض (صور الفلاسفة المغاربة والأجانب تحت شعار "من صداقة الحكمة إلى صداقة الحكماء") وحلقات نقاش (أي فكر مغربي مستقبلي) كان مدارها حول "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". وحسب فقرات هذا البرنامج، فقد احتضنت مؤسسة الرازي للتعليم الخصوصي بتطوان يوم الخميس 19 نوفمبر 2009 على الساعة الرابعة عصرا حفل افتتاح هذه الدورة بحضور جمهرة من المثقفين والأساتذة والتلاميذ والمواطنين حيث تعاقب على منصة الخطابة ثلة من المدعوين كان أبرزهم قيدوم أساتذة الفلسفة في تطوان الأستاذ أحمد المرابط. ومما جاء في الكلمة العامة التي ألقاها محمد بلال أشمل بهذه المناسبة ما يلي:    

 

(..) يطيب لي الترحيب بكم في الحفل الافتتاحي الذي تنظمه جمعيتنا بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة. إنه يوم رمزي في تاريخ حياتنا العقلية الوطنية؛ ننخرط فيه بوعي وبمسؤولية، على امتداد أسبوع حافل بالأنشطة الثقافية والمبادرات الفكرية مشاركة منا أهل الصنعة احتفالاتهم الدولية الجارية في مختلف أصقاع العالم.

أيها الحضور الكريم:

لقد تأسست جمعيتنا يوم 26 من 2006 من لدن ثلة من المفكرين والمثقفين المغاربة الذين يعيشون ويشتغلون في مدينة تطوان. إن خصوصية التخوم الجغرافية، وإكراهات التاريخ القريب والبعيد، جعلتنا ننهض بمسؤولية تقديم نمط جديد من التداول الفكري في خريطة فكرنا الوطني وهو العناية بالفكر الفلسفي أساسا، وبالفكر المغربي منطلقا، وبالفكر الإسباني تحاورا، وبالفكر الإنساني امتدادا؛ تكثيرا منا لأسباب التلاقح الثقافي مع الفكر الفلسفي العالمي. ولقد قطعنا شوطا لا يستهان به في هذا المجال حتى صرنا نعرف، لدى المهتمين بالشأن الفكري والثقافي في بلادنا والعالم، بهذه الميزة في مجموع التداول الفكري المغربي، وصارت مدينتنا، بفضل ذلك، مشهورة الأثر في بعض المحافل الإسبانية والأمريكولاتينية، بحياتها العقلية والفكرية إلى جانب فضائل أخرى تعزز مكانة بلادنا في المنتظم الفكري العربي والدولي، بل وصرنا، على حداثة عهدنا بالتأسيس، أحد المخاطبين الأساسيين لقسم "الفلسفة والعلوم الاجتماعية" التابع لمنظمة اليونيسكو بباريس، في بلادنا، ومن ثم أصبحنا نتوفر على رصيد محترم من الإنجازات الثقافية في التقرير السنوي لليونيسكو المتعلق بالفلسفة وحياتها. إن عود جمعيتنا طري، ومع ذلك فقد تحصل لدينا مجموع طيب من المبادرات الفكرية والأنشطة الثقافية والمشاريع المستقبلية استطعنا بفضلها، ولأول مرة في تاريخ تداولنا الثقافي، جعل الفلسفة، بما هي معرفة وموقف من العالم، عنصرا أساسيا في عموم الانشغالات الثقافية؛ ليس فقط لدى النخبة من المواطنين، بل ولدى الفئات المتعلمة التي نراهن على صفاء طويتها المعرفية لكي تبذر البذار الطيبة من أجل نهضة متجددة لوطننا. وهكذا فقد قرت عزيمتنا، منذ تأسيس جمعيتنا على الحضور الدائم في المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية التي نعتبرها تربة المستقبل والمكان المناسب لاختبار الحدوس والتصورات حول وطن الإرادة؛ فكانت المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية بتنسيق كامل مع السلطات التربوية في مدينتنا هي من تحتضن بعض فقرات الاحتفالات التي أقمناها بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة منذ تأسيس جمعيتنا. ولقد ساعدنا على ذلك أن أغلبنا ينتمي إلى حقل التربية والتعليم بمعناه الخاص والعام، ويدرك بوعي وقلق، حجم المسؤولية الفكرية والأخلاقية الملقاة على عاتقه لكي يقوم بما يقتضيه المقام من المشاركة من موقعه، ببناء المشروع الوطني على هدي قيم الحق والخير والجمال. وهكذا ضمنا الحضور الواقعي في النسيج الثقافي والتربوي داخل مدينتنا وبلادنا وخارجهما، حيث قمنا بما اقتدرنا عليه من أعمال فكرية، ومن مبادرات ثقافية متجاوزين حالة الترهل الثقافي التي أصابت بعضنا، وغير ملتفتين إلى هذه العدمية الرهيبة التي يبرر بها البعض تقاعسهم عن القيام بواجبهم الفكري والثقافي والتربوي تجاه مدينتهم ووطنهم. كما ضمنا حضورنا الافتراضي على الشبكة الرقمية حيث جعلناها مرآة للحياة العقلية كما هي جارية في خصوص مدينتنا أو في عموم بلادنا أو في مجموع العالم؛ ساعدنا على ذلك اصطناعنا لوسائل الاتصال الحديثة عبر شرفتنا التواصلية التي حققت لنا انتشارا مهولا في الفضاء الافتراضي، وأثمرت لنا صداقات روحية وعقلية وفعلية مع أطراف عديدة من صناع الفكر والثقافة في نقاط متعددة من الأرض. إن الطريق شاقة وطويلة لكي نحقق غاياتنا الفكرية والثقافية، ولكن آمالنا أوسع من المسافات، وإرادتنا أقوى من الإحباطات، وعزيمتنا أصلب من الآفات. أليس على قدر أهل العزم تأتي العزائم؟

 أيها الحضور الكريم:

إن اليوم العالمي للفلسفة الذي تلتقي اليوم للاحتفال به، انطلق العمل به منذ عام 2002 من لدن اليونيسكو، وتم تسجيله كيوم عالمي في لائحة الأيام الوطنية عام 2005. ومنذ عام 2006، العام الذي أسسنا فيه "الجمعية الفلسفية التطوانية"، دأبنا على الاحتفال به، عبر تنظيم جملة من الأنشطة الثقافية والندوات الفكرية والمعارض وحلقات النقاش الفلسفية امتد مداها إلى خارج المدينة في المنتديات الثقافية الواقعية منها والافتراضية. إنه يوم يكثف رمزية العقل في تأمله للعالم، وتجديد سؤاله القلق بواقعه ومصيره، وإعادة صياغة موقفه من قضايا الإنسان المصيرية، والسعي إلى وضع تصوراته بصدد المحيط العام الذي يعيش فيه هذا الإنسان كوجود قيمي، شخصي، يستحق أن يعيش بكرامة وحرية. ولهذا فقد كانت السنوات الماضية التي احتفلنا فيها بالفلسفة-الذي هو في الواقع احتفال بالإنسان في كليته وفي محيطه في عموميته- مناسبة تأملنا فيها "الفلسفة في عالمنا"، وأنجزنا "التفكير في المغرب: الوجود والمصير"، وسعينا إلى "التأريخ للفلسفة في تطاون" باعتبار الفلسفة نمطا من الوجود العقلاني الواعي بوجوده ضمن كلية حسية وروحية هي المغرب، اخترنا الانتماء إليها بحرية مسؤولة، مختارة، واعية، وملتزمة في نفس الوقت عن طريق "المدينة" بما هي كيان حداثي، يعزز وحدتنا الوطنية وثراءنا الفكري وغنانا الثقافي.  أما هذا العام، فقد اخترنا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة بوضعها في مرمى المصير باعتبارها سؤالا مستقبليا بامتياز. وهكذا صغنا موضوع وقضية هذا العام: "الفلسفة ومصير عالمنا الراهن". إن سؤال المصير سؤال فلسفي بامتياز. ومن منطلق الانتماء إلى الفلسفة خصوصا، والانتماء إلى الفكر عموما، أحببنا العناية بالعالم في مصيره وصيروته: إن الصيرورة العامة لعالمنا تبعث على القلق: الدمار البيئي الذي لحق بعالمنا، التردي الروحي الذي أصاب الإنسان، العلاقات الإنسانية التي ارتهنت للعنف والحرب والعدوانية، الحقوق المادية والمعنوية المهضومة في كل شبر من الأرض المعمورة، القلق العام الذي ينتابنا كآباء من مستقبل أبنائنا الأخلاقي في ظل انعدام أو تشوش النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يكون الإسوة والمثال.... كل هذه الأمثلة ونظيراتها، تجعلنا نقلق على حالة العالم، لأنه بيت الإنسان الذي نعنى به في المقام الأول، ولو لم نقلق على بيت الإنسان أكان سيكون معقولا قلقنا على الإنسان؟  هكذا أحببنا إثارة سؤال المصير: مصير القيم إذا وجدت، ومصير الإنسان إذا كرم، ومصير عالمه إذا كان آمنا.

أيها الحضور الكريم:

كان سيكون مستحيلا منذ سنوات أن تنهض فئة من الناس وتدعو إلى الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة لأن الوضع العام في بلادنا كان حبيس سوء فهم كبير،غير مبرر معرفيا ولا سياسيا ولا ثقافيا مع الفلسفة وأهلها، ولاسيما في مدينتنا التي عرف عنها الاشتغال بالسمعيات دون العقليات. لقد جرى ماء كثير تحت قنطرة المغرب. وصار في إمكاننا الحديث عن رمزية الاحتفال بالفلسفة فيما هي احتفال بالعقل والعقلانية على تعدد أنماطها وتنوع طرائقها. الحفلة لحظة وجودية للتأمل في العالم والفرح به. إنها بمثابة استراحة المحارب الذي هو بسبيله إلى تغيير هذا العالم. ولكن هل ترانا فهمنا هذا العالم لكي نغيره؟ ولقد قدر لنا شخصيا أن نكون المبادرين منذ عام 1995  إلى الاحتفال بالفلسفة عبر المساهمة في تجديد الدرس الفلسفي في مدينتنا، والتفكير ثقافيا في القضايا الفكرية التي تقتضيها مسؤولية الاشتغال بالفكر الفلسفي في أفق ثقافي وتاريخي مثل المغرب، المرمي في أقصى الوجود، ومثل تطاون المتروكة في أقصى العدم، عسى نفهم هذا العالم لكي نقتدر على تغييره. هاهنا بالضبط تقع مسؤوليتنا كرجال الفكر بين أقصى الوجود وأقصى العدم: أن نستحق انتماءنا إلى شرطنا المعرفي والتاريخي والثقافي. هكذا ساهمنا في تصالح الناس مع الفلسفة حيث ربحنا رهان المفارقة السيزيفية: المجتمع الذي يعادي الفلسفة ويسخر منها هو ذاته المجتمع الذي يرسل أبناءه إلى تحصيل العلم بها. ولنكن واقعيين: لقد ربحنا نصف الرهان، أما الرهان كله فمتروك للصراع الاجتماعي والتاريخي الذي يتجاوزنا كأفراد إلى مصير المجتمع عموما. وليس مسعانا إلا كمن قال "إشعال شمعة أفضل من لعن الظلام".

أيها الحضور الكريم:

لا لم نحتفل بالفلسفة بمفردنا. هاهو المجتمع الذي تمثلونه يحتفل معنا. ولأول مرة في تاريخ التداول الثقافي والفكري في مدينتنا يتم هذا التصالح الصريح بين الفلسفة والمجتمع حيث جاء المجتمع يستطلع "طلسم" الفلسفة، وهاهم أهل الصنعة يقدمون نواياها الحسنة تجاه المجتمع: كأني بمشروع تسوية بين الفلسفة والمجتمع جار تفعيله اليوم ينهض بمقتضاه كل طرف بمسؤوليته تجاه قضية مشتركة هي قضية "المستقبل" المتمثل في أبنائنا: فحين يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا ليس هناك مجال للاختلاف ولا للمناورة. لا بد من الاتفاق على صيغة تسوية لأن المستقبل الذي نحن بصدد بنائه ليس في النهاية إلا مستقبل الوطن، فهل لدينا غير هذا المغرب الذي تغربنا في محبته بين أقصى الوجود وأقصى العدم؟

ودعوني قبل أن أختم كلمتي أن أسوق إليكم تأملا آخر بصدد هذه المناسبة: لقد بقي على أهل الفلسفة أن يربحوا نصف الرهان الآخر: أن يخرجوا من الليسيوم إلى "الأغورا" ويغادروا "الأكاديمية" إلى الساحة العمومية،  ويهبطوا "الفدان" من "براعم الرازي"... عليهم أن يصنعوا صنيع الفلسفة في نشأتها الأولى، أن يعودوا بها إلى أصلها ومنشئها في الساحة العمومية فتساهم من ثم، في بناء عقل ووعي ووجدان المستقبل، ليس في المدرسة كمكان اجتماعي عمومي وخصوصي، بل في المجتمع كفضاء مفتوح على التحدي الأكبر الذي يجعل من فكرها أكثر يقظة مما كانت عليه داخل "الكهف"، ومن عقلها أكثر انتباها إلى مكر التاريخ.

أيها الحضور الكريم:

لا بد من كلمة شكر في الأخير لمن هيؤوا أسباب هذا الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة. إنهم الدليل الحي على أن المجتمع صار يعي أن خلافاته مع الفلسفة لا بد لها أن تتكسر على مذبح التضحية من أجل المستقبل. إن الذين هيؤوا أسباب هذا الاحتفال، وضمنوا نجاحه المأمول كثيرون ولكني حريص على تسمية بعضهم حتى ينسب الفضل لأهله: للسلطات التربوية في مدينة تطوان التي أذنت لنا بالحضور في المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية لكي نقوم بواجبنا الفكري والثقافي والتربوي، لإدارة مؤسسة براعم الرازي للتعليم الخصوصي التي احتضنت حقا وواقعا هذا الحفل الافتتاحي الذي نحن بصدد شهود إحدى فقراته، ولا سيما المسؤول عن قسم التنشيط الثقافي والتربوي فيها صديقنا الأستاذ عبد الغني أبرو الذي تتبع معنا ميلاد الفكرة وترعرعها ثم تنفيذها... لأصدقائي الأساتذة الأجلاء الذي قبلوا دعوة جمعيتنا بالمساهمة معنا في إلقاء محاضراتهم ضمن الجداول الزمانية والمكانية التي وضعناها احتفالا بهذا اليوم في بعض المؤسسات التربوية العمومية والخصوصية... لرجال الإعلام والصحافة الذين أذاعوا بين الناس خبر احتفالنا هذا، وسيذيعون باقي فقراته في صحفهم الورقية والرقمية والأثيرية ولا سيما لإذاعة طنجة التي حرصت على نقل تصريح لنا بصدد هذا الاحتفال...لأصدقائنا الأعزاء أساتذة ومثقفين ومربين الذين آزرونا في كل مرحلة من مراحل التهئ لحفلنا هذا...لأصدقائنا في الضفة القشتالية والأمريكولاتينية الذين هنؤونا في يومنا هذا وتمنوا لنا يوما حافلا بالجمال والخير... لأختينا الفاضلتين مريم وحنان اللتان نفذتا الإخراج الفني لملصقنا وللوحات الإشهار المرافقة له... لأبنائي وبناتي تلاميذ وتلميذات هذه المؤسسة التربوية الذين تحمسوا لاحتضان حفل الافتتاح وبالخصوص "براعم الفلسفة" في حديقة الجذع المشترك علمي 3 الذين أتمنى لزهرتهم أن تتفتح في تذوق حلاوة التفلسف وتينع في لذة العلم ... لهذه الوجوه الطيبة من الحضور الكريم الذين شرفونا بحضورهم وقاسمونا فرحتنا بعيد العقل... لكل هؤلاء أقول: شكرا لكم وكل عام وأنتم بألف حق وخير وجمال.

والسلام

محمد بلال أشمل

تطاون العامرة
[نقلا عن الجمعية الفلسفية التطوانية]

 

 

دعوة للمساهمة في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة 2009

 

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، وجهت "الجمعية الفلسفية التطوانية" إلى أهل الفكر والثقافة في مدينتنا نداء بالمساهمة في الأنشطة الفكرية والثقافية والتربوية التي تعتزم القيام بها. هذا هو النص الذي حررته بالمناسبة: