تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
تاريخ الحلاوة وتاريخ ... الهراوة!

من سائر مشاهد الطفولة التي ترسخ في الذاكرة، مشهد "السي علي" بائع "حلي". كان الرجل يبيع لنا "حلي" في مدرسة "الشنتوف" -أو "الأزهر" حاليا- وفي مدرسة "التهامي الوزاني" وفي مرتين وفي "البلاد". لم يتغير شيئ في "السي علي" ما زال بقميصه الأبيض مثل ممرض في المستشفى أو معلم في المدرسة يحمل "عود حلي" ويمضي به في كل مكان من المدينة والبحر يوزع حلي وينادي على بضاعته "حلي حليلو، اللي ذاقو يرجع ليلو"... نشتري منه، فيزيد لنا بكرمه قطعة من "التحلية". يداعبنا ونداعبه بكلمات طيبة، واحيانا بغيرها...هو "ألمعلم" كسائر المعلمين من بائعي الحلاوة مثل معلم "عزية" و"الشامية" و"الحميص طايب" و"زين البنات"...ينشر البسمة حواليه ويشيع الفرحة بمقدمه ويطير النكت يمينا ويسارا.."عموده" اطول منه، وربما أضخم؛ لأن جثته بالكاد تظهر في ظل ذلك العمود الأبيض كأنه عمود نور يسير به وسط ظلام المرارة... نراه فنهرع للتحلية حتـّى ونحن كبارا نحلي ونتحلى، ونتذكر أياما لنا سعيدة في بساتين الطفولة، ونحمد له كرمه ونذكر له حسن معاملته... يحمل –"عليلو" عند البعض أو "حلي" حافية عند البعض الآخر- هراوة الحلاوة فيشيعها بين الناس أجمعين. هراوة مكسوة بالحلاوة، ولكن شتان ما بين الحلاوة والهراوة... واحدة شيدت قامتها بالألم والحزن والأخرى شيدتها بالفرحة والمتعة واللذة...إن تاريخ تطاون لم يبنه الأعيان وحدهم، بل شاركهم الأعوان أيضا، وإلا فهم بمفردهم من أقاموه عمرانا و"دات مولاة الدار الشنعة"...وأتخيل أن طرفا عظيما من التاريخ الوطني برمته ينبغي أن يعنى بتاريخ الحلاوة، عنايته بتاريخ الهراوة؛ فيمضي إلى عقد جلسات "الإمتاع والمؤانسة" على مذاق الحلاوة ونغمات "آه يا سلطاني"... وشخصيا لا أتصور أن التاريخ التطاوني كان سيسير مساره "المر" ما لم يحليه معلمو الحلاوة بحلاوتهم.. ولذلك علينا الاعتراف لهم بالفضل في بناء جزء من تاريخ الحلاوة في هذه المدينة العامرة بالحلاوة -وفي رواية أخرى بالهراوة- وان يجدوا مكانا لهم بين صور "أعيانها" في جريدة "تمودة"..أليس كل يتعين بطريقته؟ فقط هناك من "يتعين" بنسبه، وهناك من يتعين بعمله. وقل تعينوا فسيرى التاريخ تعينكم. لكن حذار من العين الـّتي قد تصيب... والى المرة القادمة حتـّى لا يذوب "حلي حليلو فلا يرجع، من داقو، ليلو..."

أين هي البوابة الخشبية لـ"باب العقلة" !؟

لوقت قريب، كنا نستمتع بدق "باب العقلة" كلما دخلنا المدينة العامرة من هناك؛ كأنما نعلن لأحبتنا أنا وصلنا للقائهم. كنا نطمئن على طرف من ذاكرتنا ونحن نتحسس البوابة المذكورة. الآن بعدما "رفعت" من مكانها، وبتنا نتحسس الحائط الذي استضافها"، طفقنا نخشى أن يأتي يوم نتحسس فيه الحائط، فلا نجده مثلما لم نعد نجد البوابة الخشبية الضخمة هل سرقتها يد عابثة فباعتها إلى هاو للتحف التاريخية، أم سربتها إرادة جامحة في الربح إلى "فران شعبي" أو "حمام بلدي" ليجعلاها حطبا في أتون نار الجشع العام الذي طفق يهدد قيمنا الحضارية والأخلاقية؟ كيفما كان الأمر لقد ضاعت قطعة أساسية من ذاكرتنا التاريخية فأصبحنا كأنا في "بلاد السيبة" بلا باب، أكثر عرضة للنهب والسلب من ذي قبل؛ لا حول لنا ولا قوة، إما مصيرا كمصير "عيطة السبت"، أو رجالا كرجال "الديوان" !!

 


باب العقلة بتطاون العامرة

أما آن لثقافة الانمساخ أن تكف عن تفريخ بشاعتها في مجالنا البصري !؟

حيثما وليت وجهك فثمة وجه البشاعة!! قد تكون هذه هي الحقيقة التي تصدم المشاهد منا للمجال البصري في مدينتنا، فلا يستطع لها فكاكا. حركة البناء نشيطة ولكنها لا تخضع لفلسفة عمرانية، وذوق جمالي معين هي محض إرادة في التسلق إلى السماء بدون اعتبارات جمالية تذكر، أو اعتبارات حضارية تحسب. الدور التي تبنى  محض علب مغلقة يحضر فيها الهاجس الأمني أكثر من الهاجس الجمالي، علو في المعمار وتدن في الذوق، زخرفة خارجية فاقعة ألوانها، ورصيف متسخ إن كان معبدا، وملئ بالأزبال إن كان مستنقعا للأوحال والنفاياتالمعالم التاريخية عرضة للإهمال، ومنها ما ينهب بتعلة الحداثة كما وقع لسور باب السعيدة الذي نهبه جشع مستثمري قاعات الحفلات باب العقلة كمدخل عمراني وأثري وتاريخي تزاحمه أكشاك كأنها براريك سوق أسبوعي في "واد لاو" أو "خميس أنجرة".. فألم يأن لثقافة الانمساخ أن تكف عن تفريخ بشاعتها في مجالنا البصري؟

 

نقد التراث الفكري و السياسي للحركة الوطنية بالشمال

نعتقد أن المنطلقات التي ينبغي أن توجه جيلنا في التعامل مع "التراث الفكري والسياسي للحركة الوطنية بالشمال" منطلقات حوارية، ومنطلقات أخلاقية، ومنطلقات وطنية. إن الوطنية التي بلورها رجال الحركة الوطنية، وطنية استقلالية، ووطنيتنا وطنية ديموقراطية، ولذلك لا بد من الحوار معهم؛ تطبيقا للانتماء الوطني، وتحقيقا له، فنحن الخلف وهم السلف.

وحوارنا مع رجال الحركة الوطنية، حوار يتوخى الوعي التاريخي بالعمل السياسي الوطني وخلفيته الفكرية لاستئناف نقدي للعمل الوطني الديموقراطي الذي يخوض فيه جيلنا. فالوعي السياسي يترافق مع الوعي التاريخي، والخلفية النظرية مستند ضروري للعمل المثمر. لذلك كان لا بد من العمل على العودة إلى التراث الفكري والسياسي للحركة الوطنية للوقوف عنده، وتصفحه ونقده والحوار معه وتمحيصه واستخراج مكنوناته لكي نستعين بمعطياته في بلورة عمل وطني وسياسي في منطقة نطمح أن تكون مرة أخرى قبلة للعمل السياسي في سياق ما نحلم به من دولة الجهات وفي خلال ما نحلم به من الديموقراطية المحلية .

والنقد الذي نتقصده في هذا المقام ليس إلا بلورة للإمكانيات إن كانت، وتجاوزا للأخطاء إن حصلت،فالمقصود بالنقد هو "تبين مواطن الإمكان، وتطويرها، ومواطن التجاوز والتنبيه عليها".

إن النقد الذي ننوي إنجازه في هذا المقام هو نقد إيجابي تمتينا لحس المواطنة الذي نتمتع به، وتحقيقا للاستمرارية النقدية والسياسية التي نؤمن بها، ومسؤولية حضارية وسياسية ووطنية لا بد لجيلنا أن ينهض بها النهوض الذي هو أهل له لأنه وريث الحركة الوطنية ورائد العمل الديموقراطي.

بناء على كل ذلك لا بد من التوقف، في نظرنا، عند أهم الأسئلة التي نراها ذات قيمة في تبين أي مشروع نقدي متعلق بالفكر الوطني عامة والذي نعتبر هذه الملامح السياسية أولى سماته ونقاطه:

السؤال الأول يتعلق بمسألة الوجود؛ ولذلك لا بد من التساؤل عن وجود الحركة الوطنية في الشمال، وما يطرحه وجودها من إشكاليات تاريخية وسياسية. السؤال الثاني، يتعلق بمسألة الطبيعة؛ ولذلك لا بد من التساؤل عن طبيعة تلك الحركة، وعن خصائصها، وعن القواسم المشتركة بينها وبين سائر مكونات الحركة الوطنية في البلاد. السؤال الثالث، يتعلق بمسألة القيمة؛ ولذلك لا بد من التساؤل عن قيمة الحركة الوطنية في الشمال، وعن امتداداتها في وعينا السياسي الحالي، وعما إذا كانت تشكل عامل إعاقة أو مساعدة في المسألة الديموقراطية في الشمال خاصة، وفي الوطن عامة. السؤال الرابع، يتعلق بمسألة الحدود؛ ولذلك لا بد من التساؤل عن حدود تلك الحركة ، وعن السدود التي تقف عندها فلا تستطيع تجاوزها.

من المغرب المركزي إلى المغرب الهامشي: خطاطات أولية لتدارك الأزمة الشمالية

         الوضع الكارثي في الشمال عامة، وفي تطاون خاصة، بداهة لا تحتاج إلى دلائل عقلية،بل إلى تدارك استعجالي للأسباب التالية:

طول عهد الكارثة بالشمال منذ الاستقلال إلى الآن،

عدم استفادة الشمال من ثمار الاستقلال مثلما استفادت منها باقي الجهات،

إحساس أهل الشمال بالتهميش والإقصاء من مواقع المسؤولية ومقتضيات المواطنة،

تمكن الأنشطة اللاشرعية (تهريب، مخدرات، هجرة سرية) من مجموع الأنشطة الإنتاجية لأهل الشمال.

         نشوء صورة سيئة لأهل الشمال لدى بقية المغاربة نتيجة لتراكمات تاريخية وممارسات سياسية،

إن من شأن هذه الأسباب أن تخلق وضعا نفسيا (اليأس)  واجتماعيا( الانحراف) واقتصاديا (التهريب والتجارة المخدرات والدعارة) وثقافيا ( التغرب عن القيم الثقافية والاجتماعية الوطنية) يعزز روح التنكر للإحساس الوطني، ومن ثم التفكير في الهجرة المادية أو الفكرية إلى أوطان أخرى (إسبانيا مثلا) نظرا لتفاقم الوضع الكارثي الذي يمكن إجماله في المظاهر التالية:

انعدام البنيات التحتية (طرق سيارة، موانىء مجهزة، مطارات حديثة، وحدات صناعية منتجة،

تفاقم ظاهرة البطالة بين صفوف المتخرجين بعد استنزاف خزينة الدولة في تعليمهم،

ترييف مدن الشمال، والقضاء على الطابع العمراني والحضاري الذي يميز حواضره.

القضاء على المكتسبات الصناعية والاجتماعية الموروثة من عهد الاستعمار الإسباني مثل وحدة الورق أو الدخان أو السكر

         إن الوعي بهذه المظاهر الكارثية ينبغي أن يحدث إرادة صادقة في المضي إلى تداركها بالكيفيات التالية:

 توقيف الهجرة من الجنوب إلى الشمال مع ما تجلبه معها من ثقافة "الحرشة" و"الشيخات" و "التسول بالعاهات"

التفكير الجدي في التنمية الاستعجالية المتوازنة المدركة للخصوصيات الثقافية والحضارية للشمال ومجموع مدائنه،

إحداث بنيات جديدة للخدمات كالصحة والتعليم والسكن والترفيه..، 

عدم التضييق على الحريات العامة، ولا سيما تلك التي تمس عملية تأسيس الأحزاب السياسية ذات القيادات الشمالية (حركة الاشتراكيين الديموقراطيين المغاربة أو حزب الإصلاح والوحدة ) والجمعيات ذات الصلة بالثقافة الإسبانية ( حلقة أورتيغا إي غاسيت للفكر المغربي الإسباني) ، و بالتاريخ السياسي المشترك الإسبانومغربي (اللجنة المغربية للدراسات حول الحرب الأهلية الإسبانية) أو بالتاريخ المغربي الشمالي (مؤسسة ابن عبد الكريم الخطابي).

عدم سد أبواب المسؤولية أمام أبناء المنطقة في قطاع الخدمات العامة والبريد والصحة والبنوك والشركات والأمن والتعليم

استحضار الثقافة الشمالية في وسائل الإعلام السمعية البصرية، وعدم تقديمها موضوعا للسخرية كما يقع أحيانا في بعض المنتوجات الروائية التافهة جدا ( مسلسل وفاء بطولة أمينة رشيد وآخرون) أو تشويه الواقع السوسيوثقافي للشمال ( فيلم "أوشتام" أو فيلم "ومن بعد").

رد الاعتبار إلى الوطنية الشمالية والتاريخ الشمالي والابتعاد به عن نقطة المزايدة.

 

بذور الفكر المدائني في تطاون العامرة : التأريخ للمستقبل

         أقدر أن العمل الـّذي أصدره خالد الرامي بعنوان "تطوان خلال القرن الثامن عشر: تاريخ وعمران"(*) يندرج في سياق الممارسة العلمية الشاعرة بالواجب الأخلاقي والحضاري تجاه مدينتها، ومن ثم ضمن ممارسة منخرطة في ماضيها من حيث هو مادة للدراسة، وملتزمة بمستقبلها من حيث هو مادة للحياة. وأستطيع أن أسوق جملة من الشواهد على ذلك إلا أني سأجتزئ بآثنتين، أراها ذات دلالة فيما يتعلق بصلة المؤرخ بحاضره، ونظام التعاقدات الـّذي يصدر عنه في بناء صلته بالتاريخ وبالحياة معا. الأولى ذات طبيعة معرفية تتعلق بالاستزادة من المعرفة بتاريخ تطاون، والثانية ذات طبيعة نضالية تتعلق بالدفاع عن تاريخها.

 

تعمق الوعي بأهمية الكشف عن "المصادر الدفينة" لتاريخ تطاون

         لقد قدم خالد الرامي دراسة تاريخية عمرانية عن تطاون خلال القرن الثامن عشر ونبذة عما كانت المدينة قبله؛ فوقف على مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ثم تتبع المميزات العمرانية للمدينة، ودرس عمارتها في مختلف أشكالها الدينية والعسكرية والاجتماعية على سند قوي من المخطوطات والحوالات والمصادر المخطوطة والمطبوعة والصور والخرائط. وإذا لم يكن المؤلف أضاف جديدا إلى  معرفتنا بالجانب التاريخي -وهذه لم تكن غايته على أية حال- إلا أنه ،على المستوى العمراني، قدم لنا معارف استخلصها من وقوفه الميداني على عينات من الأمكنة التاريخية، وجمعها من مصادر متفرقة مكتوبة وشفوية بحيث أثمر جهده معرفة عمرانية عامة بمدينة تطاون كبنية عمرانية تداخلت فيها عناصر محلية أندلسية، وعناصر خارجية تركية، وتمازجت فيها ضرورات أمنية بحاجات جمالية ومعاشية.

         وعلى الرغم مما استفرغه خالد الرامي من جهد في تقريب الصورة العمرانية والتاريخية لتطاون، إلا أنه انتهى إلى ما يشبه البداية حيث قال: " لا مناص من التأكيد على أنه كلما تقدمت في إنجاز هذا العمل، إلا وتعمق لدي الوعي بأهمية الكشف عن "مصادر دفينة" بإمكانها الإجابة عن الإشكاليات التاريخية والعمرانية العالقة، وأذكرمن بين هذه المصادر سجلات الحوالات الحبسية والوثائق المحلية والأجنبية" (ص169). ومن جهتنا، فنحن نعد هذا القول بداية لاستئناف الجهد الـّذي بدأه الرجل، وأغلب الظن أنه سيستمر فيه، ولا سيما أنه بصدد إعداد رسالة أكاديمية حول "النظام القديم لتوزيع الماء بمدينة تطوان". إلا أنا نعده من ناحية أخرى دعوة إلى تيسير مسالك الوصول إلى هذه المصادر الدفينة أمام الباحثين والمؤرخين واستخراجها من مدافنها حتى تصبح مادة للبحث والتأويل. هناك العديد من الوثائق والمخطوطات قيد الحبس، ولا بد من إطلاق سراحها. ولدى العديد من الباحثين والمهتمين شعور أن أصحابها ليست لديهم الإرادة لفعل ذلك، إما لحكمة تاريخية يمتلكونها، أو لاعتقادهم أن الوقت لم يحن بعد لإظهارها، أو ضنا بها على غير اهلها، أو ما لسنا ندري من مانع يمنعهم من ذلك؛ خصوصا فيما يتعلق بمعرفة الحقيقة التاريخية المتعلقة بتاريخ تطاون المعاصر، وبالأخص الفترة الممتدة بين العشرينات والخمسينات الـّتي ما تزال تنزف في ذاكرتنا التاريخية بكثير من الطلسمات والأسرار. إن الأمر يتعلق بمسؤولية حضارية بين الأجيال؛ فالحقيقة مسؤولية جيلية مستمرة على الجيل السابق أن يطلع عليها الجيل اللاحق وهكذا دواليك. لا بد من "ديموقراطية الحقيقة"، ولا خشية من "الفتنة"، فهناك من الضمانات المعرفية والسياسية ما يهئ تقبلها في أفق التصالح معها. وأعتقد أن إطلاق سراح الحقيقة المبثوثة في الوثائق والمخطوطات، ينشأ ويتواز مع تشييد "مؤسسة الدراسات التطاونية" على هدي من محبة المكان المشترك، والحرص على معرفته، والسعي في الدفاع عن حرماته. إن إنشاء هذه المؤسسة قد يستطيع تجميع الجهود من أجل تقديم معرفة متكاملة عن تطاون تاريخا وعمرانا وإنسانا لاستخدامها في سعادة الإنسان وتقدم العمران معا. لقد درس خالد الرامي تطاون تاريخا، وعمرانا، ولكن أين هي الدراسات الأثروبولوجية الـّتي تعمق معرفتنا بمدينتنا فتزيدنا علما بالمجال المعنوي الـّذي وجد فيه العمران والتاريخ؟ لا أستطيع أن أقطع برأي فأقول إنا نفتقر إلى دراسات حول أنماط الحياة في تطاون، كيف يعيش الإنسان في تطاون؟ كيف يفرح؟ كيف يحزن؟ إلى غيره من مظاهر الحياة العامة. هناك منظومة متكاملة من الموت ومن الفرح عل سبيل المثال، تنتظر من يتناولها بالدراسة والبحث والتحليل والتأويل إذ أن هناك أرخبيلات محصنة ما تزال عصية عن الفتح العلمي، والتمتع السيكولوجي، وليس من فاتح لها إلا ذوو العزيمة الرسولية من الدارسين. وأعتقد أن هذا من بين مهام مؤسسة الدراسات التطاونية المنتظرة؛ مهامها أن تفتح تلك الأرخبيلات أمام معرفتنا حتـّى نزداد علما بأنفسنا وإدراكا لتاريخنا، وتطلعا إلى مستقبلنا. إنما أقدر أن المحفز على تأسيسها لن يكون محفزا علميا فحسب؛ إذا قدر لها أن توجد، بل محفز قضوي أيضا، والمقصود بذلك الخروج من العلم إلى الإيديولوجيا، أو من المعرفة إلى الالتزام بالمعروف، وهو في حالتنا تطاون كقضية وكتاريخ وكمستقبل. أما أن تكون محض مؤسسة أكاديمية، تحصل العلم من أجل العلم لا من أجل الحياة، أو تكون مؤسسة "عرقية" تكرس انتماءا تفريقيا لا تأليفيا، فهي سقط متاع لا حاجة لنا بها تماما. 

         إن الإشكاليات التاريخية والعمرانية العالقة، كما يقول خالد الرامي، حقيقة واقعة،  ولكن مع ذلك لن نطمع في أن تكشفها لنا "المصادر الدفينة"، على أهميتها، ما لم نطمع في إيجاد منهجية ملائمة لاستغلال محتوياتها. إن الجمود على منهجية التوثيق التي يرتضي بها بعض الموثقين في مدينتنا الانخراط بها في صف المؤرخين، لم يعد مجديا. لا بد من بعض الحضور الذاتي بين ركام الوقائع. وبعبارة أخرى لا بد من تأويل الوقائع حتـّى يتم فهمها فهما يرتضيه العقل وترتضيه نواميس التاريخ. والواقع أن خالد الرامي استفرغ جهده في تأويل بعض الوقائع في كثير من المواطن، ومارس ما ينبغي أن يكون عليه كل مؤرخ؛ وأقصد بذلك حضور "الحس النقدي"، إلا أن هذا الحس ما يزال مطلوبا ترسيخه لدى بعض من يدرس تاريخ تطاون من الجيل الجديد، ولا سيما أنه "تاريخ إشكالي" بعض مظاهره أنه تاريخ غير معروف على وجه الدقة، ومتنازع في تاريخيته.

         ويخيل إلي أنا سنثقل من مهمة المؤرخين لو طالبناهم بهذا الشرط، ولكنا لن نقبل العذر من غيرهم ممن لهم ولع بـ"فلسفة" تاريخ تطاون. إن فضيلة المؤرخين في تطاون هو أنهم يقدمون لنا المواد اللازمة لصنع تاريخ تأويلي لمدينتنا، ينطلق من الواقعة لكي يصل إلى الحكم. غير أن بعض الوقائع في تطاون لا تسمح بممارسة مريحة للتأويل إما لأنها وقائع قلقة غير دقيقة أو مطعون في واقعيتها، ومن ثم فأي انطلاق منها قد يخطئ الغايات. فعلى سبيل المثال، لما أراد خالد الرامي الحكم على الحياة الثقافية في تطاون خلال القرن الثامن عشر، اصطنع جملة من الوقائع ساقته إلى القول إن الحياة الثقافية فيها كانت مزدهرة إلى درجة تشكيلها "أرقى المستويات في النضج الثقافي الـّذي وصلته المدينة خلال تاريخها الحديث"    ( ص95).ثم انبرى يجد لها مظاهر خافتة مثل "حضور طلبة نجباء من تطاون لحضور الحفلات الدينية السلطانية"، أو مظاهر وهاجة مثل "ازدياد عدد المدارس، وغزارة الإنتاج العلمي" -الـّذي لم يحدثنا عن مظاهره- و"تطوير علم الخطوط"، و"بروز المحاولات الأولى لكتابة تاريخ تطاون"، و"ارتفاع عدد العلماء المتصدرين لخطة التدريس"... ولكنه بعد ذلك بقليل، يحكم بتفشي "العقلية الخرافية" بين الفئة المتعلمة، ويسوق لها أسبابا أربعة: أولاها "وجود جبهة قوية من العلماء المحافظين"، وثانيها "طبيعة الممارسة الوقفية"، وثالثها "غياب احتكاك حضاري حقيقي مع العالم الأوروبي المتقدم"، ورابعها "فرض الدول الأوروبية حصارا تكنولوجيا على المغرب". (ص 105-106)

         وقبل فحص الأسباب الـّتي ساقها كتفسير لما زعمه من تفشي "العقلية الخرافية"، لا بأس من التساؤل:" كيف تمثل تطاون أرقى مستويات النضج الثقافي الـّذي وصلته المدينة خلال تاريخها الحديث"، وهي في نفس الوقت تشكو من عقلية خرافية "توقف في الإنسان منطق العقل وتعميه عن رؤية الواقع على حقيقته"؟ (ص105) ليست النهضة االثقافية في نظرنا إلا ابتداء وعي ما، وهذا الوعي يجد مظاهره في مواد قابلة للحكم والتقييم، أو قل في مظاهر كمية وكيفية هي ما ساقه خالد الرامي من مظاهر عامة مما سبقت الإشارة إليه. وإذن هناك احتمالات إما أن هذه النهضة لم تقم لها قائمة البتة، ومن ثم فالحكم بوجود "عقلية خرافية" حكم صحيح، غير أن الحكم هاهنا لا يصدق على واقعته، بل على واقعة أخرى لم ينقل لنا المؤلف خبرها، أو أن "العقلية الخرافية" موجودة، ولكن ضمن "نومة" ثقافية كاسحة، ومن ثم فالواقعة صحيحة والحكم عليها غير صحيح. وفي جميع الأحوال إن ما انطلق منه خالد الرامي لا يمثل الواقعة الصلبة الـّتي تمكن من الحكم المطمئن إلى معاييره ومسوغاته، أو أنه أنزل حكما على واقعة غير موجودة. والواقع أنا لو تساهلنا كثيرا، وكان لا بد من اصطناع الحكم الـّذي اصطنعه المؤلف، ولكن بفهم مقتضيات النهضة وإلزامات "العقلية العلمية"، لقلنا إن النهضة الثقافية موجودة، وإن "العقلية الخرافية" تمثل آخر الحصون الـّتي ستسقط في وجه هيمنتها. آنئذ يصح القول بوجود صراع بين عقلية نهضوية وعقلية خرافية.

ولكنا إذا تجاوزنا هذا التقسيم الوضعي-التجريبي الـّذي يرتضيه المؤلف(رؤية الواقع على حقيقته؟ أية حقيقة للواقع هذه؟) لجاز لنا رؤية ما يعتبره خالد الرامي من "عقلية خرافية" هي عين العقلية الـّتي تعبر عن الواقع في تطاون يومئذ، ومن ثم فهي العقلية الواقعية الـّتي تمثل حقيقة الواقع، والتي اقتدرت على "رؤية الواقع على حقيقته". ألهذا القدر من البؤس ينبغي أن تصير أحكامنا لكي نرى الواقع على حقيقته؟ إن النظر إلى الوقائع في تطاون القرن الثامن عشر أو غيره، ومحاكتمها بمنهجية وضعية، كمنهجية الرحالة البولوني الـّذي ينطلق من مركزية أوروبية ثنائية، إنما هو نمط من الرؤية الغير الواقعية للواقع على حقيقته، ومن ثم انخراط في نفس المركزية وصدور عنها. لا يشتغل العقل بكيفية واحدة، ولا يتمنطق بالمنطق بطريقة مخصوصة. هناك أنماط من العقل، وألوان من المنطق، بقدر ما توجد من الثقافات، واشتغالها بكيفية مخصوصة أمر واقع لا ترتضيه المركزية الأروبية، ولكنه يتحدى بقوة جبروتها العلمي والسياسي. وعلى هذا، فإن اشتغال المنطق والعقل في تطاون خلال القرن 18 هو اشتغال خاص يجب النظر إليه من منطلق أنثروبولوجي تاريخي عارف بأسراره، وخبير بدقائقه. أما إسقاط الأحكام الحالية على الوقائع الماضية لتسويغ منهجية في التأويل، ومجاراة المصادر الأوروبية، أو مصادرة على المطلوب، فليس يخدم لا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل.

         بعد كل هذا، أحب أن أقف مع خالد الرامي أمام أسبابه الأربعة الـّتي فسر بها وجود "العقلية الخرافية" في تطاون خلال القرن الثامن عشر. أولا، يجب أن نعد قوله بوجود  "جبهة قوية من العلماء المحافظين" قولا مجازيا، وإلا لطالبناه بتقديم الدليل على وجود هذه الجبهة كما نفهمها في حاضرنا، وكما قد نفهمها خلال القرن الثامن عشر. لم يصح وجود ّجبهة من الفقهاء"، تكتلت تحت شعار معلوم؛ اختلفت به عن جبهة أخرى من الفقهاء "الليبراليين"، وإن يكن قد وجد الفقهاء كعنصر من عناصر الوقف الشرعي في تطاون، لهم وقفهم ومعاشهم وسائر شؤون حياتهم، على غرار ما حدثنا عنه المؤلف من تخصيص مجالي كانت الحرف بمقتضاه خاضعة لتنظيم مجالي خاص، توجد فيه داخل المدينة ضمن تقسيم للعمل فريد من نوعه. وبناء على  ذلك، على الدارسين أن يحدثونا بتفصيل أكبرعن نظام الفقهاء وعمن كان أمينهم، وكيف كانوا يصرفون أمورهم الفقهية والاجتماعية إلى غير ذلك من الأمور التنظيمية حتـّى نستطيع تقدير الإمكانيات التاريخية والفكرية الـّتي أهلت بعض الفقهاء المحافظين  منهم لكي يشكلوا جبهة قوية تمنع وجود "العقلية العلمية". لن أجادل في صحة وجود هذه الجبهة، أم لا،  ولو بشكلها المجازي، على الرغم من أن خالد الرامي لم يقدم لنا مظاهر محافظة الفقهاء الذين يشكلون قوتها، إنما أراني مضطرا لكي ألح على القول على ماذا كان يحافظ هؤلاء الفقهاء حتـّى نعتوا بـ"المحافظين"؟ في نظري الجواب بسيط للغاية: إنهم حافظوا على الشخصية الحضارية المتمثلة في وعي الأمة وتراثها ودينها وأخلاقها وعلومها. ولكي يكونوا غير ذلك، عليهم أن يكونوا علماء " مفرطين" في جميع ما سبق. إن مفهوم "المحافظة" مفهوم غير دقيق البتة إذا فحصنا إلزاماته، وغامض إذا طبقناه على التجربة التاريخية لفقهاء تطاون خلال القرن 18، ومضر لفهمنا بالتاريخ الحضاري لمدينتنا إذا أخذناه بالمعنى السياسي، ومتهافت إذا أخذناه بمعناه الأخلاقي. ولعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو " بالنسبة لمن كان هؤلاء الفقهاء محافظين؟ أَصَحّ وجود فقهاء ليبيراليين في تطاون حتـّى نقارنهم بهم؟ أَصَحّ وجود فقهاء في أوروبا نحب أن نجد لهم أشباها ونظائر في تطاون؟ لنلاحظ أن مفهوم "الفقه" أصلا مفهوم محمول على تجربة ثقافية وتاريخية تختلف عن التجربة التاريخية والفكرية الـّتي يصدر عنها بعض المؤرخين لما يجعلوا من الغرب المرجعية الـّتي بمقتضاها يتم الحكم على الأشياء. االمشكلة تكمن في استعارة قوالب التفكير من الغرب وتطبيقها على سياقات مختلفة بالمطلق على سياقاتهم. ليست شهادة الرحالة البولوني الـّذي استدل به خالد الرامي بالشهادة العدل، إلا فيما يخص الوقائع، أما الأحكام فإنها تختلف من دارس إلى آخر. وحتى هذه الوقائع تم فهمها ضمن عادات النظر وتقاليد التفكير الغربي الـّتي اعتادت رؤية الأشياء بمنظارها مقارنة إياها بذاتها، جاعلة من نفسها هي المبدأ والمنتهى. لذلك ينبغي أن نحتاط من الأخذ بكل ما يرد علينا من المصادر الأجنبية على أهميتها؛ لأنها تصدر عن تجارب تاريخية ليست هي تجربتنا، وتصطنع مفاهيم للتحليل غير ما تحتمله وقائعنا، وإن كنا لا نرى غضاضة في الاعتبار بها، والاستفادة منها.

         أما طبيعة الممارسة الوقفية الـّتي كرست "من حيث لا تدري الجمود الفكري" (ص105-106)، فلست متفقا مع خالد الرامي فيما ذهب إليه؛ إذ أن هذه الواقعة لا تحتمل حكما واحدا كهذا، بل حكما آخر قد يكون ما مفاده أن طبيعة الممارسة الوقفية حافظت على صيرورة العلم من جيل إلى جيل، وهيأت الأسباب لتوارثه خلفا عن سلف وهذا هو الأساس. فكما حافظ العلماء على هوية الأمة، حافظ الوقف على وعي الأمة، وصان ذاكرتها، وكرس قيم التعاون والتآزر بين أجيال قضت وأجيال ما تزال على قيد الحياة. وما سماه خالد الرامي "جمودا فكريا"، هو بالأحرى حياة فكرية نشيطة، ولو اتخذت مظاهر التكرار لا الحوار؛ لأن شرط الفكر حاضر من حيث هو متون ومصنفات وكتب وحواشي وتفسيرات وشروح، ولو أن الفعالية الفكرية غائبة من حيث هي استثمار أدواته في فتح آفاق إشكالية جديدة. إنما الأولى الحديث عن "تجديد الفكر"، لأنه حي ومتحرك بقدمه وتكراره، وليس جامدا أو راكدا من حيث مضامينه أو محتوياته. والحال أنه سنجمد بدورنا على تصورات من هذا القبيل، فنرمي مجموع الفكر الفقهي الـّذي كان متداولا يومئذ في تطاون بـ"الجمود"؛ لأن منطلقنا في الأحكام هو الغرب، كأنا نريد أن نقارن الفكر الفقهي في الغرب بما لدينا في تطاون، فنخرج بأحكام مجحفة نصور بها الوضع العام لدينا بالكارثي، كأنه لن نتقدم إلا بما تقدم به غيرنا، لا أن نصنع شروط تقدمنا النابعة من تجربتنا التاريخية، وخصوصيتنا الحضارية، ومميزاتنا العقدية.

          وأما " فرض الدول الأوروبية حصارا تكنولوجيا على المغرب"(ص106) ، فهو أمر فيه نظر.  إذا كان صحيحا وجود هذه الواقعة، فعلى سبيل المجاز، أو على سبيل عدم الدقة، أو على سبيل التقريب؛ إذ الأمر كان، بوجه من الوجوه، محض حصار "ميكانيكي"، ولم يكن حصارا تقنيا؛ لأن الحديث عن التقنولوجيا خلال القرن الثان عشر، لم يكن ممكنا حتى القرن العشرين مع اختراع العقل الآلي ودخول السبرنيطيقا مجال التداول العلمي والآلي. ومع تسليمنا بكل ذلك على علاته، أية علاقة للعقلية الخرافية بحصار التقنولوجيا؟ ألسنا ننعم بثمار التقنولوجيا ولكن عقليتنا ما زالت غير تقنولوجية؟ لا يكفي وجود التقنولوجيا فنقرر وجود العقلية العلمية، ولا غيابها فنقرر وجود العقلية الخرافية. الأمر في جميع الأحوال نسبي. ولكن الأمر المؤكد هو ضرورة وجود العقلية التقنولوجية والثقافة التقنولوجية. وليتسع لي صدر خالد الرامي قليلا، فلربما نعدم وجود هاتين المسألتين في تطاون القرن الحادي والعشرين، على الرغم من وجود مظاهر تقنولوجية صارخة في حياتنا اليومية.

         وأما غياب احتكاك حضاري حقيقي مع العالم الأوروبي المتقدم (ص106)، فأراني أسأل المؤلف بداية: أي تقدم نقصده في هذا المقام؟ وبأي معنى؟ التقدم بالنسبة لمن؟ سيكون من الظلم العظيم النظر إلى التجارب التاريخية الغير الأوروبية من الزاوية الأوروبية فنحكم عليها بـ"التأخر". إن الدرس التاريخي يعلمنا كيف ننظر أولا إلى التجارب الحضارية بالنسبة إلى ذاتها، لا بالنسبة إلى غيرها، ثم نحاكمها إذا كان ولا بد من منطلق النسبية والمنظارية والخصوصية. ثم أي مفهوم هذا هو مفهوم التقدم؟ أليس يتعلق الأمر بتصور خطي للتاريخ، وفهم منبسط للمكان مما ورثناه عن الأسطوغرافيا التقليدية والهندسات الأوقليدية؟ أليس يتعلق الأمر بتصور للتقدم باتجاه واحد وليس باتجاه متعدد؟ أليس التقدم تأخرا بالنسبة لنقطة أبعد منه في الأفق؟ والقول بعدم وجود احتكاك حضاري حقيقي مع العالم الأوروبي، فيه بعض المبالغة نظرا لأن تطاون لم تكف تاريخيا عن الاتصال بالعالم الخارجي سواء من الناحية التجارية (التبادل التجاري مع بلدان قاصية) أو من الناحية العسكرية (الغزوات الـّتي تعرضت لها طيلة تاريخها من لدن الإسبان أو البرتغاليين). ثم إذا سلمنا مع خالد الرامي بصحة واقعة عدم الاحتكاك الحضاري الحقيقي مع العالم الأوروبي، فإن هذه الواقعة غير مسؤولة عما يسميه بالعقلية الخرافية؛ لأن أوروبا ذاتها كانت ما تزال تخطو الخطوات الأولى في درب "التنوير"، والخروج من الوصاية الكنسية وهيمنة الفكر الأرسطي، ولم يكن من الممكن الحديث عن ثمار لعصر الأنوار إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ حينما أصبح العقل ثمرة طيبة من طيبات الحياة المريحة (على المستوى المادي) ونعمة عظيمة من نعم الحياة الكريمة على المستوى السياسي، لما تم تحقيق غايات الثورات، ونفذت عمليات الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية والإقطاعية. ومع فرض وجاهة الأسباب الـّتي ذهب إليها خالد الرامي، في تفسير وجود العقلية الخرافية في تطاون خلال القرن 18، إلا أنه كيف نستطيع تفسير مظهرين اثنين على جانب عظيم من الأهمية وقف عندهما المؤلف، ولكنه ذهل عن مضمونهما العقلاني أولهما "شبكة التوزيع المائي"، وثانيهما "التخصيص المجالي". لقد درسهما المؤلف دراسة وافية وسيستزيد من أحدهما مستقبلا، ولكنه لم ينتبه إلى تقرير أن هذين المظهرين يؤكدان العقلانية العمرانية الـّتي تجسدت ماديا وعمرانيا واجتماعيا في توزيع الماء بكيفيات معلومة وتوزيع الحرف في مجالات مخصوصة. ألا يدل ذلك على انتقال العقل إلى المجال واشتغاله بطريقة منطقية؟ ألا يدل على وجود "ذوي العقول السليمة" كما يقول المؤلف نفسه (ص 165). بل كيف يمكن عدم إدراك ما ينطوي عليه مفهوم "ألتكافل الاجتماعي" من آليات العقل الأخلاقي رغم أن المؤلف درسه جيدا، ووقف عند مظاهره، وقدم نماذج منه في مؤسسة الأوقاف؟ (ص84-89) يبدو لي أن العقلية الخرافية حكم لا يناسب تماما أحوال الفكرية والثقافية لتطاون خلال القرن الثامن عشر. إنه حكم فضفاض قد لا ينطبق بالمطلق على حالة تلك المدينة في ذلك القرن. إن ما يعتبره خالد الرامي كذلك هو جزء من رؤية العالم، وطرف من التداول العام الـّذي كان سائدا يومئذ في المجتمع التطاوني. والاستدلال على ذلك بما ورد لدى السكيرج، أو ما عثر عليه الباحث من شهادة عدلية، لا يؤكد البتة هذه المسألة، ولا يقوي حجته فيها. إن ما رآه المؤلف من حديث عن "الكرامات"، إنما يتعلق بمنظومة فكرية متكاملة لها مصادرها المعرفية الخاصة، وتصورها للحقيقة متميز. وعلى سبيل المثال لا يصح رمي التصوف؛ كتجربة وجدانية ذوقية بالخرافة، فقط لأنه لا يستجيب لمنهجية الباحث العقلية، ولا لأشواقه في وجود بنيات ديموقراطية عقلية تصون الأمكنة التاريخية وما تتلبس به من بنيات اجتماعية واقتصادية وثقافية. التصوف كاختيار معرفي وسلوكي له مسوغاته في أنماط عقلية أخرى تحدث عنها بعض الباحثين بإسهاب وأنهوا الجدل في ركام الأوصاف والأحكام الـّتي ألصقت بها . وليس من الضروري أن تتماثل المكتسبات العلمية الأوروبية مع مكتسبات المجتمع التطاوني خلال القرن 18 حتـّى نصدر أحكاما بتأخر المجتمع التطاوني. ينبغي علينا إحصاء العلوم جيدا حتـّى لا نقع في مقارنة علم المواريث الإسلامي بعلم وضعي كالفيزياء النووية، وننتهي إلى الحكم بتخلف الأول وتقدم الثاني. نحتاج قدرا من التسامح لكي نؤكد أن الموقف الطبيعي الموضوعي يحثنا على ترك التفاضل بين العلوم، ومن ثم فمقدار العلمية في علم المواريث مقدار معلوم لا ينكره إلا من غابت عنه أصول العلم ومبادؤه ودقائق هذا العلم ذاته، وإلا لحكمنا بتخلف كل العلوم الشرعية الـّتي كانت تدرس في تطاون خلال القرن 18 لأنها علوم نقلية لم تكن على شرط العلوم التجريبية كما يرتضيها الرحالة الأوروبي في نظر خالد الرامي (ص104).

         لكل هذه الأسباب نرى أن الحكم الـّذي أصدره خالد الرامي حكم غير دقيق، ومن ثم فهو حكم لا ينطبق على حال مدينتنا، وأحرى النظر إلى حالتها كعقلية فقهية تدرس العلوم الحضارية، وعقلية صوفية لها اختياراتها النظرية ومسلكياتها المعرفية. وهكذا يبدو أن "الوصف" هنا أفضل من "الحكم"، ما دامت الوقائع غير كافية في جعلنا نصدر أحكاما قيمية قد تصدق في مجال آخر، وفي تجربة تاريخية أخرى. وهذا ما تأكد لدى خالد الرامي الـّذي شعر حالما انتهى من عمله، إلى تعمق الوعي لديه بالحاجة إلى كشف المصادر الدفينة لتاريخ تطاون. ويعني هذا، فيما يعنيه، أن الأحكام الـّتي رافقت ما توفر لدينا من وقائع غير كافية ولذلك فلا بد من استكمالها حتـّى تكون صحيحة الصحة الـّتي تسمح لنا بفهمها في إطارها التاريخي، وفي سياقها الحضاري، ومن ثم الدفاع عنها.

         هنا انتقل بالحديث عن الشق الثاني المتعلق بالطبيعة النضالية للبحث التاريخي لدى خالد الرامي.

 

الطبيعة النضالية للبحث التاريخي

         لدي شعور عارم أن الباحث لم يكن يصدر عن هم معرفي خالص أثناء تأريخه لتطاون خلال القرن الثامن عشر، بل كان يصدر عن "هم نضالي" تفرضه الضرورة الإيديولوجية الضاغطة، ولو لم يكن للباحث وعي بها. ولا ضير في ذلك مادام الرجل ينطلق من محبة المكان المشترك الـّذي ينتمي إليه أو يعيش فيه. هنا ينبغي أن نؤكد أن التاريخ هو العلم الإيديولوجي بامتياز؛ فلا يستطيع أن يتخلى عن شعوره الوطني والمدائني، إلا من جفت ينابيع الإيمان لديه بكل أواصر الانتماء إلى الأرض والإنسان. ولا نظن أن هذا هو حال خالد الرامي، فإن عزمه على تجديد البحث في "شبكة توزيع الماء" بتطاون، لها أكثر من دلالة في سياق الدعوة إلى إنعاش الغيرة المدنية، بماء الحقيقة التاريخية، بكل ما ينطوي عليه مفهوم الماء من رمزية الخصوبة والحياة والطهارة والتجدد والانبعاث.

         كما ينبغي أن نؤكد أن محبة المكان المشترك لا تحول قطعا دون البحث عن حقيقته المفترضة في المصادر الدفينة، ولو كانت حقيقة مرة؛ لأنه بقدر ما هناك من ضرورات إيديولوجية، بقدر ما هنالك من ضرورات علمية موضوعية تحتم التصدي لكشف الحقيقة أنى كانت طبيعتها. بل إن محبة المكان المشترك قد تكون هي الحافز على التصدي للبحث التاريخي عن الحقيقة العمرانية أو الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو ما شابه دون وجل أو خوف. وأعتقد أن شعورا كهذا الشعور يوجد لدى خالد الرامي، فهو من كان يجعله بين الفينة والأخرى "يتأسف" و "يحذر" و "يدعو"  و "يوجه نداء" إلى غير ذلك من الأفعال الدعوية الـّتي تخرج به عن المؤرخ إلى كمالات المؤرخ الملتزم بقضيته. فأي شئ كان يدفع الباحث إلى سلوك هذا السبيل؟ أهو القصد الأكاديمي؟ لن يقع شئ لو لم يقم الرجل بإطلاق هذه الأفعال الدعوية، فإن طريق المعرفة كانت ستبلط بقوة وبصلابة دون الحاجة إلى التحذير أو التنديد أو التأسف. إذن لا أراه إلا القصد النضالي الـّذي يدفع الباحث تارة عن وعي وتارة بدون وعي إلى سلوك الدرب الـّذي رأينا خالدا الرامي سالكا إياه، درب الأفعال الدعوية، خارجا به عن مجرد إخبارنا بـ"الحالة" إلى المطالبة بـ"إنقاذ" الحالة، ومن محض "وصف الحالة" إلى "المطالبة بحقوقها" علينا في الرعاية والصيانة. كاني بالرجل هاهنا يمارس دوره السياسي الحضاري العام حين يطالب بحقوق وقد أدرك الواجبات. ولن يكون المؤرخ الحق إلا ذلك السياسي الماهر الـّذي يحسن بمعرفته التاريخية وحسه الوطني، كيف يطالب غيره باحترام الماضي لأنه ماضي الإنسان والعمران معا ولأنهما جزء من المستقبل أيضا. استمع إليه يحذر مما آلت إليه الشبكة المائية السكوندو تعلم صحة ما نقول:" والجدير بالذكر أن نظام توزيع الماء "السكوندو" يعرف حاليا مشاكل وصعوبات خطيرة تهدده في وجوده، مع العلم أن مظاهر الخلل  كانت قد بدأت تتطرق إليه منذ فترة الحماية لتزداد استفحالا غداة الاستقلال خصوصا بعد تخلي الأحباس عنه بدعوى كثرة المصاريف ومجانية الاستهلاك." (ص 126)

         ثم استمع إليه يندد سرا وعلانية بالمسؤولين عن هذا التردي لكي تدرك مدى الالتزام الأخلاقي بالمكان المشترك:" أضف إلى كل هذا الآثار السلبية لتدخلات بعض المستفيدين التخريبية، وهو ما يفسر انقطاع الماء عن جل السقايات العمومية الكبرى كسقاية باب التوت وسقاية باب العقلة وغيرهما" (نفس الصفحة)

         ثم اصغ إليه يوجه نداء "استعجاليا" لإنقاذ شبكة السكوندو تعرف كيف أن استحالة الحياد أمر وارد لدى المؤرخ دائما:" وتستدعي خطورة الحالة الـّتي وصلت إليها شبكة السكوندو تدخلا استعجاليا وفعالا لإيقاف احتضارها ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من هذه المعلمة الحضارية الفريدة، فالممكن اليوم قد يصير مستحيلا غدا" (نفسه).

         ثم انتبه إليه يؤكد دعوته قائلا:" ولا يخفى على أحد أن إنقاذ هذه الشبكة-المعلمة- بمختلف عناصرها سيزيد من جاذبية المدينة ومؤهلاتها السياحية وقبل ذلك يحافظ على الذاكرة الجماعية والوقوف على الفلسفة العمرانية الـّتي أطرت تدبير الموارد المائية عند الأجداد" (نفسه).

         ثم انظر إليه وهو يحذر :" ويجب التحذير من خطورة اختزال مفهوم السكوندو في السقايات العمومية كما يعتقد البعض، لأنها مغالطة وإجحاف في حق هذه المعلمة بل يجب إعطاؤه مفهومه الحقيقي كنظام" (نفسه).

         كل هذه الإشارات، في تقديرنا، تندرج في سياق شعور مدائني صادق بمحبة المكان المشترك، والعمل على "الحفاظ على الذاكرة الجماعية والفلسفة العمرانية الـّتي أطرت تدبير الموارد المائية لدى الأجداد"، في وقت كثر التناول الأكاديمي لتاريخ مدينتنا، كما لو أنها جثـّة هامدة لا حياة عائشة، وكما لو أن التأريخ يكتب للماضي وليس للمستقبل.

         وأكاد أجزم أن هذه الأفعال الـّتي قام بها خالد الرامي، إنما يقوم بها ذلك المواطن الثاوي في المؤرخ؛ بحيث تجعله، وهو يتعقب الظاهرة التاريخية والعمرانية، يلتفت إلى الدعوة إلى صيانتها، ويسعى إلى الحفاظ عليها. فعلى طول معاشرة المؤرخ للحقيقة التاريخية، على قدر خشيته من ضياعها، خصوصا وأنه يحز في نفسه أن يرى قومه وقد غابت لديهم الغيرة على تاريخ مدينتهم، وانعدم لديهم الوعي التاريخي بمكانهم المشترك. والمسألة في نظري نوع من ممارسة العشق بين المؤرخ والمكان الـّذي ينتمي إليه، إما شعوريا أو تاريخيا. وما أحوج المؤرخ لكي يعبر إلى ضفة المواطن أو يطلق سراح المواطن الثاوي فيه، لكي تصان "الأمكنة" الـّتي تنطوي على الحقائق؛ لأنها لا تتعلق بماضينا فحسب، ولا بحاضرنا فقط، وإنما بمستقبلنا أيضا. ولعل الأفعال الـّتي يقوم بها المؤرخ وهو يؤرخ لحقائق الأمكنة، لا تصرفه عن التوسل بالموضوعية؛ فقد تكون الموضوعية هاهنا هي عدم الإفصاح عن المشاعر الـّتي تختلج في نفسه أمام حقائق يؤمن بها بعد استفراغ جهده في تقصيها وإظهارها للناس، ومن ثم الدفاع عنها إذا ما حاق بها خطر ماحق كمثل الحقائق التاريخية والعمرانية الـّتي وقف عليها خالد الرامي ورآها إلى اندثار أو إلى تزوير أو إلى انحراف. الموضوعية هي بيان دفق المشاعر الـّتي تختلج في نفس المؤرخ تجاه مدينته، لا باعتبارها مكان الوقائع الماضية، ولكنها باعتبارها تعلة للموقف الأخلاقي من التمدن أساسا.

         وبذا يكون المؤرخ في حالة خالد الرامي قد نجح في إثبات أخلاق التواطن كممارسة للمواطنة الحقة في بعدها الواعي والنقدي والإرادي، لما سعى إلى تأكيد محبته للمكان المشترك، وهب للدفاع عن مكتسباته. كما نجح في تأكيد قيم المروءة والشهامة لما هب لنصرة حقائق آيلة للسقوط من لدن الزمن وذوي "العقول الغير السليمة" الذين دأبوا على التفريط في ذاكرتنا التاريخية، بعد أن برهنوا أكثر من مرة، على افتقارهم إلى أدنى نسبة من التحضر.

         وجملة القول، إن كتاب خالد الرامي "تطوان خلال القرن الثامن عشر، تاريخ وعمران"، بإثارته لإشكالية معرفية تمثلت في ضرورة الاستزادة من المعرفة التاريخية بالمدينة، وإثارته لإشكالية نضالية تجسدت في الدفاع عن حقائق تلك المعرفة التاريخية، إنما يجسد في نظرنا بذور الفكر المدائني، كفكر يفكر في المدينة، ويدافع عنها، ومن ثم فهو يؤرخ من أجل المستقبل لا من أجل الماضي، وفي ذلك يكون المؤرخ الـّذي سلك هذا السبيل راميا ماهرا.

 



(*)مطبعة الخليج العربي، 181 صفحة من الحجم المتوسط، تطاون 2005.


غلاف كتاب خالد الرامي

تطاونولوخيا (*)

أيتها القارئة الكريمة، أيها القارئ الكريم:

         "تطاونولوخيا" عمود شخصي بامتداد جماعي، أردت أن أضع  فيه عصارة ما أشعر به من محبة تجاه مدينتي ، وأن أضمنه فيض ما فكرت فيه حول وجودها، وأن أحمله خلاصة ما أنشغل به حول مصيرها، أملا في تأسيس علم جديد قائم على محبة المكان المشترك. إن  " تطاونولوخيا " أو علم تطاون كما هو القصد والمرتجى- بمثابة المحبة التي تؤكد الانتماء إلى هذا البرزخ الحضاري، و قبيل المشروع الذي يسعى إلى تأسيس علم تام بالمدينة؛ إلا أنها محبة عاقلة تتمنطق بالحِلم، ومشروع رشيد يتحلى بالتسامح، بعيدا عن غباء العصبية إذا "تنرجست"، و بمنأى عن مرض التطرف إذا أعمى، وفي قلب أخلاق "علم محبة المكان" إذا أينعت.

         وبما أني أشتاق إلى صياغة نمط جديد في التمدن، أو قل نمط جديد من العلاقة بالمدينة على شرط "التمادن" ، وأطمح إلى بلورة نمط غير معهود في الانتماء إلى تطاون على شرط "التطاون" ، وأسعى إلى تشكيل غير موجود في الارتباط بالوطن على شرط "التواطن"، فإني سأضع في هذا العمود كل ما أقدر أنه ينطوي، ولو على  شذرات من حدوس تفيد في صياغة ذلك النمط من التمادن، أو أعتقد أنه يحتمل جراثيم من أفكار تعين على  تحديد ذلك النوع من التطاون، أو أظن أنه يختزن لمعا من فرضيات تساعد في تهذيب ذلك الشكل من التواطن...وسأصنع جميعه بما تهيأ لي من أسباب العلم بماضي مدينتي، وما توفرت لي من آلة المعرفة بحاضرها، وما اقتدرت عليه من صنعة التأمل في وقائعها؛ اعتزازا مني بالانتماء إليها انتماء تسامح، وانفتاحا من لدني على غيرها من المدائن الوطنية والعالمية انفتاح وعي، من غير ادعاء لمفخرة كاذبة مكذوبة، أو انسياقا وراء هوى أعمى البصر والبصيرة.... غايتي تحمل مسؤوليتي الحضارية، ومقصدي أداء مهمتي المدائنية ودأبي الشهادة على الحال والمآل الـّذي تعرفه مدينتي العامرة... والرجاء كل الرجاء، أن يتم قبول "