(...) لن نكون بدعة من الناس إذا قلنا إن الحياة في شكلها الشمالي لها خواص مثلها مثل أية حياة أخرى في أية بقعة من الأرض معينة، ويحسن بنا الآن تسمية عناوينها. أما بيوتها فسيحين أوان الاستقرار فيها تفكيرا وتاملا.
العنوان الأول منها أن الولاء الحضاري لدى جيلنا في الشمال لإسبانيا الحيوية التي حلم بها مايزتو Maeztu وعشقها ماشادو Machado و مجدها غانيفيت …Ganivet لا إسبانيا التي عرف كيف يرفضها أونامونوUnamuno ويتنكر لها أورتيغا وتدير لها الظهر فيديريكا مونتسيني…Montessini ما يحدث أن إخوانا لنا في الوطن ولاؤهم الحضاري لفرنسا، وهذا حقهم ،وهم أحرار فيه؛ يعتبرون أن العالم مرئي من نافذة موليير فقط، فيما نعتبره نحن مرئي من نوافذ متعددة، شاء القدر أن استأنسنا نحن بالنافذة القشتالية، فمضينا نرى من خلالها العالم وأغلبنا يدعو إلى ضرورة تكثير مصادر التلاقح الثقافي، ويتنادى بواجب تعديد فرص الحوار الحضاري، إحقاقا لما نتطارحه نظريا من قضايا الديموقراطية
اللغوية والثقافية والسياسية.
العنوان الثاني منها أن الشمال عامة، يقع في منطقة التحضر والتمدن، والذي يرى الشمال وطنا له، يدرك لأول وهلة،أن الاستثناء قائم. ومعنى هذا أنه يقع في منطقة التخلف، ولم تستطع جاذبية التقدم أن تجرفه إلى فلكها على غير قاعدة تاريخ الحضارة. والناظر منا في شأن ذلك،يستصعب تفسيرا لما هي عليه الأمور منذ الاستقلال إلى جيلنا، لاسيما مع ما يقال عن التنمية الاستعجالية للمناطق الشمالية، ولكن مده بقليل من الحس النقدي، ونتفا من الوثائق التاريخية، وجرعة من الأمانة العلمية، تجده يرى الريادة شمالية، رسوخها في التاريخ بلا قياس، مما يصير منها المنطقة الحضارية ذات الإشعاع الوطني.. غير أن الذي جد ليس إلا صراع الريادة مع القيادة، والخضوع هو قدر العبد مهما بلغ في الحكمة أشواطا. إنها أثينا مع إسبارطة على الطريقة المغربية. لذلك تجد التخلف حقيقة معاشة بأية لغة خاطبتها أجابتك بلاغة. هذا إلى ما تتعثر فيه قدماك من حطام قلاع صامدة في الهوية الثقافية والحضارية قضى منطق
القيادةأن تتجدد نحو الانمساخ.
العنوان الثالث أن الشمال أكثر ما يظهر فيه صراع الإرادة مع الإدارة، فبقدر ما تحرص الإدارة على خلق حقائق لصالحها في التوحيد الجهوي بوساطة إيديولوجية غير مبررة حقوقيا ولا ثقافيا، تلوذ الإٍرادة بالذاكرة فترفض كل ما يتعارض مع محفوظاتها من الكلام وملجئها من المكان وعلمها من الأسماء. والغريب أن الإرادة متعارضة مع الإدارة، لم تجد من ينظمها من النخبة في نسق فكري وسياسي وظلت محض أشواق مكتومة تعبر عن نفسها في خجل متى رأت منكرا من هذه المناكر التي تتربص بالإنسان والتاريخ والثقافة…ولما مضت عزائم بعض الرجال إلى تأسيس حزب سياسي في الشمال، تجميعا لإرادة وبلورة لاختياراتها، جاء المنع فورا من الإدارة، ورأيتنا جميعا نتعجب لهؤلاء الديموقراطيين في بلدنا كيف أنهم لم ينهضوا لنصرة حق في الحياة لفئة من الناس تريد كيانا سياسيا؛ مع أنا كدنا نصدقهم أنهم في الصف الوطني إخوانا، وفي الصف السياسي أحبابا، ولكن متى أزف ميقات تحقيق المعتقد كان الخذلان مكينا، وخاب أملنا فيهم جميعا، إلا من لا نعرفهم من الفتية الذين آمنوا بالقضية في كل وقت وبلد، وتراهم قالوا مقالة فولتير Voltaire (1694-1778) في الاختلاف في سرهم…
العنوان الرابع أن هناك إصرارا عظيما على إضفاء الطابع الجنوبي على الشمال، وانظر كافة قطاعات الحياة تجدها تترك مكانها، طواعية وكراهية، لهيمنة نمط الحياة الداخلي انبهارا ودونية وعلى مضض وتخاذلا… ويخيل إلي أنه من رابع المستحيلات أن يفكر أهل الشمال بـشمللة المغرب، قصد تعميم نمط الحياة الشمالي في الوطن كله، فإنهم لا محالة أمام عقبتين مانعتين إياهم من تحقيق الإيدياريوم الشمالي الأول من طرف القيادة والثاني من طرف السيادة، وهي أمشاج من العصبيات، هم الواحدة منها مناوئة باقي العصبيات حتى لا تنازعها السلطان.
العنوان الخامس أن النكبة هي البانوراما العامة لتاريخ الشمال، إذ هي ليست وليدة مرحلة ما بعد الاستقلال؛ فعمرها أقدم من ذلك، إنها ملازمة للدولة المغربية منذ وجدت تلك الدولة، وتوازى وجودها مع وجود فئات ذات مشروع سياسي وديني مختلف. وإنه من الأكيد اللازم الوقوف على ما حل، على سبيل المثال، بالأسر التطاونية كأسرة لوقاش، والنقسيس وعشعاش لاستصفاء ثمار طيبة من مظاهر تلك النكبة المرافقة لتاريخ الشمال؛ حتى أنه لما شاءت إرادة التاريخ أن يذوق الوطن من هذه النكبة ألوانا، كان الشمال هو المدخل، وارجع إلى تعليقات الناصري حول حرب تطاون في 1860 ،لما استقصى أخبارها في المغرب الأقصى، تر بأية نبرة يتحدث عنها.
تلك هي العناوين الست للحياة في الشمال، نقدمها دليلا مختصرا لجيلنا حتى يمضي إلى مهمة الاستقرار في بيوتها تفكيرا وتأملا ..ولنا بعد هذا أن نتساءل عن مهمة جيلنا الآن في الشمال.
(*) مقتطف من محمد بلال أشمل: تطاون العامرة أفقا للتفكير، تطاون 2002.ص 13-16.








