مر بنا ما سميناه عناوين ستة للحياة في الشمال سقناه بغرض الاختصار. وقد وعدنا الاستقرار في مسمياته تفكيرا وتأملا... والذي سنخوض فيه حالا هو من قبيل ما وعدنا.
السؤال عن مهمة جيلنا في الشمال سؤال فضيحة، والعلة في ذلك أن باب الإنجاز، عما يقتضيه الفعل بالتفكير، لا يملكه جيلنا، وإنما يملكه أهل التدبير من غيرنا . نشهد بذلك ولم يكتمل الفرض لدينا بعد بوجود جيلنا ؛ إذ هو ليس إلا هلامات لم يآن لها أن يحن الشبيه منها إلى الشبيه فيؤسس المدينة العامرة بما تشتهيه من آراء فضلائها. ولذلك سيمكث الواحد منا وحيدا، عنايته بما لا يجمعه مع قبيله أدعى إلى الاهتمام لديه بما يشركه مع غيره؛ وأقصد بذلك التمذهب بخلاص هذا الشمال النابض فينا أملا بغير الاعتقاد فيما يراه ساسة زماننا حقا وخيرا، لأنهم أتبع لأهوائهم من مصلحتنا، وأسمع لجهلهم من حقائقنا، فإذا لم يكن هناك من داع لأن نوجد، فهناك ما يربو على سبعين داعيا لكي نفكر، وأنعم به من كوجيطو بسبيلنا إلى تأسيسه لو تهيأ لنا يوما أمر التدبير إلى جانب أمر التفكير.
هو فضيحة حقا هذا السؤال عن مهمة جيلنا، ولكن فضيلة الفضائح التي من هذا النوع، قدرتها على الدفع بالأشياء إلى أقصى إمكانياتها، وهو ما يود جيلنا ركوبه حين ينظر في حياته شمالا، فيرى جملة من المهام يعتزم إنجازها تصورا ، ويتكفل التاريخ بإكمالها تطورا ...
المهمة الأولى هي الحوار مع إسبانيا الجوهرية في أفق التحضير للمغرب الحيوي؛ فإن جارتنا الإيبيرية تختزن درسا حضاريا رائعا في محبة الوطن نسجه بــ بيداغوجيا منظرها، أهل إسبانيا الجوهرية من الذين فكروا في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وجعلوها فكرة مثالية يعملون لتحقيقها على أرض الواقع بلادا ذات مؤسسات وجهات ومدائن ... إن جيلنا تعرف على إسبانيا كـ حل ، وتعرف عليها كـ تحول ديموقراطي، ومؤسسات تشريعية ، وملكية دستورية ، وجهات مستقلة، وأدب روائي متميز، وكان له أن يتعرف عليها كـ مشكلة ويتطلع إليها وهي لا فقرية ويقف عليها كـانشغال ويسمع احتضارها وهي قديمة، ويتصفح ملامحها وهي رسمية ...حتى يدرك إلى أي مدى تعذب أهل أسبانيا الجوهرية لكي يصنعوا من ألمهم دفقة قوية لخلق إسبانيا جديدة، حيوية، خالدة و إينيديتا ، ويتعلم في تواضع، بعض الحدوس في إنشاء معمار مغربي حيوي وجوهري يفخر فيه كل المغاربة بانتمائهم إليه فخرا حرا غير مقيد، ويتعلل بإثارة أسئلة الفجيعة لدينا :أنملك فكرة عن الوطن واضحة الملامح، صافية المعالم مثلما يملكها المصريون أو الإسبان ؟أحسنا الوطني مرتبط بمباريات كرة القدم ، ومنفصل عن باقي شؤون الحياة ؟ أيقضي الحال بالبلاد إلى القضاء على آخر الجراثيم في الارتباط بـ المغرب ، والتنكر لــ المغربية ، ونشدان أوطان أخرى في المهجر الغربي أو الشرقي ؟ من هو المغربي بالواقع؟ ومن هو المغربي بالدخل ؟ ومن هو المغربي بالوثائق ؟ ومن هو المغربي بـ الجهة ؟ ومن هو المغربي بـ الحلم ؟ أمغاربة نحن حقا في مغرب لا نراه يكفل لأبنائه كرامتهم، ولا يحفظ لهم حقهم ، ويجعلهم يبحثون لأنفسهم عن أوطان بديلة لا تضطهد الإنسان فيهم ؟…
المهمة الثانية هي تجديد الريادة في أفق البحث عن شمال جوهري؛ فإن مهمة هذا الجيل هو استكمال الرسالة الحضارية التي تشكلت معالمها في عقول رجال الثلاثينات من أهل الفكر والأدب والدين في تطاون، وانبثقت مؤسسات مدنية مثل المصنع ، والرابطة، والمطبعة، والحزب، والعصبة، والمدرسة، والجمعية، والملجأ ، والنادي ، والمكتبة، وتهيئة المجال لها لتتبلور بكيفية طبيعية بدون عائق ولا مانع حتى تعطي ثمارها كما كان يرجى منها، عساها تتجاوز هذا العهد الذي ابتلينا بآفاته؛ عهد الدعارة والمخدرات والتهريب والخوف... غير أن تجديد الريادة ليس بالأمر الهين، وحظ جيلنا منه بذر البذار الأولى لاستقامته عميق الجذور في الأرض ، باسق الأغصان في السماء ، متين الجذع بينهما؛ لا تهزه عاصفة، ولا تحركه أنواء ، ويحتاج فيه إلى وضوح رؤية، وصفاء قصد، وحسن وسيلة، وعزيمة الرجال، وإرادة الفولاذ وأول ما ينبغي على جيلنا الإجابة عليه هو السؤال المركزي التالي : أهو مصير طبيعي هذا الذي آل إليه الشمال وقد كانت مقدماته ما نعلم من شروق حضاري وريادة كلية في جميع مرافق الحياة ؟ ثم عليه أن يتولى تحديد المسؤوليات: على من تقع تبعة هذا الشمال الموقوف عن التنمية الحقيقية ؟ وقبل هذا وذاك ، عليه أن ينتزع المعرفة بما حدث ليعيد تشكيله في سبيل الحكم عليه حكما واقعيا بلا مبالغة أو مغالاة ويترفق إذاك في إصدار البلاغات؛ لأن الوضع على ما هو عليه، وعلى ما كان عليه، يظهر مدى الفرق المتناقض بين المقدمات والنتائج، مما لا يقبله أي منطق طبيعي للتطور إلا إذا أخضع لإكراه الإعاقة، وهي آفتنا الأبدية منذ كان جبل درسة ...!
المهمة الثالثة هي تنظيم الإرادة في نسق فكري وسياسي؛ فإن هذه الإرادة في الخلاص ما تزال محض أشواق مبعثرة، ومواقف انفعالية غير مؤثرة، يبتعد أصحابها بعضهم عن بعض بطويل المسافات، وعديد الأوهام، ومجرد الاختلافات، يحمل الواحد منهم الآن ذنب ما حل بالشمال، في تطاون الهجيج - وهم قسمان جبالة وروافة- يقولون إنهم ألوكات مالؤوا الحماية الإسبانية، وباعوا الشمال ، وربحوا الدنيا في البيضاء والرباط، وخذلوا أحمد اخريرو، وابن عبد الكريم الخطابي. و المتألكون يقولون إنهم الداخلية هاجروا أفواجا بحمقاهم ومتسوليهم ومتسكعيهم إلى البلد للمكوث فيه، وصنيعهم فيه صنيع جنان اليهودي الماكلة و اللعنة ... وإن جيلنا ليعتبر أن هؤلاء وأولئك على ضلال صغير والحق ما جهلوه ؛ فإذا ما تيسر لهم أن ينتظموا في قصد واحد ومشروع أوحد، وهو إرادة واضحة في بناء جديد لهذا الطرف الشمالي من الوطن، لكانوا إلى الحق أقرب، ومن الضلال أبعد … ومن أقدر من جيلنا ، الزاعم تحليه بالحق، وتملكه آلة الكشف عنها من إرشاد هؤلاء وأولئك إلى سواء السبيل، ووضع الصوى على طريق خلاصهم الشمالي بلغة حاسمة، واضحة ، محددة للغايات، وحاسمة للمسؤوليات، ومعينة للمقتضيات، أوجب ما ينبغي توفرها عليه هذا الصدق الرسولي مع النفس أولا ، وهذا الإدراك لطبيعة الوقت ثانيا وهذا الالتزام بالمسؤولية ثالثا، وهذا الحس الحضاري رابعا، وهذا الانتماء إلى أولي العزم كليا .
المهمة الرابعة هي الدعوة إلى احترام الخصوصية الشمالية أمام مهرجان مسخها خلقة أخرى غير ما نعرفه لها حدسا من حياتنا، ولا ما ندركه شهادة من عيشنا، ولا ما نقف عليه رواية من تاريخنا... فإن هذا هو عين الحق حين يهدأ صخب الأبواق ويخفت هدير المنابر، ويجف مداد الأوراق ... والدعوة إلى احترام الخصوصية الشمالية، إذا أرادت أن تكون دعوة بالغة غاياتها في الدفاع عن حق من حقوق المواطنة في الوجود والحياة، فهي مدعوة إلى فحص هذه الخصوصية والنظر عما إذا كانت موجودة حقا وفعلا، وليست محض سراب للتعلة والتمني، ينبغي أن تخرج بها من طور الحدس والرواية والشهادة، إلى طور التعقل والكتابة والاستشهاد؛ فالتعقل معرفتها وفهمها، وحصرها وتقييمها ومقارنتها بغيرها، والكتابة توصيلها وترسيخها ونقلها إلى غيرها، والحوار بها ،والاستشهاد الحفاظ عليها والدفاع عنها وتوريثها إلى الأجيال الآتية أمانة … والمذهب القائم الآن في الخصوصية ، ولا سيما في تطاون، قلب الشمال النابض، هو خصوصية التميز ولكن دعاة هذا المذهب لا اهتمام لهم بما ذكرنا، وإعراضهم عما نقوله متلبس بالحق وهو باطل …ولهذا فمهما يكن لهم من أنصار بالكثرة أو بالقلة فهو مذهب قليل الحظ في الحياة الطويلة، وسيدركه السقم مع الأيام لأنه بنى قواعده النظرية على مقدمات فاسدة مثل خصوصية الانغلاق التي ما لبثت أن لزمت عنها نتائج في جنسها مثل سلوكية التعالي . واللوم ، كل اللوم ليس على دعاة خصوصية التميز بمقدماتهم ونتائجهم، وإنما هو أيضا على غيرهم من دعاة عمومية النمط الذين ينطلقون من عقيدة التوحيد الوطني ؛ فهؤلاء من فرط خشيتهم على صفاء العقيدة، يعممون نمطا في الحياة لا يستقيم مع الجغرافيا، فبالأحرى مع التاريخ … علاوة على أنهم يسعون إلى زواج الإرادة بــ الإدارة وهو الشيء الذي نحسب أنه من قبيل المعجزات التي مضى زمانها؛ فأمام خصوصية التميز لا يجد أصحاب عمومية النمط إلا بذر عنف اللاإقليمية على قاعدة عمومية التشابه فكان أن ترتبت عنها آفة مشهورة هي خصوصية التعالي وهي شرارة صالحة لإشعال الشقاق في جسد الوطن الواحد، بين دماغه المفكر، وأطرافه الساعية، وعضويته الشغالة . وجيلنا لا يقبل هذا البتة، وهو المتكلم الأكبر في الوحدة الوطنية .ولهذا فالخصوصية التي يدعو إليها ، هي خصوصية الحوار لأجل بناء مغرب عمومي قادر على الانغمار في أقدار الألفية الثالثة السياسية والاجتماعية والحضارية... ومدار الحوار الذي تعتمده تلك الخصوصية بين مقولات الكينونة المغربية على تعددها وتنوعها واختلافها، هو مدار المستقبلية، فالعين على المستقبل هو الانشغال الأساسي الذي ينبغي أن تجعله مقولات الأنطولوجيا المغربية علة فاعلة لحاضرها من أجل كمال نهائي لمستقبلها . ولهذا فإذا كان ولا بد من اعتماد مقدمات حضارية للمغرب المستقبلي، فلن تكون حتما إلا بإعلان الخصوصية الشمالية الحوارية على التوازي مع العمومية المغربية، وهي المهمة الأصعب التي على جيلنا القيام بها بعزم رسولي لا يضعف ولا يلين ...
المهمة السادسة لجيلنا هي تأسيس لاهوت الأمل لكي تصبح لامية الشمال أملا لا ألما، وألفه ألفة لا فرقة، وشينه شوقا لا شرودا، وميمه محبة لا موجدة ...ومهمة جليلة مثل هذه لا يمكن إنجازها ، في نظر جيلنا، إلا بجعل المغرب أفقا للتفكير الفلسفي خاصة، والنظري عامة؛ فهو من يسعه إمدادنا بالعدة اللازمة لتصور أي مغرب نريد، وعلى أية هيأة نرغب…وكلنا أمل في شروقه علينا عمومية و شمولية ، بلا اعتساف على الاختلاف الهارموني الذي يرى جيلنا فيه حقيقة عظيمة الجلال ينبغي المضي بها إلى اكتمالها الطبيعي عدلا وحقوقا ومساواة … إنه إذا قدر لهذا الاختلاف الهارموني أن يتحقق، بالكيفية المأمولة، فلا ريب أنه سيشرف على توهج حقيقي لمغرب الأمل الذي يغمرنا جميعا، وداخله يمكن للشمال ، مثله مثل باقي مقولات الوجود المغربي، أن يصير حيويا بحق، يمضي بقدراته إلى أقصى فعاليتها عطاء وتضحية يستبشر بها من في قلبه ذرة إيمان بعظمة هذا الوطن .إن للشمال أن يسترد مفترض الحيوية إذا لم يكن يملكها، و واقعها إذا كان ملكها يوما، مما له من شرعية الانتماء إلى الوجود، وحق الاختلاف داخلها حوارا وتواصلا ...على أنه لا سبيل إلى ذلك بجعل المغرب أفقا للتفكير الفلسفي والنظري فحسب على ضرورته، بل بإخضاع الشمال للتدبير التنموي أيضا لكفايته ؛ فلا مغرب جوهري بدون شمال حيوي، بنياته التحتية بخير، وبنياته الفوقية على حرية والمناخ العام فيه هو الثقة والأمل .. لذلك فالاقتضاء الأول هو تأسيس لاهوت الأمل حتى يتحمل الشمال بقية الألم الذي انحدر إليه من أعالي التاريخ، وهي مهمة جيلنا، مهمته أن يكون متفائلا وأن يبذر التفاؤل في تربة الشمال البور وعينه على ما يمكن أن تحمله تلك السنابل والكروم من حب وعنب إذا ما تهيأت لها الرعاية الكافية، والتربة الصالحة، فتكون حقلا وبساتين خضراء تسر الناظرين، وتشبع الجائعين .
ولكن ما هي دعائم لاهوت الأمل الذي يراد لجيلنا تأسيسه ؟ وقبل ذلك، كيف السبيل إلى جعل المغرب أفقا لتفكير من أجل بناء شمال حيوي هو الامتداد الحضاري للمغرب الجوهري ؟
هي أسئلة ملحاحة نرى أن تنضج الحدوس حولها إلى حين تبلورها أفكارا نهائية برسم الحياة والوجود .








