من سائر مشاهد الطفولة التي ترسخ في الذاكرة، مشهد "السي علي" بائع "حلي". كان الرجل يبيع لنا "حلي" في مدرسة "الشنتوف" -أو "الأزهر" حاليا- وفي مدرسة "التهامي الوزاني" وفي مرتين وفي "البلاد". لم يتغير شيئ في "السي علي" ما زال بقميصه الأبيض مثل ممرض في المستشفى أو معلم في المدرسة يحمل "عود حلي" ويمضي به في كل مكان من المدينة والبحر يوزع حلي وينادي على بضاعته "حلي حليلو، اللي ذاقو يرجع ليلو"... نشتري منه، فيزيد لنا بكرمه قطعة من "التحلية". يداعبنا ونداعبه بكلمات طيبة، واحيانا بغيرها...هو "ألمعلم" كسائر المعلمين من بائعي الحلاوة مثل معلم "عزية" و"الشامية" و"الحميص طايب" و"زين البنات"...ينشر البسمة حواليه ويشيع الفرحة بمقدمه ويطير النكت يمينا ويسارا.."عموده" اطول منه، وربما أضخم؛ لأن جثته بالكاد تظهر في ظل ذلك العمود الأبيض كأنه عمود نور يسير به وسط ظلام المرارة... نراه فنهرع للتحلية حتـّى ونحن كبارا نحلي ونتحلى، ونتذكر أياما لنا سعيدة في بساتين الطفولة، ونحمد له كرمه ونذكر له حسن معاملته... يحمل –"عليلو" عند البعض أو "حلي" حافية عند البعض الآخر- هراوة الحلاوة فيشيعها بين الناس أجمعين. هراوة مكسوة بالحلاوة، ولكن شتان ما بين الحلاوة والهراوة... واحدة شيدت قامتها بالألم والحزن والأخرى شيدتها بالفرحة والمتعة واللذة...إن تاريخ تطاون لم يبنه الأعيان وحدهم، بل شاركهم الأعوان أيضا، وإلا فهم بمفردهم من أقاموه عمرانا و"دات مولاة الدار الشنعة"...وأتخيل أن طرفا عظيما من التاريخ الوطني برمته ينبغي أن يعنى بتاريخ الحلاوة، عنايته بتاريخ الهراوة؛ فيمضي إلى عقد جلسات "الإمتاع والمؤانسة" على مذاق الحلاوة ونغمات "آه يا سلطاني"... وشخصيا لا أتصور أن التاريخ التطاوني كان سيسير مساره "المر" ما لم يحليه معلمو الحلاوة بحلاوتهم.. ولذلك علينا الاعتراف لهم بالفضل في بناء جزء من تاريخ الحلاوة في هذه المدينة العامرة بالحلاوة -وفي رواية أخرى بالهراوة- وان يجدوا مكانا لهم بين صور "أعيانها" في جريدة "تمودة"..أليس كل يتعين بطريقته؟ فقط هناك من "يتعين" بنسبه، وهناك من يتعين بعمله. وقل تعينوا فسيرى التاريخ تعينكم. لكن حذار من العين الـّتي قد تصيب... والى المرة القادمة حتـّى لا يذوب "حلي حليلو فلا يرجع، من داقو، ليلو..."
السبت, 28 اكتوبر, 2006
أضافها تـــــــطــاون العــــــــــامــــــــرة,
في
تطاونولوخيا
في 02:09 ص,
أرسلها ,
(0) تعليقات
أرسلها ,
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
معلومات المدون:
عن المدونة:
فضاء للتفكير في "المكان المشترك" من منطلق المحبة لمدينتنا، والاعتزاز بتاريخها، والثقة الكبيرة بمستقبلها عامرة، مشرقة، وهاجة.
آخر المقالات
- دعوة للمساهمة في الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة 2009
- النسق العام لانتفاضة 1958-1959: الحدث والحقيقة
- المغرب وإسبانيا
- جانب من الصراع بين" الهامش" و"المركز": هل يتعلق الأمر ببوادر الوعي بالذاتية الثق
- أنا حقا متعصب لمدينتي من حيث الانتماء إلى المستقبل والحداثة !
- الثقافة العربية والإعلام الرقمي [أسئلة لمحمد بلال أشمل من لدن "روافد ثقافية"]
- باكورة منشورات "الجمعية الفلسفية التطوانية": كتاب حول الفكر الإسباني المعاصر لمحمد بلال أش
- البرج الذي يراقب نفسه...
- تطاون العامرة....مع غزة الصامدة.
- "السفارة في العمارة"!
المواقع المفضلة
الأوصاف
- التفكير في المكان المشترك [2]
- بذور الفكر المدائني في تطاون العامرة [1]
- براح الغرسة الكبيرة [1]
- بكامل حس المسؤولية [5]
- تطاونولوخيا [3]
- ثمرات الفكر والثقافة [1]
- حوارات [4]
- سؤال الثقافة في تطاون العامرة [2]
- في السياسة المدنية [16]
الأرشيف
توقيت تطاون العامرة ومن والاها






