- ما هو"الإطار الحقوقي الشمالي"؟
إن "الإطار الحقوقي الشمالي" رابطة روحية قبل كل شئ؛ تؤلف جملة من الناس استقام لهم الوعي بالانتماء إلى الشمال كحقيقة حياتية، واستوت لديهم جغرافيته قضية مصيرية، فتعاقدوا على تمتين رابطتهم الروحية برابطة مادية تنظيمية وفق القوانين الجاري بها العمل في البلاد، وتحت ضوابط أخلاقية وسلوكية معروفة ومشهورة داخلها. إنهم بهذا الاعتبار أعيان بين الناس من حيث أنهم خرجوا من طور الكونية الوطنية إلى طور الخصوصية الإقليمية وقد تشبعوا بقيمها، بغير ارتداد عن الولاء الشعوري إلى الكلية الوطنية، ولا تجاوز لها لأجل نفيها. إنهم فهموا أن الوطنية الصحيحة تبدأ بالإخلاص في المحلية، والانغمار في الخصوصية، مع حفظ الصلة بالعمومية، وأدركوا أن الشعور الوطني الحق يبدأ حسيا في الجغرافيا المحلية، ليمتد شعوريا في الجغرافيا الكونية. وهكذا فإن أية وطنية محتملة في اعتقادهم لا تبدأ في الآن زمانيا، ولا تدشن فعلها في المكان جغرافيا، إنما هي محض وهم من الأوهام السياسية الفضفاضة، ومجرد إحساس سيكولوجي فارغ من المعنى. وهكذا اجتمعت إراداتهم على استخلاص الشمال من التجريد الوطني سياسيا وثقافيا وتنمويا واقتصاديا عبر أكثر المسالك أهمية في التداول الإنساني المعاصر وهو المسلك الحقوقي. إنه في نظرهم مسلك شامل شمول مفهوم الحق، ومسلك خاص خصوصية مفهوم الأحقية. ذلك أن الحقوق الـّتي اقتضت إرادتهم الدفاع عنها، واستقرت عزيمتهم على المطالبة بتحقيقها، إنما هي حقوق كونية كنظيراتها في باقي الرقعة الوطنية؛ لا تختلف عنها إلا في بضعة تفاصيل قليلة الأهمية ضعيفة التأثير. ولكن الحقوق الخاصة الـّتي يعتقد فيها هذا الإطار، هي حقوق محلية ببعد كوني؛ يكتسي معها الشمال كموضوع لها، مجالا للأحقية مثل الحق في الاختلاف الثقافي، والحق في الاختلاف اللغوي، والحق في الاختلاف الإثني. وهذه الحقوق هي الـّتي تقتضي تدبيرا خاصا يختلف عن باقي التدبيرات الـّتي تنجز في مجموع الوطن؛ الأمر الـّذي يفرض مسألة من له الحق في تدبير الشأن الشمالي، وضمن أي منطق، ومن ثم إثارة الجهوية كإجراء فعال في تدبير الجغرافيا الوطنية. ولعل هذا هو السبيل الـّذي تمضي في نهجه الدولة المغربية الآن لتقليص المركزية الواحدة إلى مركزيات متعددة، ولكن بغير أن تفلح في إعطائه بعده الحقيقي في التنمية، ولا روحه الجوهرية في الديمقراطية، مع ما يقتضيه ذلك من تفويض المهام التدبيرية ضمن تعاقدات واضحة وشفافة بين الأطراف المشاركة في صنعها إلى أصحاب الحق وأولي الأحقية من أبناء الجهات ومن في معناهم. بل ولم تفلح حتى الأحزاب الوطنية التقليدية والتقدمية الـّتي تعمل بمنطق "وطني" غير مبرر إيديولوجيا، ولا مسدد واقعيا بعناصر سوسيولوجية وجغرافية وتاريخية، بطرح تصور جهوي معقول إلا ضمن حساباتها الانتخابية، وفي دائرة تقديراتها الحزبية مقدمة الولاء للحزب على الجهة، ونافية الخصوصية الجهوية لصالح العمومية الحزبية المركزية. وهكذا ظل الشمال بغير موقع محدد في الخريطة الوطنية إلا أمنيا، وصار موجودا في امتدادها محض مكان قصي من الأمكنة التابعة لسياسة الإلحاق المركزية دون اعتبار لشخصيته الثقافية، أو احترام لمكانته التاريخية في المجموع الزمني الوطني، أو تقدير ذكي لموقعه الجغرافي وما ينطوي عليه من إمكانيات في الإقلاع الاقتصادي العام. إن الشمال، كما يتصوره هذا الإطار الحقوقي، شمال حيوي كان من المنتظر، نظرا لرصيده النضالي، وعمقه الحضاري، وإمكانياته البشرية والاقتصادية، أن يشكل قاطرة المغرب الجوهري نحو التقدم والحداثة؛ لا سيما وأنه يشرف على البر القشتالي، ويشارك الأسرة الأوروبية ضفاف المتوسط. ولكن حاله من التهميش والإقصاء والعزلة يجعله بعيدا عن أن يتكفل بنفسه فينمي ذاتيته ماديا ومعنويا، فأحرى أن يصير محركا لغيره. ومع ذلك فلعل من دواعي نشوء هذا الإطار، والتنادي بتأسيسه في الوقت الراهن، ما يعانيه الشمال من أحوال لا ترضي تطلعات أهله، ولا تشرف انتماءهم إليه، ومن ثم فدواعي النشوء فكرة، ودواعي التأسيس كيانا، هي دواع معقولة، تفسرها سنوات الغياب القسري الـّذي ارتهن إليه الشمال فكان نكرة غير معرف في ديوان الجغرافيا الوطنية إلا أنه شمال المخدرات والتهريب والهجرة وكل الآفات الاجتماعية والأخلاقية. ولكن ما هو هذا الشمال الـّذي يؤلف فضاء اشتغال الإطار الحقوقي الشمالي المنتظر؟ ما المقصود بالشمال كأفق مرجعي له؟
(*)مشروع ورقة نظرية قدمت يوم 22 يوليوز 2006 إلى المؤتمر التأسيسي لـ "منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب" في طنجة.









