تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الورقة النظرية (6) دولة الجهات والديموقراطية كـ"سعادة"

بعد أن تكلمنا على طرفي العلاقة في "الديموقراطية ودولة الجهات"، نأتي إلى الكلام عن الطرف الثالث، والمتعلق بدولة الجهات. لا بد من الإشارة إلى أن أي تصور يمكن طرحه في هذه المسألة أو غيرها، إنما هو مؤسس على الجانب النظري، المحكوم أساسا بعنصر الإمكان لا بعنصر التحقق. أمامنا تجارب عالمية هنا وهناك، مثل التجربة الأمريكية أو الميكسيكية أو الإسبانية؛ التي تقوم على المبدأ الفدرالي الذي  يحكم أطراف العلاقة فيما بين مكوناتها. ويجوز أن يكون هذا هو النموذج الذي يوجد لدى البعض منا وهو يطلب "دولة الجهات". ولكن لا يجب الذهول عن شروط توفرت لتلك التجارب  حتى أدركت ما هي عليه من نموذج، فيم لم تتوفر لنا نحن تلك الشروط بالكفاية اللازمة.

         وعلى أية حال، لا بأس من القول إن مجرد طرح هذه المسألة للتداول الفكري والسياسي؛ في الوقت الذي ما زلنا لم نحسم بعد في قضية الديموقراطية، وأية مسالك ينبغي سلوكها لكي نبلغ إليها، لهو مكسب يحققه الفكر السياسي الوطني الـّذي ينتظم فيه "الإطار الحقوقي الشمالي"، ويحسب له في تاريخ صراعه من أجل نيل مقاصده النبيلة. في هذا الإطار من النظر، نحب أن ُيفهم عنا المنحى العام الذي يسير فيه تصورنا.  

         إن هذا التصور المتعلق بدولة الجهات،  يستعيد الأسس العامة التي حددناها من قبل للدولة ذاتها، ويعتبر بالركائز الأساسية للجهات كما سبق أن بسطناها. لقد تصورنا الدولة ككيان الحق فيه مضمون، والقانون فيه مطبق، عقلانيته متخلقة، والكرامة فيه مصانة. كما تصورنا الجهة كوحدة لها خصوصية تنعم بالحرية، وتعز بالقوة، وتتميز بالإبداع، وتقدر على التواصل. هذه الأسس العامة التي توجه تصورنا للدولة، مضافة إليها هذه الركائز الأساسية التي تحكم تصورنا للجهة، هي التي نصدر عنها في تصورنا لدولة الجهات؛ فكأنا بذلك ندمج هذه بتلك، حتى تخرج بثمرة واحدة هي دولة الجهات وقد استقام عمودها، ونضج رطبها. إنا نعتبر أن دولة الجهات تحتمل وحدة في تعدد، أو قل تعددا في وحدة. فالدولة هاهنا، بمعنى من المعاني، كيان موحد، فيم الجهات كيانات متعددة. والجهات من ناحيتها تعدد، ولكنه مرتبط بكيان موحد هو الدولة. فالجهات هي الدولة وقد تعددت، والدولة هي الجهات وقد توحدت. الدولة هي التي "تداول" الجهات في تعددها، والجهات هي التي "تواجه" الدولة في توحدها. لماذا هذا الارتباط؟ لأن صيغة "دولة الجهات" لا تحتمل غير هذه العلاقات بين الجهات وبين الدولة. فالجهات هنا مضافة إلى الدولة، مكسورة بكسر الإضافة والجر، مجرورة بحركة الانتماء والخضوع. فالدولة بما هي توحد، تتألف من جهات بما هي تكثر. ولكن ليس من الضروري أن تكون تلك الجهات على وعي تام بجهتها، أي بكيانها من مجموع المكان الذي تتألف منه الدولة؛ فقد يجوز أن نصادف "دولة الجهات" وقد غاب عنصر الشخصية في الجهة، وغاب الوعي بخصوصيتها، فلم تكن فرضا من التاريخ ولا من الجغرافيا، وإنما قرارا إداريا اتخذته السلطة لدواع أمنية أو سياسية أو إدارية. هنا تطرح مسألة طبيعة دولة الجهات ما هي؟ كما تطرح مسألة العلاقات فيما بينها كيف هي؟ لنؤجل قليلا الكلام في العلاقات، ولنواصل الكلام في الأطراف. كيف هي دولة الجهات بهذا الشرط الذي قدمنا، أي الوحدة في تعدد، والتعدد في وحدة؟

         إن دولة الجهات، كما نعتقد فيها، هي ذلك الكيان الذي يضمن فيه الحق، ويطبق فيه القانون، وتتخلق فيه العقلانية، وتصان فيه الكرامة؛ كيان بخصوصية متميزة، وبحرية ظاهرة، وبقوة قاهرة، وبقدرة على التواصل جبارة. أي إنه ذلك الكيان الجامع بين الدولة من ناحية، والجهة من ناحية أخرى. ومعنى ذلك فإن ما اعتقدناه للجهة هو عين ما نعتقده ونؤمن به لتركيبها مع الدولة، أي دولة الجهات.

         ومع ذلك فإنا نحسب أن هذا التركيب لا يعكس تلك الرغبة الطبيعية التي نملكها في أن تكون دولة الجهات كما نحب ونشتهي؛ كاملة مطلقة بغير آفة أو عيب. هناك شئ منفلت عنا باستمرار في هذا الخليط التركيبي بين الدولة وبين الجهة. ولعله يكمن في أن الدولة هي الكيان المشرف على "تواجه الجهات"، وتدبير شأنها العام. إنها بمثابة تلك المدينة التي تحدث عنها الفكر السياسي القديم مع "أبي نصر الفارابي" لما جعلها موضع اجتماع الناس لكي يتعاونوا على الأشياء التي بها ُتنال السعادة في الحقيقة؛ فلو طبقنا هذا التحديد من الفكر العربي الإسلامي على موضوعنا، لقلنا إن دولة الجهات هي موضع اجتماع الجهات وقد تعاونت على أشياء بها تنال السعادة في الحقيقة. لن نفصل أكثر في مسألة ما هي هذه "الأشياء التي بها تنال السعادة في الحقيقة" ،لأن مكانها هو الكلام في العلاقات. ما نحب التأكيد عليه هاهنا، هو أن أفق دولة الجهات هنا هو "السعادة". إنه أفق رحب ينبغي منذ الآن رد الاعتبار إليه في الفكر السياسي الوطني، واطراح مضمونه الميتافيزيقي، والإبقاء على مضمونه الفيزيقي. فالدولة مهما كانت، والجهة كيفما كانت، ودولة الجهات حسب ما كانت، هي كيانات منتهى غرضها تحقيق السعادة فيما لو بقينا في إطار الفكر الإيجابي المتمنطق بقيم الجدوى. أما إذا لا، فليس مسعى أي منهما إلا "الإشقاء"، وهو نظير ما أثمرته مختلف أنماط الدولة القاهرة في الشرق أم في الغرب. إذا كانت هذه الكيانات تطمح إلى الديموقراطية، فهي، بمعنى من المعاني، لا تطمح إلا لتحقيق الوسيلة، أما الغاية في الحقيقة فهي "السعادة". ومن ثم فإن أخص خصائص الدولة، سواء كانت دولة واحدة أم دولة الجهات، هي رعايتها للأشياء التي بها تنال السعادة. فهل تقدر دولة الجهات على هذا الدور، وهل تراها قادرة على النهوض بأعبائه؟

الورقة النظرية (5) جهة الخصوصية والقوة والحرية والإبداع والتواصل

تفيد الجهة مفهوما جغرافيا وتاريخيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا؛ فمن حيث إفادتها الجغرافية، هي جماع أرض معلومة، بسمات مخصوصة، سهلية كانت أو جبلية، أو هما معا، خصبة أو قاحلة، ذات مناخ معتدل أو شديد البرودة أو شديد الحرارة، رطب أو قاري لها حدود مرسومة أو حدود مفترضة، بحرية أو برية.

         أما من حيث إفادتها التاريخية، فهي جماع ذكريات وطنية، وأمجاد تاريخية، كانت هزائم أم انتصارات، نكبات أم مسرات، مطوي تاريخها في الأوراق والوثائق، أم منشور في الصحف والمجلات والأسفار، أم ثابت في الآثار والعمران...

         أما من حيث إفادتها الثقافية، فهي جماع تعابير أدبية أو فنية أو دينية أو اجتماعية، عملية أو نظرية، راكمتها طيلة تاريخها وصقلتها في أطواره، ونمتها خلال سياقاته...

         أما من حيث إفادتها السياسية، فهي جماع كينونة التدبير لديها؛ إما مستقلة بذاتها مكتفية بنفسها عن غيرها، أم محتاجة إلى غيرها لقوام ذاتها، حرة أم تابعة محتاجة أم ُمحتاج إليها...

         أما من حيث إفادتها الاقتصادية، فهي جماع إمكانيات الخير المادي لديها، في الطاقة أم في الزراعة، في الصناعة أم في السياحة أم في جميعها...

         هكذا تحدد مفهوم "الجهة" لدى من نظروا له من رجال الفكر السياسي والقانوني، فوضعوا له من ثم، أطرا إدارية تضبطه، وقوالب سياسية تؤطره، وأنشأوا له ضوابط علائقية تحكمه مع الأطراف الأخرى التي تقاسمه المكان أو الزمان. وإن إمعان النظر في مفهوم الجهة، باستحضار إفاداته الجغرافية والتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية مما ذكرنا، ُيشرِف بنا على دلالات متعددة ومختلفة؛ منها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة المكان والزمان؛ فالجهة توجد في الأرض، وتبلور وجودها في التاريخ. ومنها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة "الاتجاه"؛ سواء "التحيز في المكان" مع جهة أخرى، أو"التزمن في التاريخ" مع أخرى، أو دلالة "المواجهة" مع جهة أخرى بمعناها السلبي كالحرب، أو بمعناها الإيجابي كالحوار والتعاون والتكامل، إما مع جهة أخرى، أو دولة أخرى. هذه الدلالات المتعددة والمختلفة، أي دلالة "التحيز في المكان"، و"التزمن في التاريخ"، و"الاتجاه مع الآخر"، و"المواجهة" معه، هي التي تحدد في نظرنا طبيعة العلاقة المحتملة مع الدولة ككيان جامع للجهات أو ككيان مانع لها، أو حتى مع غيرها من الجهات؛ لأنها تخرج بها من الإطار المكاني والزماني، إلى الإطار القيمي. فالجهة بما هي جهة، تتحيز، وجهة تتزمن، هي جهة ُتجاور، ومن ثم تنفتح واقعة التجاور على فضاء إشكالي أخص خصائصه أنه يطرح سؤال "الخصوصية" و"الحرية" و"الإبداع" و"التواصل" كـ"أسئلة هوية" لهذه الجهة، قد يمضي بها التوتر الإشكالي إلى أن تصبح "أسئلة قضية" لها. فالذي يتجاور في الزمان والمكان، إنما يتجاور وفق خصائص يمتلكها، وحرية يتمتع بها، وإبداعا يتميز به، وتواصلا ينهض بأعبائه. إن الداعي إلى وجود الجهة إنما يبرره وجود خصوصية لها؛ سواء كانت متعلقة بالجغرافيا أم بالتاريخ، بالثقافة أم بالاقتصاد، بحيث لا مجال لأن تتشابه الجهات، ولا أن تتطابق. فالخصوصية هي محض تعدد في جوهر الجهة، ومجرد تعدد في عرضها. الجهة بما هي جهة، تتقاسم المكان مع غيرها من الجهات، وتشارك غيرها الزمان، وليس ذلك إلا بفضل خصوصيتها التي ميزتها عبر التاريخ. وهذه الخصوصية إنما هي خصوصية تاريخية أساسا. ولهذا فليس هناك من سبيل لفرض "خصوصية جديدة"، لأن مسألة الخصوصية ليست مما تقرره الإرادة في صورتها الإدارية أو السياسية، وإنما هي مما تقرره "صيرورة التجاور" من حيث اشتغال آلية التغالب والغلبة بين الجهات على الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي والحضاري.  وكما لا سبيل إلى فرض خصوصية جديدة، لا سبيل أيضا لـ"إلحاق" الجهة بنمط عام، لأن الجهة بما هي جهة، هي مواجهة لـ"التنميط العام" الذي تخضع له؛ بحيث يصعب إلحاقها بركب التوحيد النمطي الذي قد تجريه عليها سلطة عليا كما هو الشأن عليه من لدن الدولة مثلا. دائما هناك "جهة مقاومة"، ما دامت هناك "قيم مقاومة" في الجهة؛ تتعالى على مجرد التحيز في المكان، وتتعالى على بسيط التزمن في التاريخ، لكي تسمق عاليا في سماء المثال واليوتوبيا. وعلى هذا فمصير "التنميط" الذي قد تصطنعه الدولة مثلا، لكي توحد به الجهات وتلحقها بإيديولوجية الوحدة، هو مصير الفشل؛ خصوصا إذا استمر دفق الوعي بالخصوصية، واستقوى الوعي بها، باتخاذ قيم المواجهة وأخلاق المقاومة أمام سعي الدولة لتعميم النمط الوحيد في الحياة، واللغة الوحيدة في التخاطب، والنموذج الأوحد للولاء عبر أجهزتها الإيديولوجية المتنوعة، بدءا بالمدرسة وانتهاء بالوسائل السمعية والبصرية.

         إن استمرار ذلك الوعي بالخصوصية، واستئناف الشعور بالمقاومة تجاه أي توحيد نمطي للجهة، إنما مبعثه الشعور الغامر بالحرية الذي يؤسس روح وجسد الجهة. فما الجهة إلا فردا في الجغرافيا، ووحدة في التاريخ. ولكي يتم الشعور بالحرية، لا بد من اكتمال الشعور بالفردية؛ إذ الفردية هنا واقع جغرافي وتاريخي، وليس واقعا قيميا يفصح عن أخلاق الأثرة، ويروج لسلوك الانعزال، وينطوي على مشاعر التعصب، لأن في تجاور الجهة مع غيرها، ما ينفي ذلك عنها فيما سنقرره من خاصية التواصل التي ينبغي أن تنهض بأعبائها بكل وعي ومسؤولية.

         الجهة والحرية صنوان لا يفترقان. هذا على الأقل على مستوى الإرادة، أما على مستوى الواقع، فإنا نعلم أن موقع الجهة وضغط المواجهة التي ترتهن لها، إذا كان يجعلها فاقدة لحريتها، إنما لا يجعلها فاقدة لنزوعها إلى التحرر، ولا ناقصة الشعور بالكراهية للاستعباد؛ خصوصا لدى من أشبعت نفوسهم محبة لها وكراهية لغيرها، فكان لديهم الولاء ولاء للجهة، لا لغيرها. ليست الجهة جهة إلا لأنها حرة، وإن تجاورت في الزمان والمكان مع جهات أخرى. هي جهة لأنها هي التي تسود جهتها، وتقرر أية مصلحة توافق جهتها، وأية مضرة تضر بها. وأعظم قدرٍ يمكن أن يصادف الجهة هي "جهتها" على البحر، ومواجهتها لامتداده. الوجود أمام البحر، والعيش على مرأى من امتداده، يجعل من الحرية، ومن النزوع إليها شرطا بنيويا من شروط كينونة الجهة؛ لأنه مرتبط بالامتداد، والامتداد نافذة مشرعة على الحرية وعلى ريحها. إن وجود الجهة على البحر، مواجهة لامتداده، إنما هو قضاء لها بالحرية، وإمضاء لها على الانطلاق. ولذلك نجد أن الشعوب التي توجد على البحر هي شعوب تواقة إلى الحرية، والفترات التي تعيشها تحت نير الاستعباد، إنما هي فترات عابرة في حياتها سرعان ما تصير إلى زوال، كلما أبقت على شعلة المقاومة متوهجة في أحشائها.

         والجهة المواجهة للبحر، هي جهة منفتحة على المجهول، وتشتاق معرفته، والاطلاع على أحواله. وبين هذا الوجود أمام البحر، وبين الشوق إلى معرفة مجهوله، تبرز واقعة "الإبحار". ليس الإبحار ركوب البحر لمجرد تحصيل الرزق فحسب، بل هو هتك لأسراره واكتشاف لأغواره. فالإبحار هو ركوب الفضول إلى مجهول المعرفة، ومنكور العلم، وفيه يظهر الآخر وينكشف، وُترجى ،من ثم، إقامة صلة ما معه توجهها الرغبة في الوصال، فتتحقق بعدها واقعة التواصل بما هي فعل تواصل بين أطراف الصلة. الجهة في مواجهة البحر، تشعر بالحرية، فتنطلق للإبحار فتكتشف الآخر، ثم تسعى إلى التواصل معه. وهذا هو بعد آخر من أبعاد الجهة، بما هي جهة متواصلة مع غيرها؛ لا سيما إذا كانت موجودة على البحر يناديها للإبحار فتكتشف الآخر، وتعقد معه ِصلات التواصل، أو قل ِصلات  الـ"التواجه" بعد ِصلات "الاتجاه".

         وكما يكون "الاتجاه" في البحر، يكون في البر أيضا. هنا تسعى الجهة إلى التواصل مع التخوم، في البداية، حراسة لحدودها النظرية والواقعية، والتعرف على جوارها، وفي الأثناء حوارا معها، وفي النهاية تواصلا معها؛ سواء كان هذا التواصل عنيفا أم خفيفا.

         في واقعة التواصل، يظهر بعد آخر من أبعاد الجهة، وهو المتعلق بالإبداع. الجهة لا تكون ذات خصوصية إلا لأنها أبدعت كينونة على غير مثال، ولا تكون حرة إلا أنها قادرة على الحفاظ على خصوصيتها، ومستطيعة الدفاع عنها أمام أي مسعى لاستعبادها. ولا تكون متواصلة إلا لأنها حرة في "حركة الصلة" التي تقوم بها، ومطمئنة إلى موضوع التواصل الذي تنخرط فيه. إنها، سواء كخصوصية، أو كحرية، أو كتواصل، جهة للإبداع، لأنها اكتملت لديها أخص شروطه وهو الحرية. لقد أبدعت الجهة خصوصيتها، فلم لا تبدع حريتها، ولم لا تبدع حتى أنماط تواصلها؟ الإبداع، متعلقا بالجهة، ينفي الاتباع؛ فلا تسعى الجهة إلى المطابقة، والإبداع ينكر الخضوع، فلا تنهض الجهة إلى العمومية، فتقع في شرنقة الولاء للنموذج العام. الجهة مكان الإبداع، وقبر الاتباع. والإبداع حرية، والحرية تقتضي التواصل. وكلها مقتضيات للجهة التي تواجه كينونتها، وتتجه إلى مصيرها.

         غير أن هذه المواجهة والتواجه، يظلان بغير فائدة إذا لم يضمن لهما شرط أساسي أسبق هو شرط "القوة".لا جهة ذات خصوصية وهي ضعيفة، حتى لا يخشى من عاقبة تعميمها، ولا جهة حرة وهي خائرة القوى حتى لا يقلق على عافيتها من السقوط في إكراه الاستشفاء بتعاليم غيرها، ولا جهة متواصلة بشرط الضعف حتى لا ُيطمع في استضعافها واستنزاف خيراتها. التواصل تكافؤ في القوة، وأحسنه أن يقوم بين طرفين قويين لا بين طرف قوي وطرف ضعيف. ولا جهة مبدعة وهي ضعيفة، حتى لا تبدع مسخا لنفسها العاجزة، وتمكن منها غيرها باليسير من الأسباب، وتسلمه نفسها بالضعيف من الوسائل. لا بد من أن تكون الجهة قوية، ولا بد من أن تتميز بالقوة، ولا بد أن تسعى إلى الاستقواء في حالة العجز، ولا بد أن تمضي الاستزادة من القوة في حالة التمكن.

         أبعاد خمسة إذن تحتاجها الجهة، بُعد "الخصوصية"، و بُعد "الحرية"، وبُعد "التواصل"، وبُعد "الإبداع" وبُعد "القوة". إن جهة لا تنطوي على هذه الأبعاد جهة ممسوخة، عامة، مقيدة، منكفئة على نفسها، تابعة، ضعيفة، فيستحسن أن تلحق بغيرها في ركب العمومية، وتضاف إليه في مسار العبودية، وتنغلق معه في قالب الانغلاق، وتتبعه في عقيدة الاتباع، وتجمد معه على ثقافة التواكل. وبعبارة أخرى، عليها أن تنخرط في عمومية الدولة، ولها بعد ذلك أن ترى هل هذه الدولة  "دولة قهر" أم "دولة عدل" أم "دولة رخاء"...
الورقة النظرية (4) الديموقراطية ودولة الجهات: الجهة كبداية، والدولة كامتداد

تحيل إشكالية الديموقراطية ودولة الجهات إلى فضاء علائقي، تشكل طرفاه الدولة من ناحية، والجهات من ناحية ثانية، وفضاء قيمي تؤلفه الديموقراطية كواجب الوجود بين الدولة وبين جهاتها من ناحية ثالثة. فأما الفضاء العلائقي، فلأن هناك طرفان اثنان قائمان في الزمان والمكان، وأما الفضاء القيمي، فلأن هناك طرفا ثالثا بينهما يراد له أن يكون موجودا إذا ُعدم، ومعقولا إذا ُوجد.

         إن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات إذن كلام في الأطراف، وكلام في العلاقات، وكلام في القيم. فما المقصود بالأطراف، وفيها الدولة والجهات ودولة الجهات؟ وما المقصود بالعلاقات، وفيها علاقة الدولة بالجهات ؟ وما المقصود بالقيم السائدة بين الدولة وجهاتها؟

         كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في المقتضيات؛ ما هو مقتضى الجهات؟ ومقتضى دولة الجهات؟ وما هي مقتضيات العلاقة بينهما؟

         كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الموانع؛ فما الذي يمنع تحقق دولة الجهات، وما الذي يمنع سيادة الديموقراطية بين الدولة وبين جهاتها؟

         كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الوسائل التي بها تتحقق الديموقراطية ودولة الجهات؟ ما هي أنجعها؟ وما هي أجرأها؟

         كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، هو كلام في المنطق العام الواجب سيادته بينهما، والضروري هيمنته عليهما؟

 

 أطراف العلاقة بين الدولة وجهاتها

         قبل الكلام عن العلاقات والقيم السائدة وبين الأطراف، لا بد من الكلام عن الدولة من ناحية، والجهات من ناحية أخرى، حتى يستقيم بعدها الكلام فيما ينبغي أن يسود بينهما من قيم، وما ينبغي أن تنضبط له من منطق، وما ينبغي أن تخضع له من مقتضيات.

5-1 دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة، والكرامة المصانة

         هناك أقوال عدة فيما تكون الدولة، بسط في تحديد معالمها الفكر السياسي القديم والحديث، في الشرق وفي الغرب، ونظر لوظائفها، وفصل في طبيعتها؛ حتى أنها لا تخرج في رأينا عن ثلاثة أنماط من الدول لا ثالث لهما: أولا دولة القهر، وثانيها دولة العدل، وثالثها دولة الرخاء؛ فالأولى يغيب فيها العدل، وينتفي فيها الرخاء، والثانية يغيب فيها القهر، ويحضر فيها العسر، والثالثة يحضر فيها العدل والرخاء معا. وكلها دول تداول مجموعة من القيم يمكن حصرها في قيمة السلطة لأن السلطة هي التي تقرر قيم القهر أو العدل أو الرخاء حقيقة أو مجازا. فنمط الدولة الأولى تداول قيمة القهر، ونمط الدولة الثانية تداول قيمة العدل، ونمط الدولة الثالثة تداول قيمة الرخاء. هذا النمط الثالث، الجامع بين العدل والرخاء، هو منتهى ما طمح إليه الفكر السياسي النازع نحو المثال والناقد لواقع الحال. ولعل صورته في الفكر السياسي المعاصر قد اكتملت الآن فيما يصطلح عليه بـ"دولة الحق والقانون"، فدولة الحق هي التي تهئ الأسباب لتحقيق العدل، وتوفر ظروف حدوث الرخاء. غير أن هذه الصورة التي لبستها دولة الحق والقانون، ليست كاملة، أو قل إن كمالها كمال ابتدائي، وما زالت تفتقر إلى كمالها النهائي. ونقصد بذلك أن دولة الحق، حينما تحققت، فقد تحققت برفع الحق كـ"مشروع"، وليس برفعه كـ"قانون" محسوم. وآية ذلك أن الحق الذي أتت دولته محررة إياه من الأسر، لا يزال يرزح تحت نير المشروع، وأصفاد النية، وقيود الرغبة. إن الحق الذي ينبغي أن تداوله الدولة حتى يصبح قانونا، هو الحق المضمون، لا الحق "المغبون"، فما جدوى وجود حق إذا لم يمض إلى تحصيله، والسعي في ضمانه؟

         هذا فيما يتصل بالحق، أما فيما يتصل بالقانون، فهو بدوره يكشف عن طابع الكمال الابتدائي للدولة. ذلك أن القانون فيها لا سبيل لكي يصير فيها ميزانا حقيقيا يزن الأفعال ويعير السلوكات إلا إذا كان قانونا مطبقا، وُعرف بعد ذلك مدى مصداقيته، من خلال أثره المادي، وتأثيره المعنوي. ومعنى ذلك عليه الخروج من مرحلة الوجود النظري إلى مرحلة الوجود العملي أو التطبيقي. لا معنى لوجود قانون إذا لم يُمضَ إلى تطبيقه. القانون المعلق آفة دولة القانون، والقانون المطبق فضيلتها؛ إذ بين القانون المعلق والقانون المطبق، تدخل آليات عدة  لتشغيل القانون وتصريفه إلى وقائع وأحكام؛ عبر تجويد أداء السلطة التنفيذية، وضمان تحررها من السلط التشريعية أو القضائية فيما هو معروف من مبدأ "فصل السلط" الذي يهئ الأسباب لمسطرة العدالة لكي تأخذ مجراها.

         كمالان ابتدائيان تنطوي عليهما دولة الحق والقانون: الحق المغبون، والقانون المعلق. ومع كمالهما، فإن سوسة الفساد قد تتطرق إليها، ومن ثم تؤخر وصولها إلى كمالها النهائي؛ وهو الرتبة التي يتم فيها تكريس الحق المضمون، وتأسيس القانون المطبق. إن دولة فيها الحق مضمون، وفيها القانون مطبق، لهي "دولة الديموقراطية" التي ما فتئت مساعي الفكر السياسي يجهد نفسه لإدراكها؛ فبدل دولة "الوساطات"، تكون هناك دولة "الكفاءات"، وبدل دولة "الامتيازات" تكون هناك دولة "التعميمات"، وبدل دولة "القعود"، تكون هناك دولة "الجهود".

         ومع ذلك، فإن الأسباب ما زالت تقصر بالدولة لكي تدرك كمالها النهائي. إن دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، هي في الاعتبار الأخير، صورة من صور إدراك العقل لمنتهاه حسب المنظور الهيجيلي؛ فآخر مطاف العقل، إنما هو الدولة، والدولة حينما تضمن فيها الحقوق، وتطبق فيها القوانين، لا أحد ينكر عليها عقلانيتها. فنيل الحق، عبر تطبيق القانون، إنما هو عين العقلانية في أعلى مستوياتها الرياضية والمنطقية. بيد أن تلك العقلانية، على ضرورتها، قد تصبح أحيانا، منفرة، أو قد تنقلب إلى نقيضها؛ فالعقل، في التحليل الأخير، قوة قمعية على ما مضى إلى ذلك "ماركيوز"، ومن ثم فإذا لم ُيلطف بمكارم الأخلاق، فقد يؤدي بالأرزاق والحقوق معا إلى مهاوي الهلاك. إن تحصيل الحق المضمون، وإدراك القانون المطبق، قد يثمر نوعا من العدل البارد، إذا لم يدفأ بلهيب الرحمة، فلا شئ يمنع من بسط الرحمة متى ضاقت فسحة العدل. الرحمة والعدل إذن متناقضين مترادفين ُيحتاج إليهما لإدراك رتبة الدولة المتوازنة بين مطلب العقل الذي هو العدل، ومطلب الأخلاق الذي هو الرحمة. فأي شئ هي الدولة هاهنا إن لم تكن هي "الدولة العقلانية المتخلقة": "العقلانية" من حيث علاقاتها القائمة على إرسال المصلحة حسب العقل، وتقييدها حسب العدل، و"المتخلقة" من حيث تلطيف علاقاتها بأخلاق الرحمة من تسامح وحلم وتجاوز ومغفرة وتخفيف وعفو

         بقيت ِلدولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة درجة واحدة لإدراك كمالها النهائي؛ وهي بلوغها رتبة "دولة الكرامة المصانة". إن دولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ الدولة التي لا تتحقق بالحق، ولا تتقنن بالقانون، إلا لتتعقلن، لكي تتخلق، هذه الدولة ما لم تدافع عن كرامة، أو تجهد نفسها لكي تصونها، ليست دولة ُيطمح إلى قيامها، ولا ُيسعى في وضع أركانها. حقا إن ضمان الحق، وتطبيق القانون، وتخليق العقل مما قد يهئ مواطنة كرامتها ُمصانة. ومع ذلك فكل الاحتمالات واردة في أن الكرامة معرضة للامتهان، إذا لم ُيعلم جوهر الحق فيضمن، أو ُيعرف مدى روح القانون فيطبق، وُتدرك حدود الأخلاقية والعقلانية فيمضى إلى العمل بها. إن جميع هذه العناصر متداخلة تداخلا عجيبا، كأنها تسير في بعضها البعض، وليس مع بعضها البعض طردا وعكسا؛ فلا كرامة ُمصانة إذا ُأهدر حق معلوم، ولا كرامة ُمصانة إذا علق قانون مشهور، ولا كرامة ُمصانة إذا تعدت العقلانية الأخلاقية حدودها المسموح بها. إن افتراقها يصنع كمالا ابتدائيا للدولة المنشودة، واجتماعها يصنع كمالا نهائيا لها، فنكون، من ثم، في حضرة دولة الحق المضمون، ودولة القانون المطبق، ودولة العقلانية المتخلقة، ودولة الكرامة المصانة؛ التي تداول الحق، وتضمنه، وتداول القانون وتطبقه، وتداول العقل وتخلقه، وتداول الكرامة وتصونها. وبكلمة جامعة، فهذه الدولة، من حيث تداولها ومداولتها لكل ما رأينا، هي دولة ديموقراطية لأنها الدولة التي تداول، وبحرية، الحق والقانون والعقل والأخلاق والكرامة.

الورقة النظرية (3) ما هي حقوق الشمال؟

المطالبة بالحقوق تقتضي وجود شخصية ما لصاحبها حتـّى يمضي إلى المطالبة بما يعتقده حقوقا من نصيبها. والواقع أن الشمال، بما هو كينونة تاريخية وسوسيولوجية وثقافية ولغوية، يمتلك تلك "الشخصية" الـّتي تؤهله لكي يسير في طريق المطالبة بما يعتقد فيه من حقوق، وما يراه من مكاسب. إن شخصية الشمال بداهة واقعية لا تحتاج إلى كثير عناء لإثباتها. هناك من العناصر الثقافية والتاريخية واللغوية والنفسية والإثنية ما تؤكدها. بل هناك من المشاكل المتراكمة تاريخيا، والإكراهات المترتبة سياسيا ما تجعله بهذه الوضعية المختلفة عن سائر الامتداد الوطني (الهجرة السرية، التهريب، المخدرات، آثار الانتهاكات لحقوق الإنسان الـّتي نال الشمال نصيبه منها خلال سنوات الرصاص...) قد يكون الشمال سائرا ضمن المصير العام للوطن المغربي، ولكن مساره فيه من الخصوصية والتميز ما يجعلانه بشخصية واضحة، لها ملامحها الظاهرة، على الرغم من مساعي الدولة تاريخيا إلى إدماجه كرها في النسيج الوطني بما لا يثبت هويته، ولكن بما ينكرها، و بما لا يطور تنميته، ولكن بما يعيقها. الشخصية كهوية وكخصوصية تحتاج للتعبير عن نفسها، والتنادي بأفكارها، ومشاركة الآخرين أشواقها، ومقاسمتهم خيراتها. وما حدث أن الشمال نُكرت عليه شخصيته، ومُحيت ملامحها، وُطعن في هويته، واعتبُر الانتماء إليه شبهة مرتبطة بآفات "الانفصال" عن الجسم الوطني. فلذلك هاهو يمضي إلى نوع من الصحوة الذاتية بشخصيته وبهويته وبخصوصيته، والمطالبة بحقوقه الثابتة بعد مرور ما ينيف على خمسين سنة من الاستقلال، وقد شبع جيلا كاملا من التهميش، وذاق أبناؤه مرارة الحرمان من خيرات الاستقلال، ونكبت حياته أثناء سنوات الرصاص، واتهم أهله في ولائهم الوطني. وعلى هذا، فهناك كثيرا من الحقوق العامة الـّتي تتفرع عنها حقوق خاصة تتوجها وتجعلها وقائع مادية ومعنوية، يحتاج إلى المطالبة بها. الحق الأول يتمثل في ضرورة الاعتراف بالشخصية الشمالية، والحق الثاني يتمثل في احترام خصوصيتها، والحق الثالث يتمثل في صيانة هويتها من عبث النمطية وسخافة التعميم. إن الاعتراف بتلك الشخصية، واحترام خصوصيتها، وصيانة هويتها من النمطية، وانتشال وجودها من التعميم، حقوق متداخلة فيما بينها، متى تمت الاستجابة إليها صار من الممكن تحقيق سائر الحقوق معنويا وماديا مثل الكرامة والحرية والعدالة والسكن والتعليم والتطبيب والشغل والترفيه والنظافة... وتدبيرها بما يستجيب للشخصية وهويتها وخصوصيتها، وبما يستقيم مع تطلعاتها في الكرامة والحرية والعدالة والتقدم والسعادة، ضمن سياسة تدبيرية جديدة، تعطي لأبناء الشمال الأولوية في تسيير شؤون مكانهم، وتوليهم الأحقية في تدبير أمورهم بما يعزز الصف الوطني، ويقوي كيانه تقوية لا تنال منها أية دعوة لا تكون في صالح تطور الشمال، ولا تخدم تقدم مساره على الخط السليم.

         ولعل وسائل الوصول إلى كل ذلك مرتبط بتصور هذا الإطار الحقوقي حول "الجهة" و"الجهوية" و"دولة الجهات" والعلاقات القائمة بين أطرافها، فما هي الجهة لديه؟ وما هو تصوره للجهوية؟ وما هي أنماط العلاقات الـّتي يعتقد في تصريفها لضبط العلاقة بين الجهة والدولة، وآلياتها النظرية والعملية؟ تلك هي أسئلة سيسعى الإطار الحقوقي إلى الإجابة عليها وتقديمها إلى التداول السياسي والفكري الوطني من أجل ترشيد التفكير، ومن أجل تسديد التدبير، سواء للوسائل أو للغايات.

 



<<الصفحة الرئيسية