بعد أن تكلمنا على طرفي العلاقة في "الديموقراطية ودولة الجهات"، نأتي إلى الكلام عن الطرف الثالث، والمتعلق بدولة الجهات. لا بد من الإشارة إلى أن أي تصور يمكن طرحه في هذه المسألة أو غيرها، إنما هو مؤسس على الجانب النظري، المحكوم أساسا بعنصر الإمكان لا بعنصر التحقق. أمامنا تجارب عالمية هنا وهناك، مثل التجربة الأمريكية أو الميكسيكية أو الإسبانية؛ التي تقوم على المبدأ الفدرالي الذي يحكم أطراف العلاقة فيما بين مكوناتها. ويجوز أن يكون هذا هو النموذج الذي يوجد لدى البعض منا وهو يطلب "دولة الجهات". ولكن لا يجب الذهول عن شروط توفرت لتلك التجارب حتى أدركت ما هي عليه من نموذج، فيم لم تتوفر لنا نحن تلك الشروط بالكفاية اللازمة.
وعلى أية حال، لا بأس من القول إن مجرد طرح هذه المسألة للتداول الفكري والسياسي؛ في الوقت الذي ما زلنا لم نحسم بعد في قضية الديموقراطية، وأية مسالك ينبغي سلوكها لكي نبلغ إليها، لهو مكسب يحققه الفكر السياسي الوطني الـّذي ينتظم فيه "الإطار الحقوقي الشمالي"، ويحسب له في تاريخ صراعه من أجل نيل مقاصده النبيلة. في هذا الإطار من النظر، نحب أن ُيفهم عنا المنحى العام الذي يسير فيه تصورنا.
إن هذا التصور المتعلق بدولة الجهات، يستعيد الأسس العامة التي حددناها من قبل للدولة ذاتها، ويعتبر بالركائز الأساسية للجهات كما سبق أن بسطناها. لقد تصورنا الدولة ككيان الحق فيه مضمون، والقانون فيه مطبق، عقلانيته متخلقة، والكرامة فيه مصانة. كما تصورنا الجهة كوحدة لها خصوصية تنعم بالحرية، وتعز بالقوة، وتتميز بالإبداع، وتقدر على التواصل. هذه الأسس العامة التي توجه تصورنا للدولة، مضافة إليها هذه الركائز الأساسية التي تحكم تصورنا للجهة، هي التي نصدر عنها في تصورنا لدولة الجهات؛ فكأنا بذلك ندمج هذه بتلك، حتى تخرج بثمرة واحدة هي دولة الجهات وقد استقام عمودها، ونضج رطبها. إنا نعتبر أن دولة الجهات تحتمل وحدة في تعدد، أو قل تعددا في وحدة. فالدولة هاهنا، بمعنى من المعاني، كيان موحد، فيم الجهات كيانات متعددة. والجهات من ناحيتها تعدد، ولكنه مرتبط بكيان موحد هو الدولة. فالجهات هي الدولة وقد تعددت، والدولة هي الجهات وقد توحدت. الدولة هي التي "تداول" الجهات في تعددها، والجهات هي التي "تواجه" الدولة في توحدها. لماذا هذا الارتباط؟ لأن صيغة "دولة الجهات" لا تحتمل غير هذه العلاقات بين الجهات وبين الدولة. فالجهات هنا مضافة إلى الدولة، مكسورة بكسر الإضافة والجر، مجرورة بحركة الانتماء والخضوع. فالدولة بما هي توحد، تتألف من جهات بما هي تكثر. ولكن ليس من الضروري أن تكون تلك الجهات على وعي تام بجهتها، أي بكيانها من مجموع المكان الذي تتألف منه الدولة؛ فقد يجوز أن نصادف "دولة الجهات" وقد غاب عنصر الشخصية في الجهة، وغاب الوعي بخصوصيتها، فلم تكن فرضا من التاريخ ولا من الجغرافيا، وإنما قرارا إداريا اتخذته السلطة لدواع أمنية أو سياسية أو إدارية. هنا تطرح مسألة طبيعة دولة الجهات ما هي؟ كما تطرح مسألة العلاقات فيما بينها كيف هي؟ لنؤجل قليلا الكلام في العلاقات، ولنواصل الكلام في الأطراف. كيف هي دولة الجهات بهذا الشرط الذي قدمنا، أي الوحدة في تعدد، والتعدد في وحدة؟
إن دولة الجهات، كما نعتقد فيها، هي ذلك الكيان الذي يضمن فيه الحق، ويطبق فيه القانون، وتتخلق فيه العقلانية، وتصان فيه الكرامة؛ كيان بخصوصية متميزة، وبحرية ظاهرة، وبقوة قاهرة، وبقدرة على التواصل جبارة. أي إنه ذلك الكيان الجامع بين الدولة من ناحية، والجهة من ناحية أخرى. ومعنى ذلك فإن ما اعتقدناه للجهة هو عين ما نعتقده ونؤمن به لتركيبها مع الدولة، أي دولة الجهات.
ومع ذلك فإنا نحسب أن هذا التركيب لا يعكس تلك الرغبة الطبيعية التي نملكها في أن تكون دولة الجهات كما نحب ونشتهي؛ كاملة مطلقة بغير آفة أو عيب. هناك شئ منفلت عنا باستمرار في هذا الخليط التركيبي بين الدولة وبين الجهة. ولعله يكمن في أن الدولة هي الكيان المشرف على "تواجه الجهات"، وتدبير شأنها العام. إنها بمثابة تلك المدينة التي تحدث عنها الفكر السياسي القديم مع "أبي نصر الفارابي" لما جعلها موضع اجتماع الناس لكي يتعاونوا على الأشياء التي بها ُتنال السعادة في الحقيقة؛ فلو طبقنا هذا التحديد من الفكر العربي الإسلامي على موضوعنا، لقلنا إن دولة الجهات هي موضع اجتماع الجهات وقد تعاونت على أشياء بها تنال السعادة في الحقيقة. لن نفصل أكثر في مسألة ما هي هذه "الأشياء التي بها تنال السعادة في الحقيقة" ،لأن مكانها هو الكلام في العلاقات. ما نحب التأكيد عليه هاهنا، هو أن أفق دولة الجهات هنا هو "السعادة". إنه أفق رحب ينبغي منذ الآن رد الاعتبار إليه في الفكر السياسي الوطني، واطراح مضمونه الميتافيزيقي، والإبقاء على مضمونه الفيزيقي. فالدولة مهما كانت، والجهة كيفما كانت، ودولة الجهات حسب ما كانت، هي كيانات منتهى غرضها تحقيق السعادة فيما لو بقينا في إطار الفكر الإيجابي المتمنطق بقيم الجدوى. أما إذا لا، فليس مسعى أي منهما إلا "الإشقاء"، وهو نظير ما أثمرته مختلف أنماط الدولة القاهرة في الشرق أم في الغرب. إذا كانت هذه الكيانات تطمح إلى الديموقراطية، فهي، بمعنى من المعاني، لا تطمح إلا لتحقيق الوسيلة، أما الغاية في الحقيقة فهي "السعادة". ومن ثم فإن أخص خصائص الدولة، سواء كانت دولة واحدة أم دولة الجهات، هي رعايتها للأشياء التي بها تنال السعادة. فهل تقدر دولة الجهات على هذا الدور، وهل تراها قادرة على النهوض بأعبائه؟








