المطالبة بالحقوق تقتضي وجود شخصية ما لصاحبها حتـّى يمضي إلى المطالبة بما يعتقده حقوقا من نصيبها. والواقع أن الشمال، بما هو كينونة تاريخية وسوسيولوجية وثقافية ولغوية، يمتلك تلك "الشخصية" الـّتي تؤهله لكي يسير في طريق المطالبة بما يعتقد فيه من حقوق، وما يراه من مكاسب. إن شخصية الشمال بداهة واقعية لا تحتاج إلى كثير عناء لإثباتها. هناك من العناصر الثقافية والتاريخية واللغوية والنفسية والإثنية ما تؤكدها. بل هناك من المشاكل المتراكمة تاريخيا، والإكراهات المترتبة سياسيا ما تجعله بهذه الوضعية المختلفة عن سائر الامتداد الوطني (الهجرة السرية، التهريب، المخدرات، آثار الانتهاكات لحقوق الإنسان الـّتي نال الشمال نصيبه منها خلال سنوات الرصاص...) قد يكون الشمال سائرا ضمن المصير العام للوطن المغربي، ولكن مساره فيه من الخصوصية والتميز ما يجعلانه بشخصية واضحة، لها ملامحها الظاهرة، على الرغم من مساعي الدولة تاريخيا إلى إدماجه كرها في النسيج الوطني بما لا يثبت هويته، ولكن بما ينكرها، و بما لا يطور تنميته، ولكن بما يعيقها. الشخصية كهوية وكخصوصية تحتاج للتعبير عن نفسها، والتنادي بأفكارها، ومشاركة الآخرين أشواقها، ومقاسمتهم خيراتها. وما حدث أن الشمال نُكرت عليه شخصيته، ومُحيت ملامحها، وُطعن في هويته، واعتبُر الانتماء إليه شبهة مرتبطة بآفات "الانفصال" عن الجسم الوطني. فلذلك هاهو يمضي إلى نوع من الصحوة الذاتية بشخصيته وبهويته وبخصوصيته، والمطالبة بحقوقه الثابتة بعد مرور ما ينيف على خمسين سنة من الاستقلال، وقد شبع جيلا كاملا من التهميش، وذاق أبناؤه مرارة الحرمان من خيرات الاستقلال، ونكبت حياته أثناء سنوات الرصاص، واتهم أهله في ولائهم الوطني. وعلى هذا، فهناك كثيرا من الحقوق العامة الـّتي تتفرع عنها حقوق خاصة تتوجها وتجعلها وقائع مادية ومعنوية، يحتاج إلى المطالبة بها. الحق الأول يتمثل في ضرورة الاعتراف بالشخصية الشمالية، والحق الثاني يتمثل في احترام خصوصيتها، والحق الثالث يتمثل في صيانة هويتها من عبث النمطية وسخافة التعميم. إن الاعتراف بتلك الشخصية، واحترام خصوصيتها، وصيانة هويتها من النمطية، وانتشال وجودها من التعميم، حقوق متداخلة فيما بينها، متى تمت الاستجابة إليها صار من الممكن تحقيق سائر الحقوق معنويا وماديا مثل الكرامة والحرية والعدالة والسكن والتعليم والتطبيب والشغل والترفيه والنظافة... وتدبيرها بما يستجيب للشخصية وهويتها وخصوصيتها، وبما يستقيم مع تطلعاتها في الكرامة والحرية والعدالة والتقدم والسعادة، ضمن سياسة تدبيرية جديدة، تعطي لأبناء الشمال الأولوية في تسيير شؤون مكانهم، وتوليهم الأحقية في تدبير أمورهم بما يعزز الصف الوطني، ويقوي كيانه تقوية لا تنال منها أية دعوة لا تكون في صالح تطور الشمال، ولا تخدم تقدم مساره على الخط السليم.
ولعل وسائل الوصول إلى كل ذلك مرتبط بتصور هذا الإطار الحقوقي حول "الجهة" و"الجهوية" و"دولة الجهات" والعلاقات القائمة بين أطرافها، فما هي الجهة لديه؟ وما هو تصوره للجهوية؟ وما هي أنماط العلاقات الـّتي يعتقد في تصريفها لضبط العلاقة بين الجهة والدولة، وآلياتها النظرية والعملية؟ تلك هي أسئلة سيسعى الإطار الحقوقي إلى الإجابة عليها وتقديمها إلى التداول السياسي والفكري الوطني من أجل ترشيد التفكير، ومن أجل تسديد التدبير، سواء للوسائل أو للغايات.








