تحيل إشكالية الديموقراطية ودولة الجهات إلى فضاء علائقي، تشكل طرفاه الدولة من ناحية، والجهات من ناحية ثانية، وفضاء قيمي تؤلفه الديموقراطية كواجب الوجود بين الدولة وبين جهاتها من ناحية ثالثة. فأما الفضاء العلائقي، فلأن هناك طرفان اثنان قائمان في الزمان والمكان، وأما الفضاء القيمي، فلأن هناك طرفا ثالثا بينهما يراد له أن يكون موجودا إذا ُعدم، ومعقولا إذا ُوجد.
إن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات إذن كلام في الأطراف، وكلام في العلاقات، وكلام في القيم. فما المقصود بالأطراف، وفيها الدولة والجهات ودولة الجهات؟ وما المقصود بالعلاقات، وفيها علاقة الدولة بالجهات ؟ وما المقصود بالقيم السائدة بين الدولة وجهاتها؟
كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في المقتضيات؛ ما هو مقتضى الجهات؟ ومقتضى دولة الجهات؟ وما هي مقتضيات العلاقة بينهما؟
كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الموانع؛ فما الذي يمنع تحقق دولة الجهات، وما الذي يمنع سيادة الديموقراطية بين الدولة وبين جهاتها؟
كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، كلام في الوسائل التي بها تتحقق الديموقراطية ودولة الجهات؟ ما هي أنجعها؟ وما هي أجرأها؟
كما أن الكلام في الديموقراطية ودولة الجهات، هو كلام في المنطق العام الواجب سيادته بينهما، والضروري هيمنته عليهما؟
أطراف العلاقة بين الدولة وجهاتها
قبل الكلام عن العلاقات والقيم السائدة وبين الأطراف، لا بد من الكلام عن الدولة من ناحية، والجهات من ناحية أخرى، حتى يستقيم بعدها الكلام فيما ينبغي أن يسود بينهما من قيم، وما ينبغي أن تنضبط له من منطق، وما ينبغي أن تخضع له من مقتضيات.
5-1 دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة، والكرامة المصانة
هناك أقوال عدة فيما تكون الدولة، بسط في تحديد معالمها الفكر السياسي القديم والحديث، في الشرق وفي الغرب، ونظر لوظائفها، وفصل في طبيعتها؛ حتى أنها لا تخرج في رأينا عن ثلاثة أنماط من الدول لا ثالث لهما: أولا “دولة القهر”، وثانيها “دولة العدل”، وثالثها “دولة الرخاء”؛ فالأولى يغيب فيها العدل، وينتفي فيها الرخاء، والثانية يغيب فيها القهر، ويحضر فيها العسر، والثالثة يحضر فيها العدل والرخاء معا. وكلها دول “تداول” مجموعة من القيم يمكن حصرها في قيمة “السلطة” لأن السلطة هي التي تقرر قيم “القهر” أو “العدل” أو “الرخاء” حقيقة أو مجازا. فنمط الدولة الأولى تداول قيمة “القهر”، ونمط الدولة الثانية تداول قيمة “العدل”، ونمط الدولة الثالثة تداول قيمة “الرخاء”. هذا النمط الثالث، الجامع بين العدل والرخاء، هو منتهى ما طمح إليه الفكر السياسي النازع نحو المثال والناقد لواقع الحال. ولعل صورته في الفكر السياسي المعاصر قد اكتملت الآن فيما يصطلح عليه بـ"دولة الحق والقانون"، فدولة الحق هي التي تهئ الأسباب لتحقيق العدل، وتوفر ظروف حدوث الرخاء. غير أن هذه الصورة التي لبستها دولة الحق والقانون، ليست كاملة، أو قل إن كمالها كمال ابتدائي، وما زالت تفتقر إلى كمالها النهائي. ونقصد بذلك أن دولة الحق، حينما تحققت، فقد تحققت برفع الحق كـ"مشروع"، وليس برفعه كـ"قانون" محسوم. وآية ذلك أن الحق الذي أتت دولته محررة إياه من الأسر، لا يزال يرزح تحت نير المشروع، وأصفاد النية، وقيود الرغبة. إن الحق الذي ينبغي أن تداوله الدولة حتى يصبح قانونا، هو الحق المضمون، لا الحق "المغبون"، فما جدوى وجود حق إذا لم يمض إلى تحصيله، والسعي في ضمانه؟
هذا فيما يتصل بالحق، أما فيما يتصل بالقانون، فهو بدوره يكشف عن طابع الكمال الابتدائي للدولة. ذلك أن القانون فيها لا سبيل لكي يصير فيها ميزانا حقيقيا يزن الأفعال ويعير السلوكات إلا إذا كان قانونا مطبقا، وُعرف بعد ذلك مدى مصداقيته، من خلال أثره المادي، وتأثيره المعنوي. ومعنى ذلك عليه الخروج من مرحلة الوجود النظري إلى مرحلة الوجود العملي أو التطبيقي. لا معنى لوجود قانون إذا لم يُمضَ إلى تطبيقه. القانون المعلق آفة دولة القانون، والقانون المطبق فضيلتها؛ إذ بين القانون المعلق والقانون المطبق، تدخل آليات عدة لتشغيل القانون وتصريفه إلى وقائع وأحكام؛ عبر تجويد أداء السلطة التنفيذية، وضمان تحررها من السلط التشريعية أو القضائية فيما هو معروف من مبدأ "فصل السلط" الذي يهئ الأسباب لمسطرة العدالة لكي تأخذ مجراها.
كمالان ابتدائيان تنطوي عليهما دولة الحق والقانون: الحق المغبون، والقانون المعلق. ومع كمالهما، فإن سوسة الفساد قد تتطرق إليها، ومن ثم تؤخر وصولها إلى كمالها النهائي؛ وهو الرتبة التي يتم فيها تكريس الحق المضمون، وتأسيس القانون المطبق. إن دولة فيها الحق مضمون، وفيها القانون مطبق، لهي "دولة الديموقراطية" التي ما فتئت مساعي الفكر السياسي يجهد نفسه لإدراكها؛ فبدل دولة "الوساطات"، تكون هناك دولة "الكفاءات"، وبدل دولة "الامتيازات" تكون هناك دولة "التعميمات"، وبدل دولة "القعود"، تكون هناك دولة "الجهود".
ومع ذلك، فإن الأسباب ما زالت تقصر بالدولة لكي تدرك كمالها النهائي. إن دولة الحق المضمون، والقانون المطبق، هي في الاعتبار الأخير، صورة من صور إدراك العقل لمنتهاه حسب المنظور الهيجيلي؛ فآخر مطاف العقل، إنما هو الدولة، والدولة حينما تضمن فيها الحقوق، وتطبق فيها القوانين، لا أحد ينكر عليها عقلانيتها. فنيل الحق، عبر تطبيق القانون، إنما هو عين العقلانية في أعلى مستوياتها الرياضية والمنطقية. بيد أن تلك العقلانية، على ضرورتها، قد تصبح أحيانا، منفرة، أو قد تنقلب إلى نقيضها؛ فالعقل، في التحليل الأخير، قوة قمعية على ما مضى إلى ذلك "ماركيوز"، ومن ثم فإذا لم ُيلطف بمكارم الأخلاق، فقد يؤدي بالأرزاق والحقوق معا إلى مهاوي الهلاك. إن تحصيل الحق المضمون، وإدراك القانون المطبق، قد يثمر نوعا من العدل البارد، إذا لم يدفأ بلهيب الرحمة، فلا شئ يمنع من بسط الرحمة متى ضاقت فسحة العدل. الرحمة والعدل إذن متناقضين مترادفين ُيحتاج إليهما لإدراك رتبة الدولة المتوازنة بين مطلب العقل الذي هو العدل، ومطلب الأخلاق الذي هو الرحمة. فأي شئ هي الدولة هاهنا إن لم تكن هي "الدولة العقلانية المتخلقة": "العقلانية" من حيث علاقاتها القائمة على إرسال المصلحة حسب العقل، وتقييدها حسب العدل، و"المتخلقة" من حيث تلطيف علاقاتها بأخلاق الرحمة من تسامح وحلم وتجاوز ومغفرة وتخفيف وعفو…
بقيت ِلدولة الحق المضمون، والقانون المطبق، والعقلانية المتخلقة درجة واحدة لإدراك كمالها النهائي؛ وهي بلوغها رتبة "دولة الكرامة المصانة". إن دولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ الدولة التي لا تتحقق بالحق، ولا تتقنن بالقانون، إلا لتتعقلن، لكي تتخلق، هذه الدولة ما لم تدافع عن كرامة، أو تجهد نفسها لكي تصونها، ليست دولة ُيطمح إلى قيامها، ولا ُيسعى في وضع أركانها. حقا إن ضمان الحق، وتطبيق القانون، وتخليق العقل مما قد يهئ مواطنة كرامتها ُمصانة. ومع ذلك فكل الاحتمالات واردة في أن الكرامة معرضة للامتهان، إذا لم ُيعلم جوهر الحق فيضمن، أو ُيعرف مدى روح القانون فيطبق، وُتدرك حدود الأخلاقية والعقلانية فيمضى إلى العمل بها. إن جميع هذه العناصر متداخلة تداخلا عجيبا، كأنها تسير في بعضها البعض، وليس مع بعضها البعض طردا وعكسا؛ فلا كرامة ُمصانة إذا ُأهدر حق معلوم، ولا كرامة ُمصانة إذا علق قانون مشهور، ولا كرامة ُمصانة إذا تعدت العقلانية الأخلاقية حدودها المسموح بها. إن افتراقها يصنع كمالا ابتدائيا للدولة المنشودة، واجتماعها يصنع كمالا نهائيا لها، فنكون، من ثم، في حضرة دولة الحق المضمون، ودولة القانون المطبق، ودولة العقلانية المتخلقة، ودولة الكرامة المصانة؛ التي تداول الحق، وتضمنه، وتداول القانون وتطبقه، وتداول العقل وتخلقه، وتداول الكرامة وتصونها. وبكلمة جامعة، فهذه الدولة، من حيث تداولها ومداولتها لكل ما رأينا، هي دولة ديموقراطية لأنها الدولة التي تداول، وبحرية، الحق والقانون والعقل والأخلاق والكرامة.








