تفيد الجهة مفهوما جغرافيا وتاريخيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا؛ فمن حيث إفادتها الجغرافية، هي جماع أرض معلومة، بسمات مخصوصة، سهلية كانت أو جبلية، أو هما معا، خصبة أو قاحلة، ذات مناخ معتدل أو شديد البرودة أو شديد الحرارة، رطب أو قاري… لها حدود مرسومة أو حدود مفترضة، بحرية أو برية.
أما من حيث إفادتها التاريخية، فهي جماع ذكريات وطنية، وأمجاد تاريخية، كانت هزائم أم انتصارات، نكبات أم مسرات، مطوي تاريخها في الأوراق والوثائق، أم منشور في الصحف والمجلات والأسفار، أم ثابت في الآثار والعمران...
أما من حيث إفادتها الثقافية، فهي جماع تعابير أدبية أو فنية أو دينية أو اجتماعية، عملية أو نظرية، راكمتها طيلة تاريخها وصقلتها في أطواره، ونمتها خلال سياقاته...
أما من حيث إفادتها السياسية، فهي جماع كينونة التدبير لديها؛ إما مستقلة بذاتها مكتفية بنفسها عن غيرها، أم محتاجة إلى غيرها لقوام ذاتها، حرة أم تابعة محتاجة أم ُمحتاج إليها...
أما من حيث إفادتها الاقتصادية، فهي جماع إمكانيات الخير المادي لديها، في الطاقة أم في الزراعة، في الصناعة أم في السياحة أم في جميعها...
هكذا تحدد مفهوم "الجهة" لدى من نظروا له من رجال الفكر السياسي والقانوني، فوضعوا له من ثم، أطرا إدارية تضبطه، وقوالب سياسية تؤطره، وأنشأوا له ضوابط علائقية تحكمه مع الأطراف الأخرى التي تقاسمه المكان أو الزمان. وإن إمعان النظر في مفهوم الجهة، باستحضار إفاداته الجغرافية والتاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية مما ذكرنا، ُيشرِف بنا على دلالات متعددة ومختلفة؛ منها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة المكان والزمان؛ فالجهة توجد في الأرض، وتبلور وجودها في التاريخ. ومنها أن مفهوم الجهة ينطوي على دلالة "الاتجاه"؛ سواء "التحيز في المكان" مع جهة أخرى، أو"التزمن في التاريخ" مع أخرى، أو دلالة "المواجهة" مع جهة أخرى بمعناها السلبي كالحرب، أو بمعناها الإيجابي كالحوار والتعاون والتكامل، إما مع جهة أخرى، أو دولة أخرى. هذه الدلالات المتعددة والمختلفة، أي دلالة "التحيز في المكان"، و"التزمن في التاريخ"، و"الاتجاه مع الآخر"، و"المواجهة" معه، هي التي تحدد في نظرنا طبيعة العلاقة المحتملة مع الدولة ككيان جامع للجهات أو ككيان مانع لها، أو حتى مع غيرها من الجهات؛ لأنها تخرج بها من الإطار المكاني والزماني، إلى الإطار القيمي. فالجهة بما هي جهة، تتحيز، وجهة تتزمن، هي جهة ُتجاور، ومن ثم تنفتح واقعة التجاور على فضاء إشكالي أخص خصائصه أنه يطرح سؤال "الخصوصية" و"الحرية" و"الإبداع" و"التواصل" كـ"أسئلة هوية" لهذه الجهة، قد يمضي بها التوتر الإشكالي إلى أن تصبح "أسئلة قضية" لها. فالذي يتجاور في الزمان والمكان، إنما يتجاور وفق خصائص يمتلكها، وحرية يتمتع بها، وإبداعا يتميز به، وتواصلا ينهض بأعبائه. إن الداعي إلى وجود الجهة إنما يبرره وجود خصوصية لها؛ سواء كانت متعلقة بالجغرافيا أم بالتاريخ، بالثقافة أم بالاقتصاد، بحيث لا مجال لأن تتشابه الجهات، ولا أن تتطابق. فالخصوصية هي محض تعدد في جوهر الجهة، ومجرد تعدد في عرضها. الجهة بما هي جهة، تتقاسم المكان مع غيرها من الجهات، وتشارك غيرها الزمان، وليس ذلك إلا بفضل خصوصيتها التي ميزتها عبر التاريخ. وهذه الخصوصية إنما هي خصوصية تاريخية أساسا. ولهذا فليس هناك من سبيل لفرض "خصوصية جديدة"، لأن مسألة الخصوصية ليست مما تقرره الإرادة في صورتها الإدارية أو السياسية، وإنما هي مما تقرره "صيرورة التجاور" من حيث اشتغال آلية التغالب والغلبة بين الجهات على الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي والحضاري. وكما لا سبيل إلى فرض خصوصية جديدة، لا سبيل أيضا لـ"إلحاق" الجهة بنمط عام، لأن الجهة بما هي جهة، هي مواجهة لـ"التنميط العام" الذي تخضع له؛ بحيث يصعب إلحاقها بركب التوحيد النمطي الذي قد تجريه عليها سلطة عليا كما هو الشأن عليه من لدن الدولة مثلا. دائما هناك "جهة مقاومة"، ما دامت هناك "قيم مقاومة" في الجهة؛ تتعالى على مجرد التحيز في المكان، وتتعالى على بسيط التزمن في التاريخ، لكي تسمق عاليا في سماء المثال واليوتوبيا. وعلى هذا فمصير "التنميط" الذي قد تصطنعه الدولة مثلا، لكي توحد به الجهات وتلحقها بإيديولوجية الوحدة، هو مصير الفشل؛ خصوصا إذا استمر دفق الوعي بالخصوصية، واستقوى الوعي بها، باتخاذ قيم المواجهة وأخلاق المقاومة أمام سعي الدولة لتعميم النمط الوحيد في الحياة، واللغة الوحيدة في التخاطب، والنموذج الأوحد للولاء عبر أجهزتها الإيديولوجية المتنوعة، بدءا بالمدرسة وانتهاء بالوسائل السمعية والبصرية.
إن استمرار ذلك الوعي بالخصوصية، واستئناف الشعور بالمقاومة تجاه أي توحيد نمطي للجهة، إنما مبعثه الشعور الغامر بالحرية الذي يؤسس روح وجسد الجهة. فما الجهة إلا فردا في الجغرافيا، ووحدة في التاريخ. ولكي يتم الشعور بالحرية، لا بد من اكتمال الشعور بالفردية؛ إذ الفردية هنا واقع جغرافي وتاريخي، وليس واقعا قيميا يفصح عن أخلاق الأثرة، ويروج لسلوك الانعزال، وينطوي على مشاعر التعصب، لأن في تجاور الجهة مع غيرها، ما ينفي ذلك عنها فيما سنقرره من خاصية التواصل التي ينبغي أن تنهض بأعبائها بكل وعي ومسؤولية.
الجهة والحرية صنوان لا يفترقان. هذا على الأقل على مستوى الإرادة، أما على مستوى الواقع، فإنا نعلم أن موقع الجهة وضغط المواجهة التي ترتهن لها، إذا كان يجعلها فاقدة لحريتها، إنما لا يجعلها فاقدة لنزوعها إلى التحرر، ولا ناقصة الشعور بالكراهية للاستعباد؛ خصوصا لدى من أشبعت نفوسهم محبة لها وكراهية لغيرها، فكان لديهم الولاء ولاء للجهة، لا لغيرها. ليست الجهة جهة إلا لأنها حرة، وإن تجاورت في الزمان والمكان مع جهات أخرى. هي جهة لأنها هي التي تسود جهتها، وتقرر أية مصلحة توافق جهتها، وأية مضرة تضر بها. وأعظم قدرٍ يمكن أن يصادف الجهة هي "جهتها" على البحر، ومواجهتها لامتداده. الوجود أمام البحر، والعيش على مرأى من امتداده، يجعل من الحرية، ومن النزوع إليها شرطا بنيويا من شروط كينونة الجهة؛ لأنه مرتبط بالامتداد، والامتداد نافذة مشرعة على الحرية وعلى ريحها. إن وجود الجهة على البحر، مواجهة لامتداده، إنما هو قضاء لها بالحرية، وإمضاء لها على الانطلاق. ولذلك نجد أن الشعوب التي توجد على البحر هي شعوب تواقة إلى الحرية، والفترات التي تعيشها تحت نير الاستعباد، إنما هي فترات عابرة في حياتها سرعان ما تصير إلى زوال، كلما أبقت على شعلة المقاومة متوهجة في أحشائها.
والجهة المواجهة للبحر، هي جهة منفتحة على المجهول، وتشتاق معرفته، والاطلاع على أحواله. وبين هذا الوجود أمام البحر، وبين الشوق إلى معرفة مجهوله، تبرز واقعة "الإبحار". ليس الإبحار ركوب البحر لمجرد تحصيل الرزق فحسب، بل هو هتك لأسراره واكتشاف لأغواره. فالإبحار هو ركوب الفضول إلى مجهول المعرفة، ومنكور العلم، وفيه يظهر الآخر وينكشف، وُترجى ،من ثم، إقامة صلة ما معه توجهها الرغبة في الوصال، فتتحقق بعدها واقعة التواصل بما هي فعل تواصل بين أطراف الصلة. الجهة في مواجهة البحر، تشعر بالحرية، فتنطلق للإبحار فتكتشف الآخر، ثم تسعى إلى التواصل معه. وهذا هو بعد آخر من أبعاد الجهة، بما هي جهة متواصلة مع غيرها؛ لا سيما إذا كانت موجودة على البحر يناديها للإبحار فتكتشف الآخر، وتعقد معه ِصلات التواصل، أو قل ِصلات الـ"التواجه" بعد ِصلات "الاتجاه".
وكما يكون "الاتجاه" في البحر، يكون في البر أيضا. هنا تسعى الجهة إلى التواصل مع التخوم، في البداية، حراسة لحدودها النظرية والواقعية، والتعرف على جوارها، وفي الأثناء حوارا معها، وفي النهاية تواصلا معها؛ سواء كان هذا التواصل عنيفا أم خفيفا.
في واقعة التواصل، يظهر بعد آخر من أبعاد الجهة، وهو المتعلق بالإبداع. الجهة لا تكون ذات خصوصية إلا لأنها أبدعت كينونة على غير مثال، ولا تكون حرة إلا أنها قادرة على الحفاظ على خصوصيتها، ومستطيعة الدفاع عنها أمام أي مسعى لاستعبادها. ولا تكون متواصلة إلا لأنها حرة في "حركة الصلة" التي تقوم بها، ومطمئنة إلى موضوع التواصل الذي تنخرط فيه. إنها، سواء كخصوصية، أو كحرية، أو كتواصل، جهة للإبداع، لأنها اكتملت لديها أخص شروطه وهو الحرية. لقد أبدعت الجهة خصوصيتها، فلم لا تبدع حريتها، ولم لا تبدع حتى أنماط تواصلها؟ الإبداع، متعلقا بالجهة، ينفي الاتباع؛ فلا تسعى الجهة إلى المطابقة، والإبداع ينكر الخضوع، فلا تنهض الجهة إلى العمومية، فتقع في شرنقة الولاء للنموذج العام. الجهة مكان الإبداع، وقبر الاتباع. والإبداع حرية، والحرية تقتضي التواصل. وكلها مقتضيات للجهة التي تواجه كينونتها، وتتجه إلى مصيرها.
غير أن هذه المواجهة والتواجه، يظلان بغير فائدة إذا لم يضمن لهما شرط أساسي أسبق هو شرط "القوة".لا جهة ذات خصوصية وهي ضعيفة، حتى لا يخشى من عاقبة تعميمها، ولا جهة حرة وهي خائرة القوى حتى لا يقلق على عافيتها من السقوط في إكراه الاستشفاء بتعاليم غيرها، ولا جهة متواصلة بشرط الضعف حتى لا ُيطمع في استضعافها واستنزاف خيراتها. التواصل تكافؤ في القوة، وأحسنه أن يقوم بين طرفين قويين لا بين طرف قوي وطرف ضعيف. ولا جهة مبدعة وهي ضعيفة، حتى لا تبدع مسخا لنفسها العاجزة، وتمكن منها غيرها باليسير من الأسباب، وتسلمه نفسها بالضعيف من الوسائل. لا بد من أن تكون الجهة قوية، ولا بد من أن تتميز بالقوة، ولا بد أن تسعى إلى الاستقواء في حالة العجز، ولا بد أن تمضي الاستزادة من القوة في حالة التمكن.
أبعاد خمسة إذن تحتاجها الجهة، بُعد "الخصوصية"، و بُعد "الحرية"، وبُعد "التواصل"، وبُعد "الإبداع" وبُعد "القوة". إن جهة لا تنطوي على هذه الأبعاد جهة ممسوخة، عامة، مقيدة، منكفئة على نفسها، تابعة، ضعيفة، فيستحسن أن تلحق بغيرها في ركب العمومية، وتضاف إليه في مسار العبودية، وتنغلق معه في قالب الانغلاق، وتتبعه في عقيدة الاتباع، وتجمد معه على ثقافة التواكل. وبعبارة أخرى، عليها أن تنخرط في عمومية الدولة، ولها بعد ذلك أن ترى هل هذه الدولة "دولة قهر" أم "دولة عدل" أم "دولة رخاء"...






said:



من المغرب