بعد أن تكلمنا على أطراف العلاقة بين الدولة والجهات، نأتي إلى الكلام على العلاقة بينهما في حد ذاتها. فهل توجد علاقة بين الدولة والجهات؟ ما طبيعتها؟ ما هو مداها؟
إذا تكلمنا بصيغة "دولة الجهات"، فمن المؤكد أن العلاقة بين الدولة والجهة، علاقة موجودة؛ صحت وقائعها أم لم تصح. لقد حددنا طبيعة الدولة كما نتصورها، فقلنا إنها الدولة التي فيها القانون مطبق، والحق فيها مضمون، والعقلانية متخلقة، والكرامة ُمصانة. ثم مضينا فحددنا طبيعة الجهة كما نتصورها، كجهة الخصوصية، والحرية، والقوة، والإبداع، والتواصل. فما قلناه قبلا بصدد أطراف العلاقة ينبغي أن نضيفه الآن إلى علاقة الأطراف. وبناء على ذلك، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم الخصوصية، وتؤكد التواصل، وتحافظ على القوة، وتفسح الحرية لجميع ذلك. ومن ثم فهي العلاقة التي تضمن الحق، وتصون الكرامة، وتطبق القانون، وتتخلق فيها العقلانية. وبعبارة أخرى، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم فيها الدولة خصوصية الجهة؛ فلا تمضي إلى مسخها، أو إلى تمرير خصوصية أخرى داخلها، أو تنمط خصوصية نموذجية فتعممها على سائر الجهات. وهي العلاقة التي تترك فيها الدولة الحرية للجهات لكي تصنع لنفسها ما تشاء، تدبر أمورها، وتستقل بشؤونها؛ لا تتدخل في مخططاتها العامة لحياتها، فتحدث فيها من التغيير ما تشاء، أو تبدل فيها ما تريد. وهي العلاقة التي تقدر فيها الدولة إبداع الجهة لنمط حياتها، وكيفية تسيير شؤونها، ومظاهر ذلك الإبداع وتجلياته؛ فلا تفرض عليها أن تتبعها، ولا تكرهها على النسج على منوالها. وهي العلاقة التي تبارك فيها الدولة كل مساعي التواصل مع الجهات الأخرى أو مع الدولة ذاتها؛ ما دامت تدخل في الخط العام لتحصيل السعادة من كليهما، ولا تحدث ما من شأنه أن يعرقلها، أو يجهض إمكانيات إثمارها واستثمارها واستمرارها. وهي العلاقة التي تنظر فيها الدولة إلى مظاهر القوة في الجهة فتتعهدها بالرعاية، فتستقوي بها، وتظاهر بها غيرها من الدول، لا ساعية في إضعافها، ولا راجية استضعافها، ولا مدبرة تضعيفها. بل إن هذه العلاقة ينبغي أن تنضبط في نظرنا حتى للأسس العامة للدولة ذاتها كما تصورناها. فهي العلاقة التي تثق فيها الجهة أن حقها مضمون لن يضيع، وأن القانون عليها وعلى غيرها لا محالة مطبق غير معلق، وأن علاقاتها بها علاقة عقلانية متخلقة تنطوي على أبعاد إنسانية.
ومثلما نرى انضباط العلاقة بين الدولة والجهات إلى ماذكرنا، هكذا نرى ضرورة انضباط العلاقة الممكنة بين الجهات فيما بينها. فعلاقة الجهات فيما بينها، إنما هي في نظرنا علاقة خصوصية؛ تقدر كل واحدة من الجهات خصوصية غيرها، وتحترم حريتها، وتستقوي بقوتها، وتتواصل معها، راجية أن يكون الحق فيما بينها مضمون، والقانون بينها مطبق، والكرامة فيما بينها ُمصانة، والعقلانية بينها متخلقة. إن علاقة الدولة مع الجهة، وهذه مع غيرها، يعطي في البداية- ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والجهة- الانطباع بأن المركز هو الدولة والهامش هو الجهة. هذا صحيح إلى حد بعيد. إنما هو غير صحيح من أن الدولة هاهنا قد تصبح أمرا لاغيا بمجرد استواء العلاقات فيما بينها وبين الجهات، وفيم بين الجهات وبعضها البعض. إنها لن تظل ثابتة في مكانها مثلما كانت من قبل. الدولة حاضرة لأنها تحاول بسط سلطتها وقد رأت انتفاء العمل بالقيم المؤسسة للدولة ذاتها، وللجهات من بعدها. أما لما تسير القيم في طريقها الطبيعي، تحتجب الدولة وتحتجب معها سلطتها الرمزية، ولا يحتاج الأمر بعدها إلى وجود الدولة دون السقوط في عدمية فوضوية حين الاعتقاد في هذا. فقد تصبح الدولة نواة للوطن خصوصا وأن الشعور بالوطن نادر الوجود في الدولة، فالولاءات ليست إلا للحكام، وليس للأوطان مع أن بداية بروز الحركة الوطنية في كثير من بلدان العالم برز ببروز الشعور الوطني حول "وطن" ما، محدد الجغرافيا، ومعروف التاريخ، ومنتظر منه أن يقوم بدور ما في المستقبل. الأجيال اللاحقة فرطت في هذا الشعور إلا في مباريات كرة القدم، وجمدت على الشعور السلطوي أو الولاء للحكم وللنظام السياسي خاصة بعد تسلط الأنظمة القطرية على مصائر البلدان العربية. والتمركز الذي تبديه الدولة الآن ليس إلا تمركز نخبة سياسية حاكمة، دينية كانت أو علمانية، عسكرية أو مدنية. ومع ذلك لا الدولة بالمركز، ولا الجهات بالهامش. كلها مراكز في نفس الوقت، أو باختلاف الأوقات. وكلها هوامش في نفس الوقت أو باختلافها. لنسلم بمركزية الدولة تجاه جهاتها، فنقول إن الكيفية التي تحدثنا بها عن أنماط العلاقة مع الأطراف، هي كيفية توحي بمركزية الدولة وبهامشية الجهات؛ فالدولة هي التي يجب أن تحترم الخصوصية، وترعى الحرية، وتسمح بالإبداع، وتسمح بالتواصل، وهي الدولة التي ينبغي أن يكون فيها الحق مضمون، والقانون مطبق، والكرامة مصانة، والعقلانية متخلقة.
إن دولة هذه صفاتها، وعلاقة هذه أحوالها، تطرح، شئنا أم أبينا، سؤال "الانتماء". هل هذا الانتماء، انتماء اختيار أم انتماء اضطرار؟ لاشك أن أسمى انتماء يمكن أن يميز الجهة كما حددناها، هو انتماء نابع عن الاختيار والحرية، لا عن الاضطرار والقهر. فجهة حرة، ذات خصوصية قوية، مبدعة ومتواصلة، بالضرورة تختار الانتماء إلى دولة بالمواصفات التي حددنا، دولة الحق فيها مضمون، والقانون مطبق، والعقلانية فيها متخلقة، والكرامة فيها ُمصانة. ومعنى ذلك أن الجهة تبحث عن التكامل مع دولة الجهات متى انتمت إليها انتماء اختيار، ورأت فيها من الأسباب ما يعزز خصوصيتها بين الخصوصيات، ويقوي قوتها بين القوى، ويدعم حريتها بين الحريات، ويغني إبداعها بين الإبداعات، ويثري تواصلها بين المتواصلات. ما لم تكن دولة الجهات بالمواصفات التي ذكرنا، وما لم تتهيأ للجهة أسباب التكامل المعقولة معها، تنتفي دواعي الانتماء أصلا، وتصبح العلاقة هاهنا علاقة "تقاتل". إن الدولة تجهد وسائلها من أجل إخضاع الجهة لسياستها وفق المنظور الذي ترتئيه، والجهة تستنفر طاقتها من أجل مقاومة ضغط الدولة. التكامل والتقاتل هما اللذان يحددان ما إذا كانت توجد العلاقة بين الدولة والجهات، ومن ثم تكشف طبيعة هذه العلاقة هل هي علاقة تكامل أم علاقة تقاتل؟