تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الورقة النظرية (10) قيم الديموقراطية كوسيط بين الجهات والدولة

وجود دولة الجهات هو بلا ريب، مظهر من مظاهر الديموقراطية؛ فالتعدد الذي يطبع الديموقراطية، ليس إلا تجسيدا لواقع التعدد الذي يميز الجهات. لا يستقيم التعدد مع وجود"دولة التوحيد" التي جسدتها مؤسسيا الدولة الفاشية مع "موسوليني" في إيطاليا، وصاغتها نظريا أطروحات "خوسي أنطونيو بريمو دي ريفيرا"  في إسبانيا. الديموقراطية هي الأنسب لواقع الجهات؛ فبها تشتغل وبها تعيش، وبها تحافظ على خصوصيتها، وعلى حريتها، وعلى قوتها، وعلى روح الإبداع لديها، وعلى حس التواصل الذي يسكنها. ولذلك فأنسب علاقة ينبغي أن تحكم الجهة بالدولة أو بغيرها من الجهات هي آلية الديموقراطية. إن الديموقراطية آلية لتحقيق مقاصد عدة نجملها في "السعادة"؛ إذ هي ليست بالغاية التي يسعى إليها، بل هي الوسيلة التي يتوسل بها لتحقيق السعادة في الدولة التي وجد لها الفكر السياسي تعبيرا مناسبا وهو تحقيق دولة الخير والرفاهية مع التحفظ على أن الرفاهية لها مدلول مادي يقصر بها عن إدراك رتبة السعادة التي هي اللذة الحسية والروحية معا. إن الدولة التي وصفناها لا يمكن أن تكون إلا الدولة الديموقراطية، أما الجهات التي حددناها فهي بدورها لا يمكن أن تكون إلا الجهات الديموقراطية. هنا لا بد من الجمع بين النظيرين: الدولة والديموقراطية والجهات والديموقراطية، ومن ثم فإن العلاقة السائدة بينهما هي العلاقة الديموقراطية باعتبارها التجسيد الفعلي للحداثة السياسية. إذا كانت الجهات هي التعبير الحداثي عن الانتماءات، فإن الديموقراطية هي التعبير الفعلي عن تلك الحداثة صورة وجسدا. إن الديموقراطية في معانيها الأولى، تعني النظام الذي بوساطته يحكم الشعب نفسه بنفسه بناء على سيادة واضحة هي سيادة الشعب. هذا المعنى الأولي هو ذاته يصلح لكي ينطبق على الجهات. فالديموقراطية هي أن تحكم الجهات نفسها بنفسها بدون وصاية من الدولة ولا بتوجيه منها. فمن نفسها تستمد السيادة لا من غيرها. لا تحتاج الجهة إلى أن تحكمها الدولة. إن انتماءها إليها لا يجيز لها أن تمارس الحكم عليها، بل أن تتكامل معها. دواعي الانتماء ليس أن تصبح الجهة موضوعا للحكم، بل موضوعا للتكامل. والتكامل يفترض أن تحكم الجهة نفسها بنفسها، وتقرر الأشكال والكيفيات التي بها ستتكامل مع غيرها؛ سواء كانت الدولة أم باقي الجهات. إن الأصل هو الجهة، لأنها هي "القبلة"-حسب المعنى القاموسي- التي ينبغي توجيه الأبصار إليها، والفرع هو الدولة. الأمر يتعلق بدولة تنتمي إلى الجهات، لا جهات الدولة، أي الجهات التي تنتمي إلى الدولة. وفي رأينا الشكل البنائي الذي ارتسمت به في الأول، ليس هو الشكل البنائي الذي ارتسمت به في الثاني. الشكل الأول (دولة الجهات) فيه الجهات هي صاحبة المبادرة والهيمنة والسلطة، فالدولة هنا تنتمي إلى الجهات وتتألف منها، أما الشكل الثاني(جهات الدولة) فالدولة فيه هي صاحبة القرار والسلطة، تهيمن على الجهات لأنها جزء منها، وربما مندمجة فيها. دولة الجهات على العكس تنتمي فقط، وانتماؤها هو انتماء استقلال بقصد التكامل، لا اندماج تبعية بقصد التنازل عن جهتها. والذي يحددها هو الديموقراطية باعتبارها آلة حيث تحكم الجهات نفسها بنفسها، لا استبدادا عليها لكي تندمج، ولا إرهابا عليها لكي تتبع. هذه الديموقراطية كما نتصورها مطبقة على حالة الدولة وجهاتها، ديموقراطية نابعة من هوية الدولة من ناحية، ومن هوية الجهات من ناحية ثانية. إنها الديموقراطية التي تداولها الجهات، والديموقراطية التي "تتجه" بها الدولة. غير ذلك محض استبداد من الجهات في "التواجه"، ومجرد "تفاش"-أي ممارسة الفاشية- من الدولة في "التداول". وعلى ذلك فإذا كان لا بد لنا من وضع تعريف جديد لـ"دولة الجهات"، مع اعتبار لكافة الخصائص التي أوردناها، لقلنا إنها صيغة تكامل الجهات مع بعضها البعض، تعبيرا عن خصوصيتها، وحفاظا على حريتها، وحماية لقوتها، وتطويرا لإبداعها، ودعما لتواصلها. تفنى الدولة في الجهة، عوض فناء الجهة في الدولة، لأن الأصل الحضاري هو الجهة، والعرَضَ السياسي هو الدولة. ومن ثم فالعلاقة بين الدولة والجهات هي علاقة حرة، مختارة، وانتماء الجهة إلى الدولة إنما هو انتماء حر إلى صيغة من صيغ التكامل، وإبقاء ضروري للهوية ومتعلقاتها من خصوصية، وحرية، وقوة، وإبداع، وتواصل.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية