تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الطريس والماسونية...حقنا في المعرفة!!

في مثل هذا اليوم من 27 ماي 1970، تحل ذكرى رحيل الأستاذ عبد الخالق الطريس عن عالمنا. والذين يدركون منزلة الرجل في فكرنا السياسي الوطني، لا بد أن ينزلوه منازل التقدير والإجلال التي تليق بشخصه، وتتواءم مع المهام النضالية والفكرية التي نهض بها؛ سواء وهم يسترجعون مراحل حياته، أو وهم يتذكرون ما ميزها من أفكار ومواقف.

         وبالرغم من أن جيلنا لم يعرف الأستاذ الطريس إلا بوساطة ما كتب عنه، أو عبر ما سمع عنه من شهادات، إلا أن قلوبنا أشربت محبته، ونفوسنا امتلأت فخرا بمشاركتنا إياه انتماءه الوطني؛ لاسيما ممن تهيأت له منا أسباب الاطلاع على فكره السياسي، والاستمتاع بعمله الأدبي.

         ولكن نقطة واحدة ما تزال تشوش علينا محبتنا للرجل، وتنغص علينا تقديرنا لوطنيته ونحن نشارك غيرنا في ذكرى رحيله: تلك هي علاقته بالمحفل الماسوني العالمي.

         الفكرة التي رسخت في أذهان جيلنا عن "الماسونية" أنها ُشعبة من ِشعاب الصهيونية. وبما أنا تربينا على كراهية هذه الأخيرة، ونشئنا على رفض كل مظاهر التطبيع مع كيانها المصطنع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتنا نشتبه في أي شئ له صلة بها أو بالذي يدور في فلكها، ولو كان أقرب إلينا من حبل الوريد. وقرابتنا الوطنية مع الأستاذ الطريس وصحبه ثابتة لا ريب فيها، إما اختيارا أو اضطرارا؛ فإذا كنا نثير قضية علاقتهم بالماسونية، فما ذلك إلا رغبة منا في ترسيخ تلك القرابة، وإبداع فنون أخرى من الوطنية أقرب إلى عصرنا وقضايانا. نفعل ذلك ونحب أن نستوثق من صحة ما نعلمه ابتداء عن علاقتهم المذكورة ، وما هي أسبابها وما هي مبرراتها وما هي سياقاتها حتى لا نشتبه فيم هو جوهري في سيرتهم، ولا نرتاب فيم ارتضوه لهذا الوطن من غايات .

         إن مقصدنا في تبين حقيقة علاقة الأستاذ وبعض صحبه من رجال الحركة الوطنية في الشمال بـ"الماسونية"، هو قطع الطريق أمام أي مغرض يريد اصطناع هذه القضية في الإساءة إلى إرث تلك الحركة في منطقتنا، وصرف أي موتور يتخذها تعلة للتشكيك في منجزاتها السياسية والثقافية والفكرية. وأحسب أن هذا حق جيلنا على الأجيال التي سبقتنا في العمل الوطني والبحث العلمي: حقنا عليهم أن يضعوا بين أيدينا الحقيقة التاريخية عارية من أطيافها السياسية، وخالية من شوائبها الظرفية؛ لكي لا يمضي جيلنا إلى ما لا يستحب من التأويلات، أو يتخذ ما لا يرضى عنه من مواقف. كما أحسب أن هذا عين واجبنا الأخلاقي تجاه الذين سبقونا في الوطنية: واجبنا تجاههم أن نصون ذكراهم عن العبث، وأن نحفظ سيرتهم من الشبهة. وفي نظرنا ليست هناك من وسيلة أنجع من سلاح الحقيقة البتار؛ من غير إخلال بأخلاق المواطنة التي يشاركوننا قيمها، ولا اجتراء منكر على مقاماتهم المحفوظة، فإنا نحبهم محبتنا للحق، ولو أن حبنا للحق أعظم، ونقدرهم تقديرنا للواجب، ولو أن تقديرنا للواجب أشد.

         إن الإجابات التي أعطيت لنا حتى الآن حول هذه القضية من لدن ألمع رجال التاريخ والوطنية في مدينتنا، تنطوي على نقاط كثيرة من العتمة؛ نرى أنها ما تزال تحتاج إلى مزيد ضوء حتى تطمئن قلوبنا. أما ما بذلناه من جهد في تبين حقيقتها فقد اصطدم أغلبه بصعوبة الحصول على الوثائق، وذهب غيره سدى أمام ما لا يفهم من صمت أو تجاهل بعض الناس.

         نحن طلاب الحقيقة التاريخية، ولا يضيرنا إن علمنا أن "الحقيقة" السياسية لم تكن أختا شقيقة لمطلوبنا؛ فلا يحاكم إلا القضاة والتاريخ، أما نحن فإنا نحب أن نعرف أولا، لنختار ثانيا أي السبل أليق لنا وبنا في الوطنية، دون أخذ بمقالة أهل الإرجاء السياسي، ولا سقوط في موقف عدمي لامبال، ولا إساءة الأدب مع من تقدمنا في الوطنية أليس يراد لنا أن نكون خير خلف لخير سلف؟ 


الأستاذ عبد الخالق الطريس

الورقة النظرية (11) مقتضيات الجهة ودولتها

         لكي تتحقق الجهات ودولتها، ولكي تنضبط للديموقراطية؛ باعتبارها وسيطا بينها لا بد من حضور بضع مقتضيات:

         أولاها وجود الجهة كشرط ضروري لتحقيق العلاقة الديموقراطية بين الدولة المفترضة وديموقراطيتها، والجهة المفترضة وخصوصيتها؛ فقد توجد الدولة مؤسسيا دون وجود الجهة كذلك، لأن الدولة كيان سياسي، فيم الجهة كيان ثقافي وحضاري أريدت له السياسة العامة.

         ثانيها توفر الخصوصية الحقيقية للجهة باعتبارها مبرر "جهتها"، و مدعاة "تواجهها" مع الدول أو الجهات الأخرى؛ فلا معنى للجهة إلا بالخصوصية. إن الجهة التي لا خصوصية لها هي عموم المكان. ولما كانت الجهة غير كذلك باعتبارها خصوص المكان، كان من الضروري توفرها على خصوصية بها تتميز، وبها تعرف، وبها تخاطب الدولة كعموم المكان. لا ينبغي أن تكون الخصوصية مما يبتدع طمعا في الانتماء المستقل، بل ينبغي أن تكون طبيعية لها من الشواهد ما يفحم. الخصوصية ليست وليدة الإرادة- إلا فيما اتصل بالحفاظ عليها من الضياع، وصيانتها من الانمساخ- بل هي وليدة الواقع الحضاري والثقافي الذي تبلورت فيه. إذا ابتدعت الخصوصية، بأي وجوهها، كانت مدخلا طبيعيا إلى الادعاء، وبعده إلى الصراع، ومنه توا إلى الحرب الأهلية.

         ثالثها، وجود الإرادة لدى الجهة لكي تنتمي باستقلال إلى الدولة، ووجود الإرادة لدى الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات-لكي تحمي هذا الانتماء باحترام استقلاليته. لا تنتمي الجهة إلى الدولة لكي تهيمن عليها، ولا تستبيح الدولة استقلال وخصوصية الجهة لكي تمارس عليها سلطتها. الجهة ستقاوم، والدولة ستقمع، والتكامل سيتوقف، وطبول الحرب قد تدق.

         رابعها، ترجمة الإرادة إلى وقائع ديموقراطية، وترك الجهة تسير نفسها بنفسها، بلا وصاية عليها ولا توجيه منها. هناك فرق بين الشعار وتطبيق الشعار. علاقة الجهة بالدولة ينبغي أن تتجاوز برزخ الشعار إلى أرض التطبيق لكي تنعم الجهة بحق التكامل، وتستفيد الدولة من واجب التكافل بين الجهات. غير ذلك سيحرمهما من منافع كثيرة، وسيعرضهما لتوترات أكثر ليس أقلها أن تنصرف الجهة عن التواصل إلى "التفاصل"، وهو باب للفتنة الوطنية من الصعب إغلاقه.

خامسها، وضع دستور جهوي يحمي الجهة من أهواء التسلط "الدولتي"، ويصون لها واقع الانتماء المستقل إلى الدولة، كانتماء إلى صيغة، وليس إلى مؤسسة. الجهوية، فوق أنها إرادة في التكامل، مبنية على الطواعية في "الانتماء"، وعلى الإكراه في "الاحتماء"، هي إطار قانوني ينبغي ضبطه بصيغه المؤسسية. ولعل الدستور هنا هو من يتولى تنظيم الجهوية على الأرض، وتصريف فلسفتها إلى حقائق عيانية محسوسة وملموسة كما هو الشأن في عديد التجارب الرائدة في الغرب ممن اقتنع أغلبها أن "الجهوية" اختيارا للمستقبل باعتبارها شكلا من أشكال التدبير الديموقراطي للتعدد.

         سادسها، إيجاد الشروط المادية والأدبية لتحقيق كل ذلك؛ ولا سيما المتعلق منها بالبنى التحتية القادرة على ترجمة الجهوية إلى شخصية عيانية مؤسسية قادرة على صنع القرار الجهوي، والدفاع عنه، ومتابعته إلى حيث يتحقق مشاريع وثمارا وفوائد، مع الإبقاء على الموارد البشرية للجهة، وعدم استبدالها بالتقنوقراط من الغرباء والدخلاء" الذين يصلحون لكل مكان وزمان، بمبرر وطني ضعيف، دون اعتبار لا للحق ولا ما يترتب عنه من أحقية. 



<<الصفحة الرئيسية