تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الورقة النظرية (11) مقتضيات الجهة ودولتها

         لكي تتحقق الجهات ودولتها، ولكي تنضبط للديموقراطية؛ باعتبارها وسيطا بينها لا بد من حضور بضع مقتضيات:

         أولاها وجود الجهة كشرط ضروري لتحقيق العلاقة الديموقراطية بين الدولة المفترضة وديموقراطيتها، والجهة المفترضة وخصوصيتها؛ فقد توجد الدولة مؤسسيا دون وجود الجهة كذلك، لأن الدولة كيان سياسي، فيم الجهة كيان ثقافي وحضاري أريدت له السياسة العامة.

         ثانيها توفر الخصوصية الحقيقية للجهة باعتبارها مبرر "جهتها"، و مدعاة "تواجهها" مع الدول أو الجهات الأخرى؛ فلا معنى للجهة إلا بالخصوصية. إن الجهة التي لا خصوصية لها هي عموم المكان. ولما كانت الجهة غير كذلك باعتبارها خصوص المكان، كان من الضروري توفرها على خصوصية بها تتميز، وبها تعرف، وبها تخاطب الدولة كعموم المكان. لا ينبغي أن تكون الخصوصية مما يبتدع طمعا في الانتماء المستقل، بل ينبغي أن تكون طبيعية لها من الشواهد ما يفحم. الخصوصية ليست وليدة الإرادة- إلا فيما اتصل بالحفاظ عليها من الضياع، وصيانتها من الانمساخ- بل هي وليدة الواقع الحضاري والثقافي الذي تبلورت فيه. إذا ابتدعت الخصوصية، بأي وجوهها، كانت مدخلا طبيعيا إلى الادعاء، وبعده إلى الصراع، ومنه توا إلى الحرب الأهلية.

         ثالثها، وجود الإرادة لدى الجهة لكي تنتمي باستقلال إلى الدولة، ووجود الإرادة لدى الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات-لكي تحمي هذا الانتماء باحترام استقلاليته. لا تنتمي الجهة إلى الدولة لكي تهيمن عليها، ولا تستبيح الدولة استقلال وخصوصية الجهة لكي تمارس عليها سلطتها. الجهة ستقاوم، والدولة ستقمع، والتكامل سيتوقف، وطبول الحرب قد تدق.

         رابعها، ترجمة الإرادة إلى وقائع ديموقراطية، وترك الجهة تسير نفسها بنفسها، بلا وصاية عليها ولا توجيه منها. هناك فرق بين الشعار وتطبيق الشعار. علاقة الجهة بالدولة ينبغي أن تتجاوز برزخ الشعار إلى أرض التطبيق لكي تنعم الجهة بحق التكامل، وتستفيد الدولة من واجب التكافل بين الجهات. غير ذلك سيحرمهما من منافع كثيرة، وسيعرضهما لتوترات أكثر ليس أقلها أن تنصرف الجهة عن التواصل إلى "التفاصل"، وهو باب للفتنة الوطنية من الصعب إغلاقه.

خامسها، وضع دستور جهوي يحمي الجهة من أهواء التسلط "الدولتي"، ويصون لها واقع الانتماء المستقل إلى الدولة، كانتماء إلى صيغة، وليس إلى مؤسسة. الجهوية، فوق أنها إرادة في التكامل، مبنية على الطواعية في "الانتماء"، وعلى الإكراه في "الاحتماء"، هي إطار قانوني ينبغي ضبطه بصيغه المؤسسية. ولعل الدستور هنا هو من يتولى تنظيم الجهوية على الأرض، وتصريف فلسفتها إلى حقائق عيانية محسوسة وملموسة كما هو الشأن في عديد التجارب الرائدة في الغرب ممن اقتنع أغلبها أن "الجهوية" اختيارا للمستقبل باعتبارها شكلا من أشكال التدبير الديموقراطي للتعدد.

         سادسها، إيجاد الشروط المادية والأدبية لتحقيق كل ذلك؛ ولا سيما المتعلق منها بالبنى التحتية القادرة على ترجمة الجهوية إلى شخصية عيانية مؤسسية قادرة على صنع القرار الجهوي، والدفاع عنه، ومتابعته إلى حيث يتحقق مشاريع وثمارا وفوائد، مع الإبقاء على الموارد البشرية للجهة، وعدم استبدالها بالتقنوقراط من الغرباء والدخلاء" الذين يصلحون لكل مكان وزمان، بمبرر وطني ضعيف، دون اعتبار لا للحق ولا ما يترتب عنه من أحقية. 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية