تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الورقة النظرية (12) موانع دولة الجهات

الإرادة في إرساء دولة الجهات، وفي تصريف شؤونها عبر آلية الديموقراطية، يتطلب التفكير في الموانع أيضا ما هي؟ وفي تقديرنا هناك العديد منها، ومن سائرها:

   §    الخشية من انفراط عقد "الوحدة الوطنية"؛ فإذا تنادت كل الجهات بخصوصيتها، وعملت على الدعوة إلى احترامها، ومضت إلى إبداع صيغ في "التواجه" بعيدا عن رقابة الدولة، ستثمر مناخا من التوتر لا ترضاه الإيديولوجية التوحيدية للدولة، ويمكن أن تتحرك لتلافيه جيوب "الفاشية" فيها، مما يخشى معه من حرب أهلية طاحنة. 

   §    الخشية من اشتعال الحرب الأهلية داخل كيان الدولة، لأن الجهة، بما هي جهة، لما تمارس "جهويتها" انطلاقا من "جهتها"، في غياب ضوابط ديموقراطية تضمنها الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات، ربما أسفرت عن تواجه الجهات فيما بينها متى اختل توازن التكامل، وارتبكت موازينه بسبب تطرف الخصوصية لدى بعض الجهات، أو إساءة استعمال حريتها، أو إتيانها من الإبداع لجهتها ما يتعارض مع التخوم، أو قيامها بتواصل مختل مع غيرها، أو اغترارها بقوتها وتعسفها في استعمالها؛ لا سيما إذا اختلط كل ذلك بنعرات عرقية أو دعوات دينية، أو مذهبيات سياسية.

§        الخشية من بلقنة الكيان الوطني، وتقسيمه بدعوة حق أريد بها باطل؛ حق الخصوصية، بباطل الاستقلال، ثم الاستنجاد بالقوى الخارجية لدعم مشروع الانقسام أو مشروع التقسيم أو مشروع الانفصال أو ما عداه من دعاوي التشرذم والبلقنة. يخشى من الخصوصية الثقافية كالخصوصية الأمازيغية والجبالية والغمارية، أو الخصوصية الحضارية كالخصوصية الشمالية، فكيف لا يخشى من الخصوصية الجغرافية التي تعيش على أرض معلومة، وجهة مشهورة.

§        وجود إرادة الاستبداد لدى الدولة إذا كانت دولة بطريركية، تستبد بالحكم في المركز، وتستبد بالحكم في الهامش، خشية انفلات السلطة من يدها، وانتقالها إلى ما يعاديها. ومن ثم فإن أية ملامح لخصوصية ثقافية، أو جغرافية يمكن أن تثمر نوعا من الوعي الاستقلالي، أو نوعا من النزوع الانفصالي، سرعان ما تمضي إلى محاربته، وزرع الأشواك في طريقه عرقلة منها لامتداده، أو تضع العراقيل في طريقه إجهاضا منها لتطوره.

§        وجود إرادة الهيمنة لدى الدولة؛ فالدولة البطريركية المستبدة، إنما تستبد بممارسة هيمنتها على الجهات التي تؤلفها، فلا تسمح بأي قرار غير قرارها، ولا تطق أية مبادرة غير مبادرتها. كل الأجهزة التنفيذية تحت مراقبتها، وكل قنوات التنفيذ في يدها، هي المطلق الذي لا تفوته لا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

§        وجود إرادة الانعزال لدى الجهات؛ لا سيما إذا عظم لديها الوعي بخصوصيتها، وحصل لديها الاقتناع بكونها ضحية لقوى تمنع عنها تمتعها بشخصيتها الحقوقية والسياسية والثقافية، فتمضي إلى تجريب المقاومة عن طريق النزوع إلى الانعزال تمهيدا منها لإعلان الانفصال أو ما شابهه من دعوات الاستقلال.

§        إرادة التنميط لدى الدولة؛ أي إحداث نمط من الحياة العام، تؤمن به الدولة، وتسلكه، وتنزله بمثابة قانون لا بد من العمل به، والعيش وفقه على إكراه من مواطنيها، وعلى مضض منهم. ولأن هذه الإرادة في التنميط تجد مقاومة لها من لدن الجهات الخاصة التي تملك نموذجا للحياة يتعارض مع النموذج الذي تدعو إلى تطبيقه الدولة، ينجم نوع من التوتر بين الدولة كوجود عام، وبين الجهات كوجود خاص، قلما يسلم الأمر فيه من الضحايا إما في الإنسان أو في العمران.

§        تطرف أشكال الخصوصية لمقاومة التنميط "الدولتي" كلما اشتطت الدولة في فرض نمطها العام، اشتطت الجهات في مقاومته عبر الغلو في التنادي بالخصوصية، والمبالغة في إبرازها، والخروج عن المعتاد في التظاهر بها، على ما يرافق ذلك من مزج بين الحقوق الثقافية المهضومة، وبين الممارسة الديموقراطية المعتلة.

§        الخشية من استضعاف العدو الخارجي، فكثرة التنادي بالخصوصية في الرقعة العامة للدولة، قد يجعل خريطتها السياسية مطبوعة بطابع التعدد المضعف للقوة، والمعرض إياها للخوار، مما يطمع العدو في التدخل في شؤونها، وتدبير الأسباب لاحتلالها نظرا لضعفها الناتج عن تشتت جهاتها، وانقسامهم على خصوصية مضعفة، عوض اجتماعهم على عمومية مقوية.



<<الصفحة الرئيسية