تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
الورقة النظرية (13) المنطق العام الذي "ينبغي" أن يسود دولة الجهات

الكلام في المنطق العام الذي ينبغي أن يسود العلاقات بين "دولة الجهات" و"جهاتـ"ها" هو كلام في الخلافيات، كما هو الشأن في جميع الكلام السابق. وإنما وضع في صيغة "الماينبغي أن يكون" لأنه مبني على تعاقدات بين الدولة وبين جهاتها. ومن المعلوم أن أي تعاقد، إنما ينبني على ما ينبغي أن يكون، مع تسخير الوسائل الممكنة والمتاحة. هذا المنطق العام لا يوائم إلا الدولة، كما حددناها سابقا؛ الدولة التي يضمن فيها الحق، ويطبق فيها القانون، وتتخلق عقلانيتها، وتصان فيها الكرامة. كما لا يوافق إلا الجهات التي لها خصوصية، حرة، قوية، مبدعة، ومتواصلة. بصفة عامة، إنه المنطق الذي يوائم علاقة التكامل التي قلنا إنها من الواجب أن تسود بين الدولة وبين جهاتها. أية دولة بغير ما وصفنا، وأية جهة بدون ما حددنا، وأية علاقة بينهما خارجة عما ذكرنا، لا يصلح لها هذا المنطق؛ لأنه منطق إيجابي، لا يصلح إلا لمثله من الكيانات الإيجابية التي حددناها. ومن ثم فالعلاقة بين الجهات ودولتها ينبغي أن تنضبط للمنطق التالي:

        §           منطق التواصل لا منطق التفاصل؛ صحيح إن الخصوصية هي أبرز مميز للجهة، ولكن خاصية التواصل التي تتميز بها أيضا لا تجعلها إلا مقبلة على الآخر سواء كان الدولة أو الجهات التي تتألف منها، ومدبرة عن أي مسعى للتفاصل معها. لا تتحقق غايات التكامل إلا بمنطق التواصل، ولا تنهدم مقاصد التكامل إلا بالإقبال على التفاصل. الانعزال، وما شاكله من ألوان الانكفاء على النفس، اعتزازا بخصوصية، أو انتصارا لشخصية متميزة، لا يخلف إلا تزايد الحظوظ في الاندثار البطئ أمام ضرورة الحوار مع الآخر، وإقامة الجسور معه لعبور العلاقة من الصلة إلى الوصال فالتواصل.

   §    التآزر لا التخاذل؛ فمنطق التواصل إنما هو منطق متخلق بقيم التآزر لا التخاذل، تتآزر الجهات مع بعضها البعض، و مع الدولة أيضا، لتحقيق مصالح "التواجه"، وتطبيق أخلاق  "التواطن"؛ لاتقع من أحدهم مخاذلة، ولا يبدر من طرف أيهم امتناع عن تقديم العون، فكلهم في الوطن يدا واحدة على عدوهم، وجميعهم في المصالح جهة موحدة على حاجاتهم.

   §    التعاون لا الاستئثار بالخيرات؛ فالتواصل والتآزر يقتضيهما وإلا لما كانت هناك من حاجة إلى الانتماء إذا لم يحقق التكامل. والتكامل لا يكون إلا بالتعاون على تحقيق المصالح، والاستعانة بقوة الجميع على تسريع زمن تحقيقها، لا الاستئثار بالخيرات، فهذا ليس إلا وجها من أوجه "الاستبداد" الذي قد يمكن أن تأتيه الدولة، كما كانت تأتيه الدولة الشرقية أيام عز استبدادها ، جلبا للخراج، وتحصيلا للضرائب، وإزهاقا لحقوق الرعايا، أو تسعى إليه جهة من جهاتها، مستغلة هوان الدولة، فتهدم ركنا أساسيا من أركان الحرية التي ينبني عليها الانتماء فيما بين الدولة والجهات.

   §    الحرية لا التبعية؛ لأن الأولى هي الأصل في الانتماء، والأكثر وفاء للخصوصية، والأكثر تعبيرا عن الإبداع، والأفضل تتويجا للقدرة على التواصل. أما الثانية فهي نفي للجهة بالأصل، ومحو لها بالنيابة. لا تكون الجهة جهة إلا بحرية، ولا تكون الدولة دولة للجهات إلا بميثاق الحرية. ومن ثم فالتبعية هي المقدمة الأولى لتآكل الدولة الطامحة إلى الاستقواء بجهاتها ما دامت هذه الأخيرة ضعيفة غير قوية، تابعة غير حرة. 

         لقد تصورنا الدولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ وصيانة الكرامة وحفظها، وتخليق عقلانيتها وأنسنتها. و تصورنا الجهات فقررنا خصوصيتها، وشددنا على حريتها، وأكدنا على تواصلها، وألححنا على إبداعها، وودعونا إلى قوتها. ثم تصورنا العلاقة بينهما علاقة حرة، قائمة على التكامل، ينطبق عليها ما انطبق على الدولة كوحدة، وما انطبق على الجهات كتعدد. وإنا لما تصورنا كل ذلك، لم نلتفت إلى الأسماء التي بها تتسمى هذه الدولة التي جهاتها منتمية إليها انتماء استقلال بقصد التكامل، ولا إلى الأسماء التي بها تتسمى الجهات بها فتنتسب إلى الدولة انتساب حرية بقصد الاستقواء. فقط أحببنا أن نؤكد أنا في كل ذلك نعتقد أن الجهة هي "البداية"، والدولة هي "الامتداد"، سواء في المصالح؛ فالجهة هي أولى في المصلحة من الدولة، والدولة هي آخر امتداد لها، أو في التواطن، فالجهة هي أحق بمشاعر الوطنية من الدولة، والدولة تلحق عليها. لا أثر لأية هرطقة وطنية في هذا، إذ الوطنية في نظرنا حلقات بدايتها من الجهة، وامتدادها في الدولة. تفنى الدولة بشكلها السياسي، وتبقى الجهة بشكلها الحضاري، ويظل معها الوطن بشكله العاطفي. حلقات مترابطة فيما بينها تشكل ما قد يسمى لدينا بـ"التواجه"، أي ممارسة الانتماء إلى الجهة، مبتدؤه في المدينة، ومنتهاه في الوطن. وبذلك يمكن أن نكون أمام بلورة نوع من "التواطن"- أي ممارسة المواطنة- بناء على الجهة أو التواجه، أو قل بناء على المدينة أو مجموعة المدائن التي تشكل نواة الجهة.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية