من التواصل العمودي إلى التواصل الأفقي
محمد بلال أشمل
يتناول الإعلام الإسباني أو المغربي حاليا مسألة "التواصل بين المغرب وإسبانيا" بكثير من الثقة والاطمئنان. الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك "خوان كارلوس" للمغرب خلال يناير2005، وما أثمرته من مشاريع واتفاقات بين الطرفين، زادت تلك الثقة، وعززت ذلك الاطمئننان. وهذا المقال يسعى إلى تبين حقيقة هذا "التواصل" بين البلدين ويحاول النظر إليه من منظور واقعي وعقلاني بعيدا عن الافتتان بـ"المقدمات المشهورة" السائدة لدى الخطابات السياسية في العدوتين.
ولما كانت حالة المغرب مع إسبانيا هي حالة كل البلاد العربية مع الغرب، مع اعتبار خصائص ومميزات هذا القطر او ذاك، يجوز لنا دراستها كنموذج للعلاقات العربية الغربية في إطار إشكالية "الأنا والآخر" في صيغتها المغربية، وفي بعدها الإسباني، ومن ثم اعتبارها ساعة النظر إلى وجود وقيمة وحدود تلك العلاقات.
1- تقديم عام
الحديث عن موضوع "التواصل الأفقي بين المغرب وإسبانيا" حديث يحتمل وجهان: إما انه حديث يتناول الواقع واصفا له، مقررا وقائعه، ناقدا كيفياته، أو إنه حديث يتناول الإمكان حالما به، واضعا شروطه، طارحا مقتضياته. وأغلب الظن أن الحديث هاهنا إنما هو حديث عن "التواصل" بالوجه الثاني، لا بالوجه الأول؛ نظرا لغياب "التواصل" الأفقي، و"حضور" محتمل للتواصل العمودي.
غير أن الحديث عن هذا التواصل، إن كان يتم بما ذكرنا من وجه، فإنه مع ذلك، ينكر على التواصل أن يكون عموديا، داعيا إلى صيرورته تواصلا أفقيا. فلماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟
2- لماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟
مشهور أن التواصل العمودي يفيد معاني الهيمنة والتجبر؛ فالتواصل يتم بين أعلى وأدنى، بين كامل وناقص، بين قوي وضعيف، بين من لديه، وبين من ليس لديه… هذه المعاني، وغيرها كثير، غير مقبولة من حيث أن الذي يطلب التواصل يوجد، برسم الواقع أو برسم الإمكان، في وضع الأدنى، ضعيفا، ليس لديه أي شئ. ولذلك يطلب أن يكون التواصل تواصلا أفقيا، ويشترط له من الشروط ما بها يكون كذلك، حتى يحقق لنفسه من الأسباب ما بها يكون، هو أيضا، في وضع الأعلى، قويا، وله كل شئ. وهذا طبيعي بمقياس التطور التاريخي والحضاري لطالب التواصل؛ فقد حصل على استقلاله السياسي، وهاهو يشتاق إلى تحصين استقلاله الحضاري بتواصل مشروط مع الآخر الذي كان عما قريب مشاركا في احتلاله. ومن ثم فالتواصل المطلوب هو تواصل "الأفقية"، وليس تواصل "العمودية"؛ لأن الأول دال على التساوي والعدل والإنصاف، فيما الثاني دال على التفاوت والظلم والعسف. وقد ضاق طالب التواصل الأفقي بواقع العمودية، وما أثمرته من استنزاف للخيرات، فلا بد له الآن من طلب الأفقية، عسى تسوق معها ما ُيعوض بها ما استنزف وضاع. فهل صحيح إن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا يخشاه طالب التواصل الأفقي، ويدعو إلى زواله؟
3- هل صحيح أن هناك تواصلا عموديا يخشاه طالب التواصل الأفقي؟
لا نعتقد أن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا- لأسباب كثيرة سأذكرها- ولذلك فهذا الرفض للتواصل العمودي ليس رفضا لواقع قائم، وإنما هو رفض لإمكان محتمل؛ يخشى تحققه طالب التواصل الأفقي كي لا تتحقق معه معاني الهيمنة والتجبر، ويسوق معه ما ُيكره من دلالات الظلم والعسف، فيقع ما ُيخشى من عاقبة الاستنزاف للخيرات المادية والرمزية.
بالتأكيد ليس هناك تواصل عمودي بين المغرب وإسبانيا، فبالأحرى وجود تواصل أفقي بينهما. وإثارة التفكير في هذه القضية هي، في نظرنا، المدخل الطبيعي لإثارة قضية التواصل الأفقي بين البلدين، والسعي في إيجاد أفضل السبل لتحقيقها. فما هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود هذا التواصل بهذا الوجه؟
4- هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود التواصل العمودي؟
حسبنا القول إن التواصل صيغة تفاعل بين طرفين، فلكي يكون هناك تواصل بين المغرب وإسبانيا على سبيل المثال، ينبغي أن يكون هناك تفاعل بينهما. فهل يوجد هذا التفاعل بينهما؟ كل الدلائل تشير إلى أن الذي يوجد بين المغرب وإسبانيا محض "فعل"؛ إن أتى دائما من إسبانيا، فقلما يأتي من المغرب، أو إن أتى من المغرب، فمن النادر أن يأتي من إسبانيا. ولسنا في حاجة إلى ذكر الوقائع، فالتاريخ كشاف لها في الماضي في مختلف المجالات، وبمتنوع الأبعاد.
ليس التواصل تفاعلا فقط، بل هو مبادرة أيضا. والحاصل أن الذي يقع ليس إلا محض "انتظار" الفعل أو قل "التواكل"، ومن ثم الوقوع تحت سلطة المبادرة التي قد تأتي من لدن الآخر. إن أصل المبادرة، "مبادءة"، فالفاعل يمضي إلى البدء في الفعل فيصوغه في "المبادرة"، وهو مطمئن إلى أن الذي سيبادر إليه أو معه، مبني للتفاعل لا للتواكل. وحتى إذا افترضنا أن هناك مبادرة تقوم على عدم تلقي "التفاعل" بل الانفعال، فإنها إن أتت من المغرب، فقلما تأتي من إسبانيا. لم يكن المغرب مستعدا دائما للتفاعل مع المبادرات التي تأتيه من إسبانيا، ولم تكن إسبانيا تطيق ما يأتيها من مبادرات من المغرب. ليس هذا في الماضي فحسب، بل في الحاضر أيضا. دعنا من مبادرات تنطوي على مقاصد عدوانية كالاستعمار من لدن إسبانيا، أو من مبادرات ذات أبعاد دفاعية من لدن المغرب، فهذه كلها تنطوي على أسباب رفضها من كلا الطرفين، ومن المستحيل أن يحصل الاتفاق بينهما في نجاعتها، ولا التفكير في تكرارها، نظرا لمحاذير تاريخية وسياسية وعقائدية. ما نفكر فيه هو نوع من المبادرة "الخلاقة" القائمة على قيم التواصل. ولما كانت قيم التواصل غائبة نظرا لغياب "أصل" التواصل؛ أي التفاعل المبني على "المبادءة"، غابت معه المبادرة غيابا تاما.
بل إن التواصل ليس تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط مبنية على أصل "ألمبادءة"، ولكنه وعي بالمقاصد والغايات أيضا. فأن يتواصل المغرب وإسبانيا، عليهما أن يدركا أية مقاصد يرجوانها من تواصلهما، وما هي الغايات التي ينتظرانها منه. إن الوعي بمقاصد التواصل، وبغاياته لمن شأنه تقوية حظوظ تركيبها التركيبة الحسنة، حتى تستجيب لأشواق المتواصلين في تواصل مثمر، ومن ثم ضمان ما يصطلح عليه بـ"حسن الجوار". لكن الذي يحدث أن الوعي يكون أثناء الفعل، ويغيب أثناء التواصل. وحتى إذا حصل، فهو ليس مما يندرج ضمن المقاصد والغايات النبيلة التي أجمع عليها الحس السليم، وقبلتها الفطرة، وتداولتها الشعوب المتجاورة الواحدة منها للأخرى. إن أكثر اندراجه تحت مقاصد وغايات خسيسة ُيصطنع، للوصول إليها، وسائل نبيلة. وهذا كان صنيع إسبانيا في الشمال في وقت من الأوقات، لما سعت في استعمارها لأرضه، والاستحواذ على خيراته؛ مسخرة في ذلك آلة "العمل الثقافي"، و حاشدة له مجهود "العمل الاجتماعي"… وغير ذلك من الأعمال الإحسانية الخيرية أو الثقافية التعليمية.
وأخيرا ليس التواصل تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط، ولا وعيا بالمقاصد والغايات، ولكنه عين التكافؤ أيضا. هناك فرق شاسع بين المغرب وإسبانيا من المستحيل إسقاطه من حساب الرغبة في التواصل الأفقي، وإلا فإن الأفقية ستصبح صورة أخرى من صور التبعية والإلحاق، التي ما انفك المغرب يناضل من أجل التخلص منها. إن التعامي عن هذا الفرق، لهو عين الخطأ في الحساب الأخير، حيث سيصبح التنادي بالأفقية مجرد رغبة لا معنى لها، ورهان لا ربح معه، فيما المطلوب أن تصير الدعوة إلى الأفقية إرادة عاقلة ومعقولة لها من السند الواقعي، والدعم التجريبي ما تستقوي به على مدافعة عوائقها ما ظهر منها وما خفي.
لا يوجد تفاعل بين المغرب وإسبانيا، ولا توجد مبادرة بينهما، ولا يوجد وعي بكل ذلك لديهما، ولا يوجد تكافؤ بينهما، فإذن لا وجود لتواصل بينهما… فماذا يوجد إذن؟
5- صلة" محكومة بـ"جغرافية المواجهة" ومحكومة بـ"تاريخ الجوار"
ما يوجد هو محض "صلة" قضت بها "جغرافية المواجهة" وحكمها "تاريخ الجوار"؛ قد تشطح أحيانا عن إكراهاتهما فتصبح طمعا في "الوصال"، ولكنها سرعان ما تفيق على ضغط محال "الوصل"، فتنكفئ إلى محض "الصلة" الطبيعية بلا سعي إلى "تثقيفها"، حتى تخرج من طابعها المنفعل إلى طابعها المتفاعل. ولكنها لم تصبح قط قطيعة أو ارتقت فكانت فصلا؛ لأن إشرافهما على بحر واحد بشاطئين، له من الإلزامات ما قد تخرج بها حتى عن طوع السلطة السياسية، وتنشق بها حتى عن طاعة السلطة الأمنية، وما ظاهرة "قوارب الموت" عنا ببعيدة.
أول فعل واع سعى إلى "الوصل" في إطار "الصلة"، هو ما قام به "وفد مطالب الأمة" الذي قدمه نخبة من رجال الحركة الوطنية في الشمال إلى رئيس الجمهورية "ألكالا ثامورا" عام 1931، حيث برروا اللجوء إلى إسبانيا، وهي يومئذ الناهية الآمرة في جزء من البلاد، بوجود "العلاقة التاريخية" بين الشعبين المغربي والإسباني. إن هذا المبرر في الوصل، ما يزال له من الوهج ما يستطيع أن يهب لضرورات التواصل الأفقي، كما يتم التنادي بها حاليا، كامل قوتها ومعقوليتها ودوامها. ومع ذلك فإنه ينطوي في نظرنا على أسباب خفوته، ويحمل في طياته جراثيم ضعفه.
فأما كمال قوته فيكمن في نظرنا، في منزلة إسبانيا في قلوب كثير من المغاربة كخلاص لهم من مما قد يعتريهم من بؤس، وما قد يصيبهم من شقاء؛ جراء الأزمات التي ألمت بهم على مدى عقود طويلة من السنين. كما يكمن في مكانة إسبانيا في قلوب الديموقراطيين، لما تمثله لهم من نموذج يحتذى للديموقراطية الفريدة، الحامية لحقوق الفرد والجماعة، السياسية منها والثقافية. وقد يكمن أيضا في "الهوى الإسباني"، الذي اشتهر به أهل الشمال؛ إما عن حق أو باطل، منذ "احتكاكهم" بالإسبان، إما حربا أو سلما، تجارة أو سلبا.
أما أسباب ضعفه، فتكمن في نظرنا في استمرار الحذر التاريخي المتبادل بين المغرب وإسبانيا، الأول يخشى على سيادته من وصية الملكة "إثابيلا الكاتوليكية" في واجب تنصير شمال إفريقيا، والثاني يقلق على كيانه من انبعاث شبح عودة الإسلام "البربري" إلى الأندلس وعموم إسبانيا. كما تكمن في مشكلة الجيوب المحتلة، كسبتة ومليلية والجزر "الصلعاء"- بتعبير أورتيغا إي غاسيت- التي تضع "الصلة" ذاتها بين المغرب وإسبانيا موضع خطر، وليس فقط أماني الوصل، وآمال الوصال، وأشواق التواصل. كما تكمن أيضا في الخشية النفسية من سيادة النمط الحضاري الإسباني المتلفع بالقيم العلمانية والمسيحية على السواء داخل المغرب؛ وقد وجد له موطئ قدم في قطاعات واسعة من الشباب، ممن منتهى طموحاتهم ليس إقامة التواصل الأفقي مع إسبانيا، بل الحلول المباشر في الذات الإسبانية.
هناك جانب آخر يخطئ من يبخس أهميته، وهو المتعلق بالموقف القائل "إن الكفر ملة واحدة"، ومن ثم فلا موالاة مع الكفار، ماداموا يفتنون المسلمين في دينهم ودنياهم، أو يعينوا على فتنهم. وإسبانيا في نظر هذا الموقف هي مثال لهذا الكفر الذي يفتن المغاربة في دينهم، ويفسد عليهم دنياهم بوساطة الإعلام المسموع والمرئي. ومن ثم فلا تواصل معها ولا موالاة وإنما انقطاع عنها واعتزال صلتها. ألا ترى أنها أعانت أمريكا على ضرب العراق، وهيأت الأسباب لها لمتابعة المجاهدين في سبيل الله؟ إن اعتبار هذا الموقف من الأهمية بمكان في التداول الراهن لمسألة "التواصل" مع إسبانيا، أولا لأنها كانت، ولدى البعض ما تزال، أصل "العدوان الصليبي" في الأندلس؛ لما طردت المسلمين من ديارهم، وسلطت عليهم محاكم التفتيش، وثانيا لأنها الآن "فرع" ذلك العدوان بإعانتها على استضعاف المسلمين، في عقر دارها، وفي العالم أجمع. هذا الموقف ينبغي معالجته بالنظر إلى المواقف المتنورة داخل الفقه الإسلامي، القائمة على مبدأ "التعارف"، وضبطه بأسباب النزول، وبما هو عليه عمل أهل المدينة من إبرام العهود، وكتابة المواثيق مع غير المسلمين.
إن الراغب من جيلنا في تحقيق التواصل الأفقي مع إسبانيا، لا بد له من مراعاة أسباب القوة فيطورها، ويتحسب لأسباب الضعف فيتفاداها. وفوق هذا وذاك، لا بد لجيلنا من طرح اعتبار آخر لم يكن لجيل الحركة الوطنية أن يتصوره في إطار "منطق الصلة" الذي كانوا يقدمون به مطالب الأمة. فقد كانوا يصنعون ذلك في إطار "الحماية"، فيما نحن ينبغي صنعه في إطار "الاستقلال". كان أفق مطالبهم هو "الحماية" من أجل النهوض والترقي بالأمة المغربية دون قطع "الصلة" بالدولة الحامية. أما أفق "تواصلنا" فهو "الاستقلال" من أجل استكمال دولة الحق والقانون دون قطع التواصل مع الدولة الجارة. هذا مع أن الاعتبار الأساسي الذي نراه يحكم إرادتنا في تواصل مثمر مع إسبانيا، ليس هو اعتبار "العلاقات التاريخية" كما لدى الحركة الوطنية، بل هو اعتبار "العلاقات المستقبلية" التي نرجو أن تكون بخير، وعلى أتم عافية. ولذلك نتصور لها مقتضيات ثلاثة لا غنى لها عنها؛ فهي عين الحقيقة في التواصل، ونقصد بها مقتضى "الاعتراف"، ومقتضى "القبول"، ومقتضى "التسامح".
6- مقتضيات التواصل الأفقي ضمن اعتبار "العلاقات المستقبلية"
أما مقتضى الاعتراف، فنقصد به الاعتراف الفعلي، لا الديبلوماسي، بالوجود السياسي والقانوني للمغرب، والسلوك وفق منطوق ذلك الاعتراف؛ مع ما يترتب عن ذلك من اعتراف بـ"السيادة" على البحر والبر الذي يوجد فيه المغرب، دون منازعته فيهما بعقلية "السيد" الذي يعتقد أن الملكية خاصية السادة، أما "العبيد" فهم موضوع "التمليك"، فيمضي إلى تملك العبيد وما يملكون. على إسبانيا، إن أرادت التواصل، التنازل عن عقلية "الملكية" وتعمل بعقلية "الوجود". يجوز أن يكون الاعتراف في إطار الصلة، ولكنه اعتراف على اضطرار، وليس اعترافا على اختيار، الاعتراف الأول تفرضه "حتمية الجغرافيا"، و الاعتراف الثاني تصنعه "حرية التاريخ". لا نريد أن تعترف بنا إسبانيا لمجرد أنا جيرانها فتطبق علينا المبدأ المسيحي المتعلق باحترام الجار وتوقيره، ولا نريد أن نعترف بها نظرا لأنها جارتنا فنطبق عليها المبدأ الإسلامي المتعلق بالجار الجنب الذي كاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يورثه فنمضي إلى توقيرها. الجوار واقع خارج عن مقتضيات الأخلاق، ودواعي الدين، والإرادة العاقلة هي التي تسبغ عليه ذلك الطابع. ونحن نريد أن يكون الاعتراف المتبادل بيننا وبينها اعترافا خاضعا لإرادة الأخلاق، فالإرادة كثمرة للعقل، والأخلاق كثمرة للقيم. إن تواصلا بلا اعتراف لهو التفاصل بلا رفض، فكيف يمكن أن يكون التواصل وقد غاب عنه الاعتراف؟
وأما مقتضى القبول، فنقصد به أن إسبانيا لما تعترف بالمغرب اعتراف حرية لا إكراه، اعتراف اختيار لا اعتراف اضطرار، عليها أن تقبله بكل خصائصه الحضارية والسياسية والثقافية. وكما كان الاعتراف اختياريا، هكذا ينبغي أن يكون القبول، وإلا لخضع لحتمية الجغرافيا فيما نريده أن يخضع لحرية التاريخ. فمثلما لا تواصل بدون اعتراف، هكذا لا تواصل بدون قبول. لكن القبول ينبغي أن يخضع لرغبة الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للمغرب، وليس لرغبات أو مصالح إسبانيا. قد تقبل بنا إسبانيا، ولكن وفق صيغتها؛ فمرة استقلال ذاتي للشمال، ومرة انفصال كلي في الصحراء، ومرة استئثار أناني بالثروة السمكية، وفي كل المرات "خضوع" و "مسالمة" حتى تأمن جانب الجار الجنوبي. والقبول ليس مما تقرر هكذا عند الذين نظروا لفلسفته، بل هو القبول الواقعي، وليس القبول المثالي؛ أي القبول بما هو عليه الجار في الواقع، لا السعي إلى تغيير هذا الواقع الذي يعيشه حتى يتم القبول به. صحيح هناك دواع كثيرة تدعو إلى تغيير الجار، ولكن ليس إلى الدرجة التي تجعله يصير على هواك، ويسلك وفق رغباتك. إذا كان هناك من داع لتغييره، فعلى الأقل يمكن أن يكون ذلك حفظا على خصوصيته بما لا يتعارض مع مصالحه.
أما مقتضى التسامح، فنقصد به تتويج كل من الاعتراف والقبول في سلوك فعلي، وأثر حسي هو موقف التسامح. فحين تعترف إسبانيا بالمغرب، لا بد لها من أن تتسامح معه ومن ثم أن تتواصل معه. لكن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصل الحق لا وقد ُهضم. ذلك أن التسامح ممكن في حالة احترام الآخر لحقي أو في حالة تحصيلي لحقي، لا في حالة هضم حقي أو التفريط في حقي، من طرفي أو من طرف غيري. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وصاحبه في موقع قوة لا في موقع ضعف. فكيف يمكن أن تتسامح وأنت لا حيلة لك ، على ضعف ما بعده ضعف. فالتسامح المطلوب هو تسامح المتمكن لا تسامح الضعيف؛ لأن في تسامح القوي يبدو المعنى الكامل لتسامحه. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصلت العدالة لا وقد أهدرت؛ فكيف يمكن للتسامح أن يستقيم والعدالة غائبة في حضرة الظلم. كما أن التسامح ينبغي أن يكون من أجل المؤالفة مع الآخر لا من أجل المخالفة؛ فلا ينبغي أن يكون التسامح عاريا من غاياته التأليفية والتوحيدية. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ُحفظت الكرامة لا وقد ّأهينت وّجرحت في صميمها؛ فلا تسامح مع من يهين كرامتك ويدوس عليها. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ّحفظ الاختلاف؛ فلا تسامح من أجل التشابه أو المطابقة، مثلما لا تسامح في الاختلاف لتحصيل الائتلاف. كما أن التسامح لا يكون مع الذات تفاديا للإفراط في الأثرة، ولا يكون مع الغير تفاديا للتفريط في الحق.
لقد دأب الغرب على عدم قبول الآخر، وعلى عدم الاعتراف به، ولا التسامح معه. ألا ترى أن "الكوجيطو" الديكارتي يقدم نموذجا صارخا للأثرة الغربية في أناه التي تفكر، وأناه التي توجد، ومن ثم لا أحد يفكر معها، ولا يوجد إزاءها. ولذلك فإذا كانت هناك من إرادة في التواصل مع إسبانيا فمن الضروري وضع كوجيطو إسباني جديد تكون إسبانيا بمقتضاه معترفة بالمغرب، قابلة له، متحاورة معه، متسامحة معه؛ وإلا فإن "التفاصل" بدل "التواصل"، هو ما سيسود مشهد الصلة بين البلدين الجارين في الجغرافيا، البعيدين في التاريخ والمستقبل. ما هي نتائج هذا الكوجيطو الإسباني إذن؟
أول النتائج هي رد الحقوق التاريخية للمغرب في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. وثانيها الشروع فعلا فيما يقتضيه التواصل أي التعاون المشترك لأجل تحصيل مشترك للخيرات. دون هاتين النتيجتين، سيظل أي حديث عن التواصل محض كلام فارغ من أية إرادة في التقارب، وملئ بكل الرغبات في التباعد. ودون الشروع في تحقيقهما سيظل أي كلام عن التواصل مجرد إرجاء انفجار ضغط الجغرافيا إلى وقت لاحق.
أما وقد حددنا للتواصل مقتضيات ثلاثة، لا بأس من أن نتصور له منطقا من الواجب أن يوجهه في صيرورته إلى أن يكون واقعا عينيا. ويتعلق الأمر بالمحددات الكبرى التالية:
7- منطق التواصل
أن منطق التواصل ينبغي أن يكون منطق المبادرة. إن إحدى المعاني التي ينطوي عليها مفهوم المبادرة في اللغةالعربية هو"المسارعة" و"الاستباق" و"الاستعجال". وعلى ذلك، فإن التنادي بالتواصل، إنما ينبغي النهوض به على "التو" لا على "التراخي"، مثلما هو الأمر في الأمور الجليلة التي لا تؤجل إلى حين. وإذا كان الامر كذلك، فلا بد من نبذ منطق "التواكل" الذي يجمد بنا على "الكسل"، ويضطرنا إلى "الانعزال".
المحدد الثاني يتعلق بمنطق "التناصح". إن الجوار يفرض على المتجاورين النهوض بأخلاق الجوار وهو التناصح في الخير، والتناهي عن الشر. ولذلك فلا يستقيم أن يحكم منطق "التآمر" جوارهما، حتى أنهما لا يتجاورا إلا ليتآمر الواحد منهما على الآخر، كأن الجوار هو نفي للجار، لا تجاور معه أي مقاسمته المكان.
المحدد الثالث يتعلق بمنطق "التعاون".فالجار هو من يجاور جاره في المصلحة، لا من يتباعد عنه فيها، فيستأثر بها دونه. لا سبيل إلى الاستئثار مع من تقاسمه المكان، لأن الاصطدام به وارد، والحرب معه لا مناص منها، فلذلك كان منطق التعاون هو المطلوب، و منطق "الأنانية" هوالمنبوذ.
المحدد الثالث هو الذي يتعلق بمنطق "التشارك". إذا كانالتعاون هو قدر من يتقاسم معك المكان، فإن التشارك مما لا سبيل إلى دفعه، لأنهأوثق صلة بأخلاق الجوار. فالتشارك يزيد في الخيرات، ولا ينقصها كما قد يظن، لأنه مرتبط بالعمل. فلما كان العمل مضاعفا من جارين، كانت الخيرات أكثر كما، وأضخم مددا. وعلى ذلك ينتفي منطق "الاستئثار" لأنه أضمن لحظوظ الخلاف، وأدعى إلى أسباب الخصام.
8- ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟
ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟ كل مجال يخدم المصلحة المشتركة. ولكن لا بد من الإشارة عموما إلى مجالين اثنين يتعلق أولهما بأنواع التفكير، ويتعلق ثانيهما بأنماط التدبير. فالتفكير المراد هاهنا هو التفكير السديد المرتبط بالتدبير المفيد. ليس هناك من خير في تفكير إذا لم يتبع بتدبير مفيد، وليس هناك من نفع في تدبير لا يسنده تفكير سديد. فأما مجال الفكر كمجال التفكير، فهو السعي في إدراك صورة الآخر في الماضي لأجل تواصل مثمر في الحاضر. كما بذل الجهد في تصحيح صورة الأنا في الماضي والحاضر لدى الآخر لأجل تعامل محترم في الحاضر. أما مجال السياسة كمجال للتدبير، فيمكن أن يكون بعقد الندوات وتنظيم اللقاءات الثقافية وإجراء المناظرات السياسية لتطارح قضايا تهم الجانبين.
9- ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟
ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟ إن الجهة المؤهلة للقيام بدور التواصل هي أطراف المجتمع المدني بمختلف مكوناته، ومتنوع ألوانه؛ فالعقل المدبر للمجتمع المدني هم الأحزاب السياسية، والعقل المفكر له هم المثقفون والأنتليجينسيا عموما. على هؤلاء التفكير في التواصل، وتدبير كيفيات تحققه، عملا بمفهوم "التعارف" في تراثنا، واستهداء بقيم "التواصي" بـ"الخير" و"التواصي" بـ"الحق".فأما التواصي بالخير، فلأن أخلاق الجوار تقتضي ذلك، وأما التواصي بالحق فلأن إسبانيا ما زالت تحتل قطعا عديدة من الحق المغربي. ومن ثم فخير التواصل ما تم وقد ُرد الحق إلى أصحابه، وُكف عن اعتبارهم جيرانا لا يراد اقتسام المكان معهم.
10- ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟
أخيرا ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟ باختصار شديد هي ثلاثة لا ثالث لها وهي: قيم الإنسان من حق وعدل وجمال، وقيم المكان التي تطبق قيم الإنسان في مكان الحق، وتنهض بها في مكان الجمال، وتسعى بها في مكان العدل، وقيم التاريخ التي ترد الحق، وتعترف بالعدل، وتكون جميلة في جميع ذلك.
نشرت في: مجلة النور اللندنية العدد 166 مارس 2005 ، ص 20-22.









