آخر عهد أهل تطاون بالفدان أنه زربية منسقة من الألوان والضوء المتناثر في سماء المتعة للعين والوجدان. ارتبط الفدان في ذاكرة أهل تطاون بكل قيم الجمال المعنوي والمادي التي تلقوها في تربيتهم، وأصبحت عنصرا أساسيا في حياتهم لا يطيقون عنها بديلا… ارتبط بفرحهم وحزنهم، بجدهم وهزلهم وبكل شىء لديهم. الآن بعد "الإصلاحات" التي شهدها أصبح بلا طعم، عبارة عن "طيفور مقلوب على بطنه"، ممنوع على الناس أن يستمتعوا بفضائه، يتكدسون فرادى وزرافات على هامشه وهو مفتوح على شساعته بلا فائدة، مسيج لا يسمح للناس بالعبور فيه إلى حيث مصالحهم، تحرسه حواجز وهمية من سلطة المخزن وهيبته، وتحفه حواجز حديدية من وضع الذين يسترخصون الشساعة على الشعب، ويحشرونه في ضيق القبور بلا احترام لحقهم في التمتع بالفدان الذي كان دائما مفتوحا على الدهشة والحلم والتسكع والجد والهزل وكل معالم الحياة… هل تقدم العمران ومعه الإنسان لما تم إصلاح الفدانّ؟ الجواب عند أهل تطاون ببساطة الدنيا: "لا وألف لا!!".
من سائر مشاهد الطفولة التي ترسخ في الذاكرة، مشهد "السي علي" بائع "حلي". كان الرجل يبيع لنا "حلي" في مدرسة "الشنتوف" -أو "الأزهر" حاليا- وفي مدرسة "التهامي الوزاني" وفي مرتين وفي "البلاد". لم يتغير شيئ في "السي علي" ما زال بقميصه الأبيض مثل ممرض في المستشفى أو معلم في المدرسة يحمل "عود حلي" ويمضي به في كل مكان من المدينة والبحر يوزع حلي وينادي على بضاعته "حلي حليلو، اللي ذاقو يرجع ليلو"... نشتري منه، فيزيد لنا بكرمه قطعة من "التحلية". يداعبنا ونداعبه بكلمات طيبة، واحيانا بغيرها...هو "ألمعلم" كسائر المعلمين من بائعي الحلاوة مثل معلم "عزية" و"الشامية" و"الحميص طايب" و"زين البنات"...ينشر البسمة حواليه ويشيع الفرحة بمقدمه ويطير النكت يمينا ويسارا.."عموده" اطول منه، وربما أضخم؛ لأن جثته بالكاد تظهر في ظل ذلك العمود الأبيض كأنه عمود نور يسير به وسط ظلام المرارة... نراه فنهرع للتحلية حتـّى ونحن كبارا نحلي ونتحلى، ونتذكر أياما لنا سعيدة في بساتين الطفولة، ونحمد له كرمه ونذكر له حسن معاملته... يحمل –"عليلو" عند البعض أو "حلي" حافية عند البعض الآخر- هراوة الحلاوة فيشيعها بين الناس أجمعين. هراوة مكسوة بالحلاوة، ولكن شتان ما بين الحلاوة والهراوة... واحدة شيدت قامتها بالألم والحزن والأخرى شيدتها بالفرحة والمتعة واللذة...إن تاريخ تطاون لم يبنه الأعيان وحدهم، بل شاركهم الأعوان أيضا، وإلا فهم بمفردهم من أقاموه عمرانا و"دات مولاة الدار الشنعة"...وأتخيل أن طرفا عظيما من التاريخ الوطني برمته ينبغي أن يعنى بتاريخ الحلاوة، عنايته بتاريخ الهراوة؛ فيمضي إلى عقد جلسات "الإمتاع والمؤانسة" على مذاق الحلاوة ونغمات "آه يا سلطاني"... وشخصيا لا أتصور أن التاريخ التطاوني كان سيسير مساره "المر" ما لم يحليه معلمو الحلاوة بحلاوتهم.. ولذلك علينا الاعتراف لهم بالفضل في بناء جزء من تاريخ الحلاوة في هذه المدينة العامرة بالحلاوة -وفي رواية أخرى بالهراوة- وان يجدوا مكانا لهم بين صور "أعيانها" في جريدة "تمودة"..أليس كل يتعين بطريقته؟ فقط هناك من "يتعين" بنسبه، وهناك من يتعين بعمله. وقل تعينوا فسيرى التاريخ تعينكم. لكن حذار من العين الـّتي قد تصيب... والى المرة القادمة حتـّى لا يذوب "حلي حليلو فلا يرجع، من داقو، ليلو..."
أيتها القارئة الكريمة، أيها القارئ الكريم:
"تطاونولوخيا" عمود شخصي بامتداد جماعي، أردت أن أضع فيه عصارة ما أشعر به من محبة تجاه مدينتي ، وأن أضمنه فيض ما فكرت فيه حول وجودها، وأن أحمله خلاصة ما أنشغل به حول مصيرها، أملا في تأسيس علم جديد قائم على محبة المكان المشترك. إن " تطاونولوخيا " –أو علم تطاون كما هو القصد والمرتجى- بمثابة المحبة التي تؤكد الانتماء إلى هذا البرزخ الحضاري، و قبيل المشروع الذي يسعى إلى تأسيس علم تام بالمدينة؛ إلا أنها محبة عاقلة تتمنطق بالحِلم، ومشروع رشيد يتحلى بالتسامح، بعيدا عن غباء العصبية إذا "تنرجست"، و بمنأى عن مرض التطرف إذا أعمى، وفي قلب أخلاق "علم محبة المكان" إذا أينعت.
<<الصفحة الرئيسية









