تطاون العامرة
منبر المسؤولية المدائنية أسسها محمد بلال أشمل ورقيا عام 1999، ورقميا يوم 14 أكتوبر 2006. المراسلة: tetawenamera@yahoo.es
النسق العام لانتفاضة 1958-1959: الحدث والحقيقة

بمناسبة مرور 46 سنة على رحيل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، نظم "منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب وجمعية "تيطاوين" -التنسيقية العامة  ندوة حول موضوع "أحداث 1958-1959" وذلك يوم الأحد 15 فبراير 2009 على الساعة الرابعة بعد الزوال بمقر "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" بتطاون (المصلى القديمة). رؤوس الأفكار التالية كانت من الورقة التي شاركت فيها بدعوة من هذه الهيئة الحقوقية الشمالية وكانت بعنوان: "الحدث والحقيقة" (انظر مزيدا من التفاصيل في شرفة الجمعية الفلسفية التطوانية).

      I.             

ü     تدخل هذه المساهمة ضمن التأمل الفلسفي للحدث المغربي، ومن ثم فهي تنتظم ضمن فلسفة التاريخ، وليس ضمن الممارسة التاريخية كتأريخ.

ü     إن هذه المساهمة تتغذى من الوقائع، ولكنها تهتم بالأنساق التي تجمعها والبنية التي تنتظمها.

ü     إن هذه المساهمة هي مساهمة تهتم بالعام انطلاقا من الخاص بغاية تأسيس وعي بما جرى لأجل الاستعداد لما سيجري.

ü     إن صاحب هذه المساهمة معني بهذه الأحداث انطلاقا من وعيه بأنها أحداث مفصلية ومصيرية والفكر الذي يؤمن به صاحب هذه المساهمة هو فكر جدلي بين الحدث والحقيقة، بين الماضي والحاضر، والموقف منهما موقف جدوائي تاريخي لتأسيس الشروط الصحية للانتماء الوطني الواعي والمختار لهذا المكان المشترك الذي يسمى المغرب في بعده الشمالي.

ü     إن هذه المساهمة وصاحبها يعتبران أن ما وقع في الشمال هو جزء من تاريخ النكبة التي ألمت بالشمال والتي تفسر طرفا مهما من وقائعه وأحداثه ومن ثم فالفرضية العامة التي تحكم المساهمة هي فرضية تفسير التاريخ الشمالي بفرضية النكبة. ومنها أحداث 58-59 باعتبارها أحداثا مفضلية ومصيرية في تاريخ المغرب.

     II.             

ü     لماذا أحداث 58-59 مفصلية ومصيرية في تاريخ المغرب؟ في نظري إنها كذلك للأسباب التالية:

ü     لأنها جاءت بين مرحلتين مصيريتين: مرحلة الاستعمار ومرحلة الاستقلال؛

ü     لأنها وضعت البذور الأولى لسياسة التهميش والإهمال للشمال التي عادت فانفجرت في أحداث 84؛

ü     لأنها أبطلت الصيرورة الطبيعية للريادة إلى القيادة؛

ü     لأنها غذت الشعور بالغربة لدى الشماليين عن المجموع الوطني وأثمرت مظاهر من العزلة الفكرية (المثقفون بالإسبانية) والانعزال السياسي والنزعة الانفصالية لدى الجيل الثاني والثالث في المهجر الأوروبي؛

ولأنها مفصلية ومصيرية ينبغي التعامل مع جغرافيتها (جغرافية الحدث) بالمنطق التالي:

ü     التنمية الشاملة بشريا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا؛

ü     الاعتراف بحقوقها اللغوية والتاريخية بدعم جهوية بانية لتاريخها ولمصيرها؛

ü     المشاركة في قيادة المصير العام للمغرب من حيث أن جغرافية الحدث يمثل الآن أو ينبغي أن يمثل بمبررات جيوسياسية القاطرة العامة للمغرب المستقبلي؛

ü     صناعة مواطنة جديدة قائمة على التواطن الاختياري لا الاضطراري للمدينة كأفق حضاري وللجهة كأفق ثقافي تاريخي وللوطن كأفق سياسي.

  III.             

النظر إلى انتفاضة 58-1959 كنسق يقتضي بدوره النظر إلى أحداث المغرب ضمن معقولية ما تتكون من: الحدث، الأطراف، الأسباب، النتائج ومن العلاقة بينها.

ü     هل في مستطاعنا القول إن ما حدث يخضع لمعقولية ما؟ ومن ثم يخضع للفهم لا للوصف فحسب؟

ü     نملك وصف الأحداث في جزئيتها وفي تنوعها واختلافها؛

ü     نملك وصف مسؤولية الأطراف في مشاركتها في صنع الأحداث؛

ü     نملك وصف الأسباب التي أثمرت تلك الأحداث؛

ü     نملك وصف النتائج التي ترتبت عن تلك الأحداث؛

ü     صحيح إن الحقيقة كاملة هي صناعة إلهية، ولكنا نحتاج إلى الحقيقة –مع فرض وجودها وقدرتنا على تحصيلها- في نسبيتها بحيث تسمح لنا فقط بفهم ما جرى لتفاديه في المستقبل وبناء دعائم نفيه في الحاضر، ومن ثم طلب المسؤوليات فيما حدث.

ü     لكن ماذا جرى؟ الحقيقة هاهنا هي موضع صراع بين عدة أطراف: الدولة، المجتمع، التاريخ. وهذا الصراع هو في الواقع في بداية تكونه على الرغم من مرور بضع سنين على وقوع تلك الأحداث لأنه ما يزال يدور حول المنشأ والكيفية والأسباب والنتائج: كيف وقع ؟ ما هي أسبابه؟ وما هي أطرافه؟ وما هي نتائجه؟ الحدث ذاته موقع تأويل حتى في الأسماء: هل هو انتفاضة؟ ثورة؟ شغب؟.....

ü     كلما ارتفعت وتيرة الصراع ارتفع عمران الحقيقة ولكن بهندسات مختلفة؛

ü     كلما ازدادت معطياتنا حول الحدث ضاقت معرفتنا بالحقيقة لأن خيوطها متشابكة بأكثر من سبيل؛

ü     وهذه الحقيقة ليست بطبيعة الحال إلا الحقيقة الني نطمئن إليها، لا الواقع الذي يمثل الحدث؛ وطبعا لكي ندرك الحقيقة لا بد من الانطلاق من الحدث.

ü     هذا التوتر بين الحدث والحقيقة هو الذي يفسر كثرة المعاني والتأويلات التي تعطاها أحداث مصيرية من قبيل أحداث 58-1959.

  IV.             

ما هو المخرج؟

ü     المخرج هو التسوية بين الأطراف التي صنعت الحدث، ولكن لا بد من مقاومة النسيان؛

ü     التسوية والمقاومة قائمة الآن فيما يعرف بمجالس الإنصاف والمصالحة، ولكن الحلقة الغائبة هي غياب المسؤوليات؛

ü     الإنصاف ليس فقط أن تنصف الضحية، بل أن تقتص من الجلاد والمصالحة ستبقى شعارا قائما على الرحمة بالجلاد لا على العدل في محاكمته. وهل هناك إمكانية لبناء المصير المغربي في غياب أحد الأطراف عن الأخرى؟

 


المشاركون في الندوة

المغرب وإسبانيا

من التواصل العمودي إلى التواصل الأفقي

محمد بلال أشمل 

 

 

 

          

يتناول الإعلام الإسباني أو المغربي حاليا مسألة "التواصل بين المغرب وإسبانيا" بكثير من الثقة والاطمئنان. الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك "خوان كارلوس" للمغرب خلال يناير2005، وما أثمرته من مشاريع واتفاقات بين الطرفين، زادت تلك الثقة، وعززت ذلك الاطمئننان. وهذا المقال يسعى إلى تبين حقيقة هذا "التواصل" بين البلدين ويحاول النظر إليه من منظور واقعي وعقلاني بعيدا عن الافتتان بـ"المقدمات المشهورة" السائدة لدى الخطابات السياسية في العدوتين.

          ولما كانت حالة المغرب مع إسبانيا هي حالة كل البلاد العربية مع الغرب، مع اعتبار خصائص ومميزات هذا القطر او ذاك، يجوز لنا دراستها كنموذج  للعلاقات العربية الغربية في إطار إشكالية "الأنا والآخر" في صيغتها المغربية، وفي بعدها الإسباني، ومن ثم اعتبارها ساعة النظر إلى وجود وقيمة وحدود تلك العلاقات.

 

        1- تقديم عام

        

         الحديث عن موضوع "التواصل الأفقي بين المغرب وإسبانيا" حديث يحتمل وجهان: إما انه حديث يتناول الواقع واصفا له، مقررا وقائعه، ناقدا كيفياته، أو إنه حديث يتناول الإمكان حالما به، واضعا شروطه، طارحا مقتضياته. وأغلب الظن أن الحديث هاهنا إنما هو حديث عن "التواصل" بالوجه الثاني، لا بالوجه الأول؛ نظرا لغياب "التواصل" الأفقي، و"حضور" محتمل للتواصل العمودي.

         غير أن الحديث عن هذا التواصل، إن كان يتم بما ذكرنا من وجه، فإنه مع ذلك، ينكر على التواصل أن يكون عموديا، داعيا إلى صيرورته تواصلا أفقيا. فلماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟

 

2- لماذا رفض التواصل العمودي، وطلب التواصل الأفقي؟

        

         مشهور أن التواصل العمودي يفيد معاني الهيمنة والتجبر؛ فالتواصل يتم بين أعلى وأدنى، بين كامل وناقص، بين قوي وضعيف، بين من لديه، وبين من ليس لديه هذه المعاني، وغيرها كثير، غير مقبولة من حيث أن الذي يطلب التواصل يوجد، برسم الواقع أو برسم الإمكان، في وضع الأدنى، ضعيفا، ليس لديه أي شئ. ولذلك يطلب أن يكون التواصل تواصلا أفقيا، ويشترط له من الشروط ما بها يكون كذلك، حتى يحقق لنفسه من الأسباب ما بها يكون، هو أيضا، في وضع الأعلى، قويا، وله كل شئ. وهذا طبيعي بمقياس التطور التاريخي والحضاري لطالب التواصل؛ فقد حصل على استقلاله السياسي، وهاهو يشتاق إلى تحصين استقلاله الحضاري بتواصل مشروط مع الآخر الذي كان عما قريب مشاركا في احتلاله. ومن ثم فالتواصل المطلوب هو تواصل "الأفقية"، وليس تواصل "العمودية"؛ لأن الأول دال على التساوي والعدل والإنصاف، فيما الثاني دال على التفاوت والظلم والعسف. وقد ضاق طالب التواصل الأفقي بواقع العمودية، وما أثمرته من استنزاف للخيرات، فلا بد له الآن من طلب الأفقية، عسى تسوق معها ما ُيعوض بها ما استنزف وضاع. فهل صحيح إن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا يخشاه طالب التواصل الأفقي، ويدعو إلى زواله؟

 

 

 

3- هل صحيح أن هناك تواصلا عموديا يخشاه طالب التواصل الأفقي؟

         

         لا نعتقد أن هناك تواصلا عموديا بين المغرب وإسبانيا- لأسباب كثيرة سأذكرها- ولذلك فهذا الرفض للتواصل العمودي ليس رفضا لواقع قائم، وإنما هو رفض لإمكان محتمل؛ يخشى تحققه طالب التواصل الأفقي كي لا تتحقق معه معاني الهيمنة والتجبر، ويسوق معه ما ُيكره من دلالات الظلم والعسف، فيقع ما ُيخشى من عاقبة الاستنزاف للخيرات المادية والرمزية.

         بالتأكيد ليس هناك تواصل عمودي بين المغرب وإسبانيا، فبالأحرى وجود تواصل أفقي بينهما. وإثارة التفكير في هذه القضية هي، في نظرنا، المدخل الطبيعي لإثارة قضية التواصل الأفقي بين البلدين، والسعي في إيجاد أفضل السبل لتحقيقها. فما هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود هذا التواصل بهذا الوجه؟

 

4- هي الأسباب التي تجعلنا ننكر وجود التواصل العمودي؟

       

         حسبنا القول إن التواصل صيغة تفاعل بين طرفين، فلكي يكون هناك تواصل بين المغرب وإسبانيا على سبيل المثال، ينبغي أن يكون هناك تفاعل بينهما. فهل يوجد هذا التفاعل بينهما؟ كل الدلائل تشير إلى أن الذي يوجد بين المغرب وإسبانيا محض "فعل"؛ إن أتى دائما من إسبانيا، فقلما يأتي من المغرب، أو إن أتى من المغرب، فمن النادر أن يأتي من إسبانيا. ولسنا في حاجة إلى ذكر الوقائع، فالتاريخ كشاف لها في الماضي في مختلف المجالات، وبمتنوع الأبعاد.

         ليس التواصل تفاعلا فقط، بل هو مبادرة أيضا. والحاصل أن الذي يقع ليس إلا محض "انتظار" الفعل أو قل "التواكل"، ومن ثم الوقوع تحت سلطة المبادرة التي قد تأتي من لدن الآخر. إن أصل المبادرة، "مبادءة"، فالفاعل يمضي إلى البدء في الفعل فيصوغه في "المبادرة"، وهو مطمئن إلى أن الذي سيبادر إليه أو معه، مبني للتفاعل لا للتواكل. وحتى إذا افترضنا أن هناك مبادرة تقوم على عدم تلقي "التفاعل" بل الانفعال، فإنها إن أتت من المغرب، فقلما تأتي من إسبانيا. لم يكن المغرب مستعدا دائما للتفاعل مع المبادرات التي تأتيه من إسبانيا، ولم تكن إسبانيا تطيق ما يأتيها من مبادرات من المغرب. ليس هذا في الماضي فحسب، بل في الحاضر أيضا. دعنا من مبادرات تنطوي على مقاصد عدوانية كالاستعمار من لدن إسبانيا، أو من مبادرات ذات أبعاد دفاعية من لدن المغرب، فهذه كلها تنطوي على أسباب رفضها من كلا الطرفين، ومن المستحيل أن يحصل الاتفاق بينهما في نجاعتها، ولا التفكير في تكرارها، نظرا لمحاذير تاريخية وسياسية وعقائدية. ما نفكر فيه هو نوع من المبادرة "الخلاقة" القائمة على قيم التواصل. ولما كانت قيم التواصل غائبة نظرا لغياب "أصل" التواصل؛ أي التفاعل المبني على "المبادءة"، غابت معه المبادرة غيابا تاما.

         بل إن التواصل ليس تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط مبنية على أصل "ألمبادءة"، ولكنه وعي بالمقاصد والغايات أيضا. فأن يتواصل المغرب وإسبانيا، عليهما أن يدركا أية مقاصد يرجوانها من تواصلهما، وما هي الغايات التي ينتظرانها منه. إن الوعي بمقاصد التواصل، وبغاياته لمن شأنه تقوية حظوظ تركيبها التركيبة الحسنة، حتى تستجيب لأشواق المتواصلين في تواصل مثمر، ومن ثم ضمان ما يصطلح عليه بـ"حسن الجوار". لكن الذي يحدث أن الوعي يكون أثناء الفعل، ويغيب أثناء التواصل. وحتى إذا حصل، فهو ليس مما يندرج ضمن المقاصد والغايات النبيلة التي أجمع عليها الحس السليم، وقبلتها الفطرة، وتداولتها الشعوب المتجاورة الواحدة منها للأخرى. إن أكثر اندراجه تحت مقاصد وغايات خسيسة ُيصطنع، للوصول إليها، وسائل نبيلة. وهذا كان صنيع إسبانيا في الشمال في وقت من الأوقات، لما سعت في استعمارها لأرضه، والاستحواذ على خيراته؛ مسخرة في ذلك آلة "العمل الثقافي"، و حاشدة له مجهود "العمل الاجتماعي" وغير ذلك من الأعمال الإحسانية الخيرية أو الثقافية التعليمية.

         وأخيرا ليس التواصل تفاعلا فحسب، ولا مبادرة فقط، ولا وعيا بالمقاصد والغايات، ولكنه عين التكافؤ أيضا. هناك فرق شاسع بين المغرب وإسبانيا من المستحيل إسقاطه من حساب الرغبة في التواصل الأفقي، وإلا فإن الأفقية ستصبح صورة أخرى من صور التبعية والإلحاق، التي ما انفك المغرب يناضل من أجل التخلص منها. إن التعامي عن هذا الفرق، لهو عين الخطأ في الحساب الأخير، حيث سيصبح التنادي بالأفقية مجرد رغبة لا معنى لها، ورهان لا ربح معه، فيما المطلوب أن تصير الدعوة إلى الأفقية إرادة عاقلة ومعقولة لها من السند الواقعي، والدعم التجريبي ما تستقوي به على مدافعة عوائقها ما ظهر منها وما خفي.

         لا يوجد تفاعل بين المغرب وإسبانيا، ولا توجد مبادرة بينهما، ولا يوجد وعي بكل ذلك لديهما، ولا يوجد تكافؤ بينهما، فإذن لا وجود لتواصل بينهما فماذا يوجد إذن؟ 

                         

5- صلة" محكومة بـ"جغرافية المواجهة" ومحكومة بـ"تاريخ الجوار"

        

         ما يوجد هو محض "صلة" قضت بها "جغرافية المواجهة" وحكمها "تاريخ الجوار"؛ قد تشطح أحيانا عن إكراهاتهما فتصبح طمعا في "الوصال"، ولكنها سرعان ما تفيق على ضغط محال "الوصل"، فتنكفئ إلى محض "الصلة" الطبيعية بلا سعي إلى "تثقيفها"، حتى تخرج من طابعها المنفعل إلى طابعها المتفاعل. ولكنها لم تصبح قط قطيعة أو ارتقت فكانت فصلا؛ لأن إشرافهما على بحر واحد بشاطئين، له من الإلزامات ما قد تخرج بها حتى عن طوع السلطة السياسية، وتنشق بها حتى عن طاعة السلطة الأمنية، وما ظاهرة "قوارب الموت" عنا ببعيدة.

         أول فعل واع سعى إلى "الوصل" في إطار "الصلة"، هو ما قام به "وفد مطالب الأمة" الذي  قدمه نخبة من رجال الحركة الوطنية في الشمال إلى رئيس الجمهورية "ألكالا ثامورا" عام 1931، حيث برروا اللجوء إلى إسبانيا، وهي يومئذ الناهية الآمرة في جزء من البلاد، بوجود "العلاقة التاريخية" بين الشعبين المغربي والإسباني. إن هذا المبرر في الوصل، ما يزال له من الوهج ما يستطيع أن يهب لضرورات التواصل الأفقي، كما يتم التنادي بها حاليا، كامل قوتها ومعقوليتها ودوامها. ومع ذلك فإنه ينطوي في نظرنا على أسباب خفوته، ويحمل في طياته جراثيم ضعفه.

         فأما كمال قوته فيكمن في نظرنا، في منزلة إسبانيا في قلوب كثير من المغاربة كخلاص لهم من مما قد يعتريهم من بؤس، وما قد يصيبهم من شقاء؛ جراء الأزمات التي ألمت بهم على مدى عقود طويلة من السنين. كما يكمن في مكانة إسبانيا في قلوب الديموقراطيين، لما تمثله لهم من نموذج يحتذى للديموقراطية الفريدة، الحامية لحقوق الفرد والجماعة، السياسية منها والثقافية. وقد يكمن أيضا في "الهوى الإسباني"، الذي اشتهر به أهل الشمال؛ إما عن حق أو باطل، منذ "احتكاكهم" بالإسبان، إما حربا أو سلما، تجارة أو سلبا.

         أما أسباب ضعفه، فتكمن في نظرنا في استمرار الحذر التاريخي المتبادل بين المغرب وإسبانيا، الأول يخشى على سيادته من وصية الملكة "إثابيلا الكاتوليكية" في واجب تنصير شمال إفريقيا، والثاني يقلق على كيانه من انبعاث شبح عودة الإسلام "البربري" إلى الأندلس وعموم إسبانيا. كما تكمن في مشكلة الجيوب المحتلة، كسبتة ومليلية والجزر "الصلعاء"- بتعبير أورتيغا إي غاسيت- التي تضع "الصلة" ذاتها بين المغرب وإسبانيا موضع خطر، وليس فقط أماني الوصل، وآمال الوصال، وأشواق التواصل. كما تكمن أيضا في الخشية النفسية من سيادة النمط الحضاري الإسباني المتلفع بالقيم العلمانية والمسيحية على السواء داخل المغرب؛ وقد وجد له موطئ قدم في قطاعات واسعة من الشباب، ممن منتهى طموحاتهم ليس إقامة التواصل الأفقي مع إسبانيا، بل الحلول المباشر في الذات الإسبانية.

         هناك جانب آخر يخطئ من يبخس أهميته، وهو المتعلق بالموقف القائل "إن الكفر ملة واحدة"، ومن ثم فلا موالاة مع الكفار، ماداموا يفتنون المسلمين في دينهم ودنياهم، أو يعينوا على فتنهم. وإسبانيا في نظر هذا الموقف هي مثال لهذا الكفر الذي يفتن المغاربة في دينهم، ويفسد عليهم دنياهم  بوساطة الإعلام المسموع والمرئي. ومن ثم فلا تواصل معها ولا موالاة وإنما انقطاع عنها واعتزال صلتها. ألا ترى أنها أعانت أمريكا على ضرب العراق، وهيأت الأسباب لها لمتابعة المجاهدين في سبيل الله؟ إن اعتبار هذا الموقف من الأهمية بمكان في التداول الراهن لمسألة "التواصل" مع إسبانيا، أولا لأنها كانت، ولدى البعض ما تزال، أصل "العدوان الصليبي" في الأندلس؛ لما طردت المسلمين من ديارهم، وسلطت عليهم محاكم التفتيش، وثانيا لأنها الآن "فرع" ذلك العدوان بإعانتها على استضعاف المسلمين، في عقر دارها، وفي العالم أجمع. هذا الموقف ينبغي معالجته بالنظر إلى المواقف المتنورة داخل الفقه الإسلامي، القائمة على مبدأ "التعارف"، وضبطه بأسباب النزول، وبما هو عليه عمل أهل المدينة من إبرام العهود، وكتابة المواثيق مع غير المسلمين.

         إن الراغب من جيلنا في تحقيق التواصل الأفقي مع إسبانيا، لا بد له من مراعاة أسباب القوة فيطورها، ويتحسب لأسباب الضعف فيتفاداها. وفوق هذا وذاك، لا بد لجيلنا من طرح اعتبار آخر لم يكن لجيل الحركة الوطنية أن يتصوره في إطار "منطق الصلة" الذي كانوا يقدمون به مطالب الأمة. فقد كانوا يصنعون ذلك في إطار "الحماية"، فيما نحن ينبغي صنعه في إطار "الاستقلال". كان أفق مطالبهم هو "الحماية" من أجل النهوض والترقي بالأمة المغربية دون قطع "الصلة" بالدولة الحامية. أما أفق "تواصلنا" فهو "الاستقلال" من أجل استكمال دولة الحق والقانون دون قطع التواصل مع الدولة الجارة. هذا مع أن الاعتبار الأساسي الذي نراه يحكم إرادتنا في تواصل مثمر مع إسبانيا، ليس هو اعتبار "العلاقات التاريخية" كما لدى الحركة الوطنية، بل هو اعتبار "العلاقات المستقبلية" التي نرجو أن تكون بخير، وعلى أتم عافية. ولذلك نتصور لها مقتضيات ثلاثة لا غنى لها عنها؛ فهي عين الحقيقة في التواصل، ونقصد بها مقتضى "الاعتراف"، ومقتضى "القبول"، ومقتضى "التسامح".

 

6- مقتضيات التواصل الأفقي ضمن اعتبار "العلاقات المستقبلية"

        

         أما مقتضى الاعتراف، فنقصد به الاعتراف الفعلي، لا الديبلوماسي، بالوجود السياسي والقانوني للمغرب، والسلوك وفق منطوق ذلك الاعتراف؛ مع ما يترتب عن ذلك من اعتراف بـ"السيادة" على البحر والبر الذي يوجد فيه المغرب، دون منازعته فيهما بعقلية "السيد" الذي يعتقد أن الملكية خاصية السادة، أما "العبيد" فهم موضوع "التمليك"، فيمضي إلى تملك العبيد وما يملكون. على إسبانيا، إن أرادت التواصل، التنازل عن عقلية "الملكية" وتعمل بعقلية "الوجود". يجوز أن يكون الاعتراف في إطار الصلة، ولكنه اعتراف على اضطرار، وليس اعترافا على اختيار، الاعتراف الأول تفرضه "حتمية الجغرافيا"، و الاعتراف الثاني تصنعه "حرية التاريخ". لا نريد أن تعترف بنا إسبانيا لمجرد أنا جيرانها فتطبق علينا المبدأ المسيحي المتعلق باحترام الجار وتوقيره، ولا نريد أن نعترف بها نظرا لأنها جارتنا فنطبق عليها المبدأ الإسلامي المتعلق بالجار الجنب الذي كاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يورثه فنمضي إلى توقيرها. الجوار واقع خارج عن مقتضيات الأخلاق، ودواعي الدين، والإرادة العاقلة هي التي تسبغ عليه ذلك الطابع. ونحن نريد أن يكون الاعتراف المتبادل بيننا وبينها اعترافا خاضعا لإرادة الأخلاق، فالإرادة كثمرة للعقل، والأخلاق كثمرة للقيم. إن تواصلا بلا اعتراف لهو التفاصل بلا رفض، فكيف يمكن أن يكون التواصل وقد غاب عنه الاعتراف؟

         وأما مقتضى القبول، فنقصد به أن إسبانيا لما تعترف بالمغرب اعتراف حرية لا إكراه، اعتراف اختيار لا اعتراف اضطرار، عليها أن تقبله بكل خصائصه الحضارية والسياسية والثقافية. وكما كان الاعتراف اختياريا، هكذا ينبغي أن يكون القبول، وإلا لخضع لحتمية الجغرافيا فيما نريده أن يخضع لحرية التاريخ. فمثلما لا تواصل بدون اعتراف، هكذا لا تواصل بدون قبول. لكن القبول ينبغي أن يخضع لرغبة الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي للمغرب، وليس لرغبات أو مصالح إسبانيا. قد تقبل بنا إسبانيا، ولكن وفق صيغتها؛ فمرة استقلال ذاتي للشمال، ومرة انفصال كلي في الصحراء، ومرة استئثار أناني بالثروة السمكية، وفي كل المرات "خضوع" و "مسالمة" حتى تأمن جانب الجار الجنوبي. والقبول ليس مما تقرر هكذا عند الذين نظروا لفلسفته، بل هو القبول الواقعي، وليس القبول المثالي؛ أي القبول بما هو عليه الجار في الواقع، لا السعي إلى تغيير هذا الواقع الذي يعيشه حتى يتم القبول به. صحيح هناك دواع كثيرة تدعو إلى تغيير الجار، ولكن ليس إلى الدرجة التي تجعله يصير على هواك، ويسلك وفق رغباتك. إذا كان هناك من داع لتغييره، فعلى الأقل يمكن أن يكون ذلك حفظا على خصوصيته بما لا يتعارض مع مصالحه.

         أما مقتضى التسامح، فنقصد به تتويج كل من الاعتراف والقبول في سلوك فعلي، وأثر حسي هو موقف التسامح. فحين تعترف إسبانيا بالمغرب، لا بد لها من أن تتسامح معه ومن ثم أن تتواصل معه. لكن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصل الحق لا وقد ُهضم. ذلك أن التسامح ممكن في حالة احترام الآخر لحقي أو في حالة تحصيلي لحقي، لا في حالة هضم حقي أو التفريط في حقي، من طرفي أو من طرف غيري. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وصاحبه في موقع قوة لا في موقع ضعف. فكيف يمكن أن تتسامح وأنت لا حيلة لك ، على ضعف ما بعده ضعف. فالتسامح المطلوب هو تسامح المتمكن لا تسامح الضعيف؛ لأن في تسامح القوي يبدو المعنى الكامل لتسامحه. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد حصلت العدالة لا وقد أهدرت؛ فكيف يمكن للتسامح أن يستقيم والعدالة غائبة في حضرة الظلم. كما أن التسامح ينبغي أن يكون من أجل المؤالفة مع الآخر لا من أجل المخالفة؛ فلا ينبغي أن يكون التسامح عاريا من غاياته التأليفية والتوحيدية. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ُحفظت الكرامة لا وقد ّأهينت وّجرحت في صميمها؛ فلا تسامح مع من يهين كرامتك ويدوس عليها. كما أن التسامح ينبغي أن يكون وقد ّحفظ الاختلاف؛ فلا تسامح من أجل التشابه أو المطابقة، مثلما لا تسامح في الاختلاف لتحصيل الائتلاف. كما أن التسامح لا يكون مع الذات تفاديا للإفراط في الأثرة، ولا يكون مع الغير تفاديا للتفريط في الحق.

         لقد دأب الغرب على عدم قبول الآخر، وعلى عدم الاعتراف به، ولا التسامح معه. ألا ترى أن  "الكوجيطو" الديكارتي يقدم نموذجا صارخا للأثرة الغربية في أناه التي تفكر، وأناه التي توجد، ومن ثم لا أحد يفكر معها، ولا يوجد إزاءها. ولذلك فإذا كانت هناك من إرادة في التواصل مع إسبانيا فمن الضروري وضع كوجيطو إسباني جديد تكون إسبانيا بمقتضاه معترفة بالمغرب، قابلة له، متحاورة معه، متسامحة معه؛ وإلا فإن "التفاصل" بدل "التواصل"، هو ما سيسود مشهد الصلة بين البلدين الجارين في الجغرافيا، البعيدين في التاريخ والمستقبل. ما هي نتائج هذا الكوجيطو الإسباني إذن؟

         أول النتائج هي رد الحقوق التاريخية للمغرب في سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. وثانيها الشروع فعلا فيما يقتضيه التواصل أي التعاون المشترك لأجل تحصيل مشترك للخيرات. دون هاتين النتيجتين، سيظل أي حديث عن التواصل محض كلام فارغ من أية إرادة في التقارب، وملئ بكل الرغبات في التباعد. ودون الشروع في تحقيقهما سيظل أي كلام عن التواصل مجرد إرجاء انفجار ضغط الجغرافيا إلى وقت لاحق.

         أما وقد حددنا للتواصل مقتضيات ثلاثة، لا بأس من أن نتصور له منطقا من الواجب أن يوجهه في صيرورته إلى أن يكون واقعا عينيا. ويتعلق الأمر بالمحددات الكبرى التالية:

 

7- منطق التواصل

        

         أن منطق التواصل ينبغي أن يكون منطق المبادرة. إن إحدى المعاني التي ينطوي عليها مفهوم المبادرة في اللغةالعربية هو"المسارعة" و"الاستباق" و"الاستعجال". وعلى ذلك، فإن التنادي بالتواصل، إنما ينبغي النهوض به على "التو" لا على "التراخي"، مثلما هو الأمر في الأمور الجليلة التي لا تؤجل إلى حين. وإذا كان الامر كذلك، فلا بد من نبذ  منطق "التواكل" الذي يجمد بنا على "الكسل"، ويضطرنا إلى "الانعزال". 

         المحدد الثاني يتعلق بمنطق "التناصح". إن الجوار يفرض على المتجاورين النهوض بأخلاق الجوار وهو التناصح في الخير، والتناهي عن الشر. ولذلك فلا يستقيم أن يحكم  منطق "التآمر" جوارهما، حتى أنهما لا يتجاورا إلا ليتآمر الواحد منهما على الآخر، كأن الجوار هو نفي للجار، لا تجاور معه أي مقاسمته المكان.

         المحدد الثالث يتعلق بمنطق "التعاون".فالجار هو من يجاور جاره في المصلحة، لا من يتباعد عنه فيها، فيستأثر بها دونه. لا سبيل إلى الاستئثار مع من تقاسمه المكان، لأن الاصطدام به وارد، والحرب معه لا مناص منها، فلذلك  كان منطق التعاون هو المطلوب، و منطق "الأنانية" هوالمنبوذ.

         المحدد الثالث هو الذي يتعلق بمنطق "التشارك". إذا كانالتعاون هو قدر من يتقاسم معك المكان، فإن التشارك مما لا سبيل إلى دفعه، لأنهأوثق صلة بأخلاق الجوار. فالتشارك يزيد في الخيرات، ولا ينقصها كما قد يظن، لأنه مرتبط بالعمل. فلما كان العمل مضاعفا من جارين، كانت الخيرات أكثر كما، وأضخم مددا. وعلى ذلك ينتفي منطق "الاستئثار" لأنه أضمن لحظوظ الخلاف، وأدعى إلى أسباب الخصام.

 

8- ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟

        

         ما هي الآن مجالات التواصل الأفقي؟ كل مجال يخدم المصلحة المشتركة. ولكن لا بد من الإشارة عموما إلى مجالين اثنين يتعلق أولهما بأنواع التفكير، ويتعلق ثانيهما بأنماط التدبير. فالتفكير المراد هاهنا هو التفكير  السديد المرتبط بالتدبير المفيد. ليس هناك من خير في تفكير إذا لم يتبع بتدبير مفيد، وليس هناك من نفع في تدبير لا يسنده تفكير سديد. فأما مجال الفكر كمجال التفكير، فهو السعي في إدراك صورة الآخر في الماضي لأجل تواصل مثمر في الحاضر. كما بذل الجهد في تصحيح صورة الأنا في الماضي والحاضر لدى الآخر لأجل تعامل محترم في الحاضر. أما مجال السياسة كمجال للتدبير، فيمكن أن يكون بعقد الندوات وتنظيم اللقاءات الثقافية وإجراء المناظرات السياسية لتطارح قضايا تهم الجانبين.

 

9- ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟

        

         ما هي الجهة المؤهلة بدور التواصل؟ إن الجهة المؤهلة للقيام بدور التواصل هي أطراف المجتمع المدني بمختلف مكوناته، ومتنوع ألوانه؛ فالعقل المدبر للمجتمع المدني هم الأحزاب السياسية، والعقل المفكر له هم المثقفون والأنتليجينسيا عموما. على هؤلاء التفكير في التواصل، وتدبير كيفيات تحققه، عملا بمفهوم "التعارف" في تراثنا، واستهداء بقيم "التواصي" بـ"الخير" و"التواصي" بـ"الحق".فأما التواصي بالخير، فلأن أخلاق الجوار تقتضي ذلك، وأما التواصي بالحق فلأن إسبانيا ما زالت تحتل قطعا عديدة من الحق المغربي. ومن ثم فخير التواصل ما تم وقد ُرد الحق إلى أصحابه، وُكف عن اعتبارهم جيرانا لا يراد اقتسام المكان معهم.

 

10- ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟

        

         أخيرا ما هي القيم التي ينبغي أن تسود التواصل الأفقي؟ باختصار شديد هي ثلاثة لا ثالث لها وهي: قيم الإنسان من حق وعدل وجمال، وقيم المكان التي تطبق قيم الإنسان في مكان الحق، وتنهض بها في مكان الجمال، وتسعى بها في مكان العدل، وقيم التاريخ التي ترد الحق، وتعترف بالعدل، وتكون جميلة في جميع ذلك.

 

نشرت في: مجلة النور اللندنية العدد 166 مارس 2005 ، ص 20-22.

 

 

 

 

 

 


من هنا مروا ...

الورقة النظرية (14/14) مجمل "ما ينبغي" أن يكونه الإطار الحقوقي الشمالي

إن الإطار الحقوقي الشمالي مشروع وحدوي تاريخي وثقافي وحداثي وإنساني وكوني من حيث هو:

·       منظومة متكاملة من الأفكار والرؤى والتطلعات تستمد قوتها الموضوعية من المعطيات النفسية والجغرافية، وتستوحي شرعيتها التاريخية من المقتضيات اللغوية والثقافية، من منطلق التعبير عن حاجة ملموسة؛ وهي الحاجة إلى شكل تنظيمي تنخرط فيه كل القوى الواعية بانتمائها إلى هذا الكون الجغرافي والتاريخي والثقافي الشمالي لتحصيل مكاسب عامة ذات طابع حقوقي، ولكنها بامتداد حضاري وثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي. وككل مشروع لا بد له من رجال وأفكار وعزائم لكي يحقق نفسه في الصيرورة كيانا ماديا واضحا، مستقلا عن أي كيان سياسي، فالإطار الحقوقي لديه من الرشد ما يؤهله لكي يمارس حقه في الاختلاف، ويترجمه إلى وقائع مادية، ويبلوره في أشكال مطلبية، بعيدا عن أية وصاية إلا وصاية الشرعية الشمالية، وبعيدا عن أي ولاء إلا لقضيته العادلة.

·            أنه ينخرط بصدق وبشجاعة واستقلالية في السياق المطلبي لحقوق الإنسان في الشمال، ويتوحد مع كافة التطلعات التي ترى إلى مستقبل شمالي فيه كل الحقوق مصانة، وكل الكرامات محفوظة، وكل الكيانات محترمة، في إطار من الوحدة الوطنية، وفي سياق من المسؤولية التاريخية، تجسيدا لإحدى الإمكانيات المتعددة لتحقيق "التنمية البشرية" الـّتي أعلنت عنها الدولة رسميا عبر تحقيق أخص أبعادها وهي حقوق الإنسان الكلية، ولكن باشتراط ضمانات ديموقراطية، عبر جملة من الآليات الفعالة لإخراج التنمية من مستوى الشعار، إلى واقع التطبيق، ومن محض الأمنيات، إلى مادية الفعل؛ واضعا عزائمه وقدراته في خدمة أي فعل تنموي شمالي، ومسخرا إمكانياته المعنوية والمادية في سبيل أية مبادرة صادقة لوضعه على طريق النهضة الشاملة، ضمن منطق تآزري يعمل به، وفي دائرة أخلاق تضامنية يؤمن بها، وعلى هدي حس مبادر يستشعره في أعماقه.

·                 أنه يؤكد مسلكه التاريخي المستقل في مسار الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة في الشمال قديما، وأطراف الصف الوطني والتقدمي حديثا، ويسوق مساهمته الشخصية في استكمال التحرر والاستقلال من حيث أن مكوناته يمثلون جيلا وطنيا يستأنف بناء الدولة الوطنية ديمقراطيا، ويسعى إلى تحرير الإنسان حقوقيا؛ فإذا كانت مهمة جيل الحركة الوطنية، ومن لحقها في الشمال، هي الدعوة إلى تحرير الوطن من الاستعمار، فإن جيل الحركة الحقوقية يدعو إلى تحرير الإنسان من الظلم والقهر والمهانة وكل ألوان الضيم التي تسلبه إنسانيته حقوقيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا. وهكذا تتعاقب الأجيال جيلا بعد جيل في صيرورة متواصلة من أجل بناء الدولة الديمقراطية الحداثية التي يشعر فيها الإنسان بإنسانيته، وقد ضمن كافة حقوقه المدنية والسياسية والثقافية. كما تؤكد للأجيال طابعها الخاص في التقدم الوطني عبر تقديم إسهاماتها العامة من منطلق استقلالي وحواري وتواصلي وديموقراطي، في علاقة نقدية مع التراث السياسي الشمالي، ومع امتداداته في المركز، سواء لدى الأطراف الوطنية اليمينية أو اليسارية، منذ الاستقلال إلى الآن.

·                 أنه يجسد حقا من حقوق الإنسان الشمالي الثقافية الممتدة في التاريخ والمتجذرة في الجغرافيا. لقد تم إهمال حقوق الشمال الثقافية في إطار الهيمنة الثقافية للمركز، وتعميمها لنمطها الثقافي التوحيدي، بل وتم اقتلاع رموز هذه الثقافة والإجهاز على ما تبقى منها عمرانيا وسياسيا وأدبيا. ومن كان يمثل هذه الثقافة في الشمال- أو من كان من المفترض فيهم تمثيلها- انخرطوا في سياق التنميط الثقافي، وانصرفوا عن الدفاع عن الخصوصية الثقافية للشمال. ولكن مقتضيات الدولة الديمقراطية الحديثة الـّتي نؤمن بحتميتها، تضطر الجميع إلى الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، وتحمل أعتاهم في مواجهتها إلى السعي في احترامها. والإطار الحقوقي الشمالي استجابة طبيعية لهذا التطور السياسي الوطني والدولي، وتفاعل إيجابي مع هذه الصحوة الثقافية التي تزداد يوما عن يوم قوة وصلابة في مجموع التراب الوطني.

·                 أنه يمثل تيارا حقوقيا حداثيا لأنه يؤمن بالولاء للإنسان في الجغرافيا الخاصة، ويعلن نفسه متضامنا مع حقوق غيره في الجغرافيا العامة، ويستعد للدفاع عن تلك الحقوق بقدر استعداده للدفاع عن حقوقه في تناغم وطني كامل، وتكافل إنساني صادق، بغض النظر عن الدين إلا ما اعتدل، وبغض النظر عن العرق إلا ما توسط، وبغض النظر عن السياسة إلا ما تخلق، فأشد ما يرفضه هذا الإطار الحقوقي الشمالي التطرف في الدين لأن الدين يسر، وأعظم ما يكرهه المغالاة في التزكية العرقية لأن الأصل في الأعراق الاختلاط، وأكثر ما يبغضه غياب المروءة في التدبير السياسي للشأن العام  لأن المطلوب توفر النزاهة فيمن يتصدرون مجالس التدبير العمومي.  

         وهكذا فدواعي قيام  "الإطار الحقوقي الشمالي" دواع قائمة بمعطيات سيكولوجية مثل "الحس الشمالي"، و مبررة بمعطيات ثقافية مثل "الخصوصية الثقافية واللغوية والحضارية"، ومعقولة بأسباب واقعية  مثل الشعور بالتهميش وضياع الحقوق، ومستساغة بالظروف الدولية مثل تنامي تيار المطالبة بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية، ومستقوية بالتيار الجارف للتحديث في العقليات والأفكار والممارسات والمؤسسات، وليس على رجال هذا الإطار ونسائه إلا العزم على تمتينها والاستقواء بمشروعيتها التاريخية والديموقراطية من أجل تحقيق ما يتطلعون إليه من شمال إرادي، وما يشتاقون إليه من وطن ديموقراطي، وما يحلمون به من نظام سياسي حداثي.

 

 

الورقة النظرية (13) المنطق العام الذي "ينبغي" أن يسود دولة الجهات

الكلام في المنطق العام الذي ينبغي أن يسود العلاقات بين "دولة الجهات" و"جهاتـ"ها" هو كلام في الخلافيات، كما هو الشأن في جميع الكلام السابق. وإنما وضع في صيغة "الماينبغي أن يكون" لأنه مبني على تعاقدات بين الدولة وبين جهاتها. ومن المعلوم أن أي تعاقد، إنما ينبني على ما ينبغي أن يكون، مع تسخير الوسائل الممكنة والمتاحة. هذا المنطق العام لا يوائم إلا الدولة، كما حددناها سابقا؛ الدولة التي يضمن فيها الحق، ويطبق فيها القانون، وتتخلق عقلانيتها، وتصان فيها الكرامة. كما لا يوافق إلا الجهات التي لها خصوصية، حرة، قوية، مبدعة، ومتواصلة. بصفة عامة، إنه المنطق الذي يوائم علاقة التكامل التي قلنا إنها من الواجب أن تسود بين الدولة وبين جهاتها. أية دولة بغير ما وصفنا، وأية جهة بدون ما حددنا، وأية علاقة بينهما خارجة عما ذكرنا، لا يصلح لها هذا المنطق؛ لأنه منطق إيجابي، لا يصلح إلا لمثله من الكيانات الإيجابية التي حددناها. ومن ثم فالعلاقة بين الجهات ودولتها ينبغي أن تنضبط للمنطق التالي:

        §           منطق التواصل لا منطق التفاصل؛ صحيح إن الخصوصية هي أبرز مميز للجهة، ولكن خاصية التواصل التي تتميز بها أيضا لا تجعلها إلا مقبلة على الآخر سواء كان الدولة أو الجهات التي تتألف منها، ومدبرة عن أي مسعى للتفاصل معها. لا تتحقق غايات التكامل إلا بمنطق التواصل، ولا تنهدم مقاصد التكامل إلا بالإقبال على التفاصل. الانعزال، وما شاكله من ألوان الانكفاء على النفس، اعتزازا بخصوصية، أو انتصارا لشخصية متميزة، لا يخلف إلا تزايد الحظوظ في الاندثار البطئ أمام ضرورة الحوار مع الآخر، وإقامة الجسور معه لعبور العلاقة من الصلة إلى الوصال فالتواصل.

   §    التآزر لا التخاذل؛ فمنطق التواصل إنما هو منطق متخلق بقيم التآزر لا التخاذل، تتآزر الجهات مع بعضها البعض، و مع الدولة أيضا، لتحقيق مصالح "التواجه"، وتطبيق أخلاق  "التواطن"؛ لاتقع من أحدهم مخاذلة، ولا يبدر من طرف أيهم امتناع عن تقديم العون، فكلهم في الوطن يدا واحدة على عدوهم، وجميعهم في المصالح جهة موحدة على حاجاتهم.

   §    التعاون لا الاستئثار بالخيرات؛ فالتواصل والتآزر يقتضيهما وإلا لما كانت هناك من حاجة إلى الانتماء إذا لم يحقق التكامل. والتكامل لا يكون إلا بالتعاون على تحقيق المصالح، والاستعانة بقوة الجميع على تسريع زمن تحقيقها، لا الاستئثار بالخيرات، فهذا ليس إلا وجها من أوجه "الاستبداد" الذي قد يمكن أن تأتيه الدولة، كما كانت تأتيه الدولة الشرقية أيام عز استبدادها ، جلبا للخراج، وتحصيلا للضرائب، وإزهاقا لحقوق الرعايا، أو تسعى إليه جهة من جهاتها، مستغلة هوان الدولة، فتهدم ركنا أساسيا من أركان الحرية التي ينبني عليها الانتماء فيما بين الدولة والجهات.

   §    الحرية لا التبعية؛ لأن الأولى هي الأصل في الانتماء، والأكثر وفاء للخصوصية، والأكثر تعبيرا عن الإبداع، والأفضل تتويجا للقدرة على التواصل. أما الثانية فهي نفي للجهة بالأصل، ومحو لها بالنيابة. لا تكون الجهة جهة إلا بحرية، ولا تكون الدولة دولة للجهات إلا بميثاق الحرية. ومن ثم فالتبعية هي المقدمة الأولى لتآكل الدولة الطامحة إلى الاستقواء بجهاتها ما دامت هذه الأخيرة ضعيفة غير قوية، تابعة غير حرة. 

         لقد تصورنا الدولة قائمة على إحقاق الحق وضمانه، وإقرار القانون وتطبيقه؛ وصيانة الكرامة وحفظها، وتخليق عقلانيتها وأنسنتها. و تصورنا الجهات فقررنا خصوصيتها، وشددنا على حريتها، وأكدنا على تواصلها، وألححنا على إبداعها، وودعونا إلى قوتها. ثم تصورنا العلاقة بينهما علاقة حرة، قائمة على التكامل، ينطبق عليها ما انطبق على الدولة كوحدة، وما انطبق على الجهات كتعدد. وإنا لما تصورنا كل ذلك، لم نلتفت إلى الأسماء التي بها تتسمى هذه الدولة التي جهاتها منتمية إليها انتماء استقلال بقصد التكامل، ولا إلى الأسماء التي بها تتسمى الجهات بها فتنتسب إلى الدولة انتساب حرية بقصد الاستقواء. فقط أحببنا أن نؤكد أنا في كل ذلك نعتقد أن الجهة هي "البداية"، والدولة هي "الامتداد"، سواء في المصالح؛ فالجهة هي أولى في المصلحة من الدولة، والدولة هي آخر امتداد لها، أو في التواطن، فالجهة هي أحق بمشاعر الوطنية من الدولة، والدولة تلحق عليها. لا أثر لأية هرطقة وطنية في هذا، إذ الوطنية في نظرنا حلقات بدايتها من الجهة، وامتدادها في الدولة. تفنى الدولة بشكلها السياسي، وتبقى الجهة بشكلها الحضاري، ويظل معها الوطن بشكله العاطفي. حلقات مترابطة فيما بينها تشكل ما قد يسمى لدينا بـ"التواجه"، أي ممارسة الانتماء إلى الجهة، مبتدؤه في المدينة، ومنتهاه في الوطن. وبذلك يمكن أن نكون أمام بلورة نوع من "التواطن"- أي ممارسة المواطنة- بناء على الجهة أو التواجه، أو قل بناء على المدينة أو مجموعة المدائن التي تشكل نواة الجهة.

الطريس والماسونية...حقنا في المعرفة!!

في مثل هذا اليوم من 27 ماي 1970، تحل ذكرى رحيل الأستاذ عبد الخالق الطريس عن عالمنا. والذين يدركون منزلة الرجل في فكرنا السياسي الوطني، لا بد أن ينزلوه منازل التقدير والإجلال التي تليق بشخصه، وتتواءم مع المهام النضالية والفكرية التي نهض بها؛ سواء وهم يسترجعون مراحل حياته، أو وهم يتذكرون ما ميزها من أفكار ومواقف.

         وبالرغم من أن جيلنا لم يعرف الأستاذ الطريس إلا بوساطة ما كتب عنه، أو عبر ما سمع عنه من شهادات، إلا أن قلوبنا أشربت محبته، ونفوسنا امتلأت فخرا بمشاركتنا إياه انتماءه الوطني؛ لاسيما ممن تهيأت له منا أسباب الاطلاع على فكره السياسي، والاستمتاع بعمله الأدبي.

         ولكن نقطة واحدة ما تزال تشوش علينا محبتنا للرجل، وتنغص علينا تقديرنا لوطنيته ونحن نشارك غيرنا في ذكرى رحيله: تلك هي علاقته بالمحفل الماسوني العالمي.

         الفكرة التي رسخت في أذهان جيلنا عن "الماسونية" أنها ُشعبة من ِشعاب الصهيونية. وبما أنا تربينا على كراهية هذه الأخيرة، ونشئنا على رفض كل مظاهر التطبيع مع كيانها المصطنع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتنا نشتبه في أي شئ له صلة بها أو بالذي يدور في فلكها، ولو كان أقرب إلينا من حبل الوريد. وقرابتنا الوطنية مع الأستاذ الطريس وصحبه ثابتة لا ريب فيها، إما اختيارا أو اضطرارا؛ فإذا كنا نثير قضية علاقتهم بالماسونية، فما ذلك إلا رغبة منا في ترسيخ تلك القرابة، وإبداع فنون أخرى من الوطنية أقرب إلى عصرنا وقضايانا. نفعل ذلك ونحب أن نستوثق من صحة ما نعلمه ابتداء عن علاقتهم المذكورة ، وما هي أسبابها وما هي مبرراتها وما هي سياقاتها حتى لا نشتبه فيم هو جوهري في سيرتهم، ولا نرتاب فيم ارتضوه لهذا الوطن من غايات .

         إن مقصدنا في تبين حقيقة علاقة الأستاذ وبعض صحبه من رجال الحركة الوطنية في الشمال بـ"الماسونية"، هو قطع الطريق أمام أي مغرض يريد اصطناع هذه القضية في الإساءة إلى إرث تلك الحركة في منطقتنا، وصرف أي موتور يتخذها تعلة للتشكيك في منجزاتها السياسية والثقافية والفكرية. وأحسب أن هذا حق جيلنا على الأجيال التي سبقتنا في العمل الوطني والبحث العلمي: حقنا عليهم أن يضعوا بين أيدينا الحقيقة التاريخية عارية من أطيافها السياسية، وخالية من شوائبها الظرفية؛ لكي لا يمضي جيلنا إلى ما لا يستحب من التأويلات، أو يتخذ ما لا يرضى عنه من مواقف. كما أحسب أن هذا عين واجبنا الأخلاقي تجاه الذين سبقونا في الوطنية: واجبنا تجاههم أن نصون ذكراهم عن العبث، وأن نحفظ سيرتهم من الشبهة. وفي نظرنا ليست هناك من وسيلة أنجع من سلاح الحقيقة البتار؛ من غير إخلال بأخلاق المواطنة التي يشاركوننا قيمها، ولا اجتراء منكر على مقاماتهم المحفوظة، فإنا نحبهم محبتنا للحق، ولو أن حبنا للحق أعظم، ونقدرهم تقديرنا للواجب، ولو أن تقديرنا للواجب أشد.

         إن الإجابات التي أعطيت لنا حتى الآن حول هذه القضية من لدن ألمع رجال التاريخ والوطنية في مدينتنا، تنطوي على نقاط كثيرة من العتمة؛ نرى أنها ما تزال تحتاج إلى مزيد ضوء حتى تطمئن قلوبنا. أما ما بذلناه من جهد في تبين حقيقتها فقد اصطدم أغلبه بصعوبة الحصول على الوثائق، وذهب غيره سدى أمام ما لا يفهم من صمت أو تجاهل بعض الناس.

         نحن طلاب الحقيقة التاريخية، ولا يضيرنا إن علمنا أن "الحقيقة" السياسية لم تكن أختا شقيقة لمطلوبنا؛ فلا يحاكم إلا القضاة والتاريخ، أما نحن فإنا نحب أن نعرف أولا، لنختار ثانيا أي السبل أليق لنا وبنا في الوطنية، دون أخذ بمقالة أهل الإرجاء السياسي، ولا سقوط في موقف عدمي لامبال، ولا إساءة الأدب مع من تقدمنا في الوطنية أليس يراد لنا أن نكون خير خلف لخير سلف؟ 


الأستاذ عبد الخالق الطريس

الورقة النظرية (11) مقتضيات الجهة ودولتها

         لكي تتحقق الجهات ودولتها، ولكي تنضبط للديموقراطية؛ باعتبارها وسيطا بينها لا بد من حضور بضع مقتضيات:

         أولاها وجود الجهة كشرط ضروري لتحقيق العلاقة الديموقراطية بين الدولة المفترضة وديموقراطيتها، والجهة المفترضة وخصوصيتها؛ فقد توجد الدولة مؤسسيا دون وجود الجهة كذلك، لأن الدولة كيان سياسي، فيم الجهة كيان ثقافي وحضاري أريدت له السياسة العامة.

         ثانيها توفر الخصوصية الحقيقية للجهة باعتبارها مبرر "جهتها"، و مدعاة "تواجهها" مع الدول أو الجهات الأخرى؛ فلا معنى للجهة إلا بالخصوصية. إن الجهة التي لا خصوصية لها هي عموم المكان. ولما كانت الجهة غير كذلك باعتبارها خصوص المكان، كان من الضروري توفرها على خصوصية بها تتميز، وبها تعرف، وبها تخاطب الدولة كعموم المكان. لا ينبغي أن تكون الخصوصية مما يبتدع طمعا في الانتماء المستقل، بل ينبغي أن تكون طبيعية لها من الشواهد ما يفحم. الخصوصية ليست وليدة الإرادة- إلا فيما اتصل بالحفاظ عليها من الضياع، وصيانتها من الانمساخ- بل هي وليدة الواقع الحضاري والثقافي الذي تبلورت فيه. إذا ابتدعت الخصوصية، بأي وجوهها، كانت مدخلا طبيعيا إلى الادعاء، وبعده إلى الصراع، ومنه توا إلى الحرب الأهلية.

         ثالثها، وجود الإرادة لدى الجهة لكي تنتمي باستقلال إلى الدولة، ووجود الإرادة لدى الدولة باعتبارها صيغة تكامل بين الجهات-لكي تحمي هذا الانتماء باحترام استقلاليته. لا تنتمي الجهة إلى الدولة لكي تهيمن عليها، ولا تستبيح الدولة استقلال وخصوصية الجهة لكي تمارس عليها سلطتها. الجهة ستقاوم، والدولة ستقمع، والتكامل سيتوقف، وطبول الحرب قد تدق.

         رابعها، ترجمة الإرادة إلى وقائع ديموقراطية، وترك الجهة تسير نفسها بنفسها، بلا وصاية عليها ولا توجيه منها. هناك فرق بين الشعار وتطبيق الشعار. علاقة الجهة بالدولة ينبغي أن تتجاوز برزخ الشعار إلى أرض التطبيق لكي تنعم الجهة بحق التكامل، وتستفيد الدولة من واجب التكافل بين الجهات. غير ذلك سيحرمهما من منافع كثيرة، وسيعرضهما لتوترات أكثر ليس أقلها أن تنصرف الجهة عن التواصل إلى "التفاصل"، وهو باب للفتنة الوطنية من الصعب إغلاقه.

خامسها، وضع دستور جهوي يحمي الجهة من أهواء التسلط "الدولتي"، ويصون لها واقع الانتماء المستقل إلى الدولة، كانتماء إلى صيغة، وليس إلى مؤسسة. الجهوية، فوق أنها إرادة في التكامل، مبنية على الطواعية في "الانتماء"، وعلى الإكراه في "الاحتماء"، هي إطار قانوني ينبغي ضبطه بصيغه المؤسسية. ولعل الدستور هنا هو من يتولى تنظيم الجهوية على الأرض، وتصريف فلسفتها إلى حقائق عيانية محسوسة وملموسة كما هو الشأن في عديد التجارب الرائدة في الغرب ممن اقتنع أغلبها أن "الجهوية" اختيارا للمستقبل باعتبارها شكلا من أشكال التدبير الديموقراطي للتعدد.

         سادسها، إيجاد الشروط المادية والأدبية لتحقيق كل ذلك؛ ولا سيما المتعلق منها بالبنى التحتية القادرة على ترجمة الجهوية إلى شخصية عيانية مؤسسية قادرة على صنع القرار الجهوي، والدفاع عنه، ومتابعته إلى حيث يتحقق مشاريع وثمارا وفوائد، مع الإبقاء على الموارد البشرية للجهة، وعدم استبدالها بالتقنوقراط من الغرباء والدخلاء" الذين يصلحون لكل مكان وزمان، بمبرر وطني ضعيف، دون اعتبار لا للحق ولا ما يترتب عنه من أحقية. 

الورقة النظرية (9) مدى انتماء "الجهة" إلى "دولة الجهات"

إن العلاقة مع الدولة، هي علاقة تكامل إذن. ولكي تحقق الجهة تلك العلاقة، عليها أن تنتمي. والانتماء، بمعنى من المعاني، فيه بذرة من الحفاظ على الخصوصية من الذوبان، وصيانة الحرية من الاستعباد، وحماية القوة من الضعف، والحرص على أسباب التواصل كي لا تنقطع. بل إنا نكاد نرى فيه صيغة قريبة من "التنمية"؛ فالانتماء إلى الدولة تنمية الجهة لخصوصيتها ولحريتها وقوتها وإبداعها وتواصلها. لا تنتمي الجهة لكي تفقد خصوصيتها، ولا لكي تتنازل عن شق صغير من حريتها، ولا تفني قوتها في قوة الدولة، ولا تستثمر تواصلها لصالح الدولة. الجهة تنتمي وهي في كامل حريتها، أو قل في تمام استقلالها، وإلا لكان الأمر يتعلق بـ"الاندماج". تندمج الجهة فيغدو كيانها حال في ذات الدولة؛ لا خصوصية تختص بها، ولا حرية تتحرر بها، ولا إبداعا تتميز به، ولا تواصلا تقيمه مع خصوصيات أخرى. الاندماج سلب للشخصية لأنها تذوب في شخصية أكبر هي هنا الدولة. وإذا كان الذوبان والفناء مما يعرف عنهما تعبيرا عن محبة الذائب في الشخص المذيب، كما هو الأمر في الممارسة الصوفية، فإنها هنا ليست إلا تعبيرا عن تنازل مهين عن شخصية مستقلة للجهة ما أحراها إن حافظت عليها أن تثمر من الخير ما لا قبل لها به. ولأن الأمر يتعلق بجهة، من المفروض أن لها كيانا خاصا، فعليها أن تطلب "الانتماء" لا "الاندماج"؛ الأول يحفظ لها "جهتها"، و الثاني "يطمسها". وعلى ذلك فالمدى الذي ينبغي أن تصل إليه علاقة الجهة بالدولة، هو مدى "الانتماء المستقل" المبني على "الاختيار بغاية التكامل".

الورقة النظرية (8) الدولة والجهات: علاقة تكامل لا علاقة “تقاتل"

من المؤكد أن وعي الجهة بمصلحتها، هو الذي يدفعها إلى اختيار الانتماء إلى الدولة أم العزوف عن ذلك الانتماء. إن مصلحتها في التكامل، وضررها في التقاتل، هما اللذان يفرضان عليها إما أن "تنتمي"، فتنال حظها من ثمار التكامل، أو "تعتزل" فتنال قسمتها من غيره. ما يحدث أنها إن اعتزلت الدولة، طمعت فيها هذه الأخيرة إن كانت تطلب التكامل معها، وإن استجابت خشيت من أن تصبح رقما باردا في معادلة الدولة المركزية. لو ضمنت أن الدولة لن تعاديها في حالة الاعتزال، لانصرفت تؤسس كيانها بمعزل عن الارتباط؛ فتكون حرة مختارة لحاضرها ومصيرها، أي أن تكون مستقلة. ولكن مقتضيات التكامل تدفعها لكي تستزيد من قوتها، وتغتني في تعددها مع جهات أخرى، فتطلب الانتماء على مضض منها إلى الدولة لأنها واثقة من أن الدولة مهما زعمت من الحياد ستهيمن عليها؛ إن لم يكن مباشرة، فبكيفية غير مباشرة، خصوصا من لدن الدولة الفاشية المؤسسة على مفهوم الوحدة السرمدية، والمشروع الكوني التاريخي.

         التكامل هو الذي يضعف رغبة الجهة في الاستقلال، وهو الذي يقوي إرادتها في الانتماء دون اعتبار للشعور الوطني، أو الوحدة الدينية، أو القرابة اللغوية، أو ما شابه ذلك من مشاعر تنتفي ومصلحة الجهة. إن الجهة كما حددناها سابقا، لا يمكن أن تكون إلا ذات بعد إيجابي. ولذلك فهي ستختار حتما الانتماء إلى الدولة. ولكن ينبغي أن تزيد على ذلك فنقول إن "الجهة ذات بعد نقدي"، إذا لم تجد من الأسباب ما يجعلها تنتمي عن اختيار وعن حرية، وتضمن تحقق الاستقواء والتكامل في انتمائها، ستطمح إلى تأسيس كيانها كدولة؛ فالدولة في كثير من جغرافيات العالم، ليست إلا جهات ذات نزوع استقلالي عظيم في وقت من الأوقات في تاريخها. لكن مصلحة التكامل وأخلاق الوحدة، هما اللذان يدفعان الجهة إلى الانتماء . هذا إلى أن سماتها، كما سلفنا، هي سمات انتماء بما هي تواصل وحرية وإبداع وقوة.

الورقة النظرية (7) علاقة الجهة بالدولة: علاقة اختيار أم علاقة اضطرار؟

بعد أن تكلمنا على أطراف العلاقة بين الدولة والجهات، نأتي إلى الكلام على العلاقة بينهما في حد ذاتها. فهل توجد علاقة بين الدولة والجهات؟ ما طبيعتها؟ ما هو مداها؟

 إذا تكلمنا بصيغة "دولة الجهات"، فمن المؤكد أن العلاقة بين الدولة والجهة، علاقة موجودة؛ صحت وقائعها أم لم تصح. لقد حددنا طبيعة الدولة كما نتصورها، فقلنا إنها الدولة التي فيها القانون مطبق، والحق فيها مضمون، والعقلانية متخلقة، والكرامة ُمصانة. ثم مضينا فحددنا طبيعة الجهة كما نتصورها، كجهة الخصوصية، والحرية، والقوة، والإبداع، والتواصل. فما قلناه قبلا بصدد أطراف العلاقة ينبغي أن نضيفه الآن إلى علاقة الأطراف. وبناء على ذلك، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم الخصوصية، وتؤكد التواصل، وتحافظ على القوة، وتفسح الحرية لجميع ذلك. ومن ثم فهي العلاقة التي تضمن الحق، وتصون الكرامة، وتطبق القانون، وتتخلق فيها العقلانية. وبعبارة أخرى، فالعلاقة بين الدولة وبين الجهات، هي العلاقة التي تحترم فيها الدولة خصوصية الجهة؛ فلا تمضي إلى مسخها، أو إلى تمرير خصوصية أخرى داخلها، أو تنمط خصوصية نموذجية فتعممها على سائر الجهات. وهي العلاقة التي تترك فيها الدولة الحرية للجهات لكي تصنع لنفسها ما تشاء، تدبر أمورها، وتستقل بشؤونها؛ لا تتدخل في مخططاتها العامة لحياتها، فتحدث فيها من التغيير ما تشاء، أو تبدل فيها ما تريد. وهي العلاقة التي تقدر فيها الدولة إبداع الجهة لنمط حياتها، وكيفية تسيير شؤونها، ومظاهر ذلك الإبداع وتجلياته؛ فلا تفرض عليها أن تتبعها، ولا تكرهها على  النسج على منوالها. وهي العلاقة التي تبارك فيها الدولة كل مساعي التواصل مع الجهات الأخرى أو مع الدولة ذاتها؛ ما دامت تدخل في الخط العام لتحصيل السعادة من كليهما، ولا تحدث ما من شأنه أن يعرقلها، أو يجهض إمكانيات إثمارها واستثمارها واستمرارها. وهي العلاقة التي تنظر فيها الدولة إلى مظاهر القوة في الجهة فتتعهدها بالرعاية، فتستقوي بها، وتظاهر بها غيرها من الدول، لا ساعية في إضعافها، ولا راجية استضعافها، ولا مدبرة تضعيفها. بل إن هذه العلاقة ينبغي أن تنضبط في نظرنا حتى للأسس العامة للدولة ذاتها كما تصورناها. فهي العلاقة التي تثق فيها الجهة أن حقها مضمون لن يضيع، وأن القانون عليها وعلى غيرها لا محالة مطبق غير معلق، وأن علاقاتها بها علاقة عقلانية متخلقة  تنطوي على أبعاد إنسانية.

         ومثلما نرى انضباط العلاقة بين الدولة والجهات إلى ماذكرنا، هكذا نرى ضرورة انضباط العلاقة الممكنة بين الجهات فيما بينها. فعلاقة الجهات فيما بينها، إنما هي في نظرنا علاقة خصوصية؛ تقدر  كل واحدة من الجهات خصوصية غيرها، وتحترم حريتها، وتستقوي بقوتها، وتتواصل معها، راجية أن يكون الحق فيما بينها مضمون، والقانون بينها مطبق، والكرامة فيما بينها ُمصانة، والعقلانية بينها متخلقة. إن علاقة الدولة مع الجهة، وهذه مع غيرها، يعطي في البداية- ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والجهة- الانطباع بأن المركز هو الدولة والهامش هو الجهة. هذا صحيح إلى حد بعيد. إنما هو غير صحيح من أن الدولة هاهنا قد تصبح أمرا لاغيا بمجرد استواء العلاقات فيما بينها وبين الجهات، وفيم بين الجهات وبعضها البعض. إنها لن تظل ثابتة في مكانها مثلما كانت من قبل. الدولة حاضرة لأنها تحاول بسط سلطتها وقد رأت انتفاء العمل بالقيم المؤسسة للدولة ذاتها، وللجهات من بعدها. أما لما تسير القيم في طريقها الطبيعي، تحتجب الدولة وتحتجب معها سلطتها الرمزية، ولا يحتاج الأمر بعدها إلى وجود الدولة دون السقوط في عدمية فوضوية حين الاعتقاد في هذا. فقد تصبح الدولة نواة للوطن خصوصا وأن الشعور بالوطن نادر الوجود في الدولة، فالولاءات ليست إلا للحكام، وليس للأوطان مع أن بداية بروز الحركة الوطنية في كثير من بلدان العالم برز ببروز الشعور الوطني حول "وطن" ما، محدد الجغرافيا، ومعروف التاريخ، ومنتظر منه أن يقوم بدور ما في المستقبل. الأجيال اللاحقة فرطت في هذا الشعور إلا في مباريات كرة القدم، وجمدت على الشعور السلطوي أو الولاء للحكم وللنظام السياسي خاصة بعد تسلط الأنظمة القطرية على مصائر البلدان العربية. والتمركز الذي تبديه الدولة الآن ليس إلا تمركز نخبة سياسية حاكمة، دينية كانت أو علمانية، عسكرية أو مدنية. ومع ذلك لا الدولة بالمركز، ولا الجهات بالهامش. كلها مراكز في نفس الوقت، أو باختلاف الأوقات. وكلها هوامش في نفس الوقت أو باختلافها. لنسلم بمركزية الدولة تجاه جهاتها، فنقول إن الكيفية التي تحدثنا بها عن أنماط العلاقة مع الأطراف، هي كيفية توحي بمركزية الدولة وبهامشية الجهات؛ فالدولة هي التي يجب أن تحترم الخصوصية، وترعى الحرية، وتسمح بالإبداع، وتسمح بالتواصل، وهي الدولة التي ينبغي أن يكون فيها الحق مضمون، والقانون مطبق، والكرامة مصانة، والعقلانية متخلقة.

         إن دولة هذه صفاتها، وعلاقة هذه أحوالها، تطرح، شئنا أم   أبينا، سؤال "الانتماء". هل هذا الانتماء، انتماء اختيار أم انتماء اضطرار؟ لاشك أن أسمى انتماء يمكن أن يميز الجهة كما حددناها، هو انتماء نابع عن الاختيار والحرية، لا عن الاضطرار والقهر. فجهة حرة، ذات خصوصية قوية، مبدعة ومتواصلة، بالضرورة تختار الانتماء إلى دولة بالمواصفات التي حددنا، دولة الحق فيها مضمون، والقانون مطبق، والعقلانية فيها متخلقة، والكرامة فيها ُمصانة. ومعنى ذلك أن الجهة تبحث عن التكامل مع دولة الجهات متى انتمت إليها انتماء اختيار، ورأت فيها من الأسباب ما يعزز خصوصيتها بين الخصوصيات، ويقوي قوتها بين القوى، ويدعم حريتها بين الحريات، ويغني إبداعها بين الإبداعات، ويثري تواصلها بين المتواصلات. ما لم تكن دولة الجهات بالمواصفات التي ذكرنا، وما لم تتهيأ للجهة أسباب التكامل المعقولة معها، تنتفي دواعي الانتماء أصلا، وتصبح العلاقة هاهنا علاقة "تقاتل".  إن الدولة تجهد وسائلها من أجل إخضاع الجهة لسياستها وفق المنظور الذي ترتئيه، والجهة تستنفر طاقتها من أجل مقاومة ضغط الدولة. التكامل والتقاتل هما اللذان يحددان ما إذا كانت توجد العلاقة بين الدولة والجهات، ومن ثم تكشف طبيعة هذه العلاقة هل هي علاقة تكامل أم علاقة تقاتل؟

الورقة النظرية (6) دولة الجهات والديموقراطية كـ"سعادة"

بعد أن تكلمنا على طرفي العلاقة في "الديموقراطية ودولة الجهات"، نأتي إلى الكلام عن الطرف الثالث، والمتعلق بدولة الجهات. لا بد من الإشارة إلى أن أي تصور يمكن طرحه في هذه المسألة أو غيرها، إنما هو مؤسس على الجانب النظري، المحكوم أساسا بعنصر الإمكان لا بعنصر التحقق. أمامنا تجارب عالمية هنا وهناك، مثل التجربة الأمريكية أو الميكسيكية أو الإسبانية؛ التي تقوم على المبدأ الفدرالي الذي  يحكم أطراف العلاقة فيما بين مكوناتها. ويجوز أن يكون هذا هو النموذج الذي يوجد لدى البعض منا وهو يطلب "دولة الجهات". ولكن لا يجب الذهول عن شروط توفرت لتلك التجارب  حتى أدركت ما هي عليه من نموذج، فيم لم تتوفر لنا نحن تلك الشروط بالكفاية اللازمة.

         وعلى أية حال، لا بأس من القول إن مجرد طرح هذه المسألة للتداول الفكري والسياسي؛ في الوقت الذي ما زلنا لم نحسم بعد في قضية الديموقراطية، وأية مسالك ينبغي سلوكها لكي نبلغ إليها، لهو مكسب يحققه الفكر السياسي الوطني الـّذي ينتظم فيه "الإطار الحقوقي الشمالي"، ويحسب له في تاريخ صراعه من أجل نيل مقاصده النبيلة. في هذا الإطار من النظر، نحب أن ُيفهم عنا المنحى العام الذي يسير فيه تصورنا.  

         إن هذا التصور المتعلق بدولة الجهات،  يستعيد الأسس العامة التي حددناها من قبل للدولة ذاتها، ويعتبر بالركائز الأساسية للجهات كما سبق أن بسطناها. لقد تصورنا الدولة ككيان الحق فيه مضمون، والقانون فيه مطبق، عقلانيته متخلقة، والكرامة فيه مصانة. كما تصورنا الجهة كوحدة لها خصوصية تنعم بالحرية، وتعز بالقوة، وتتميز بالإبداع، وتقدر على التواصل. هذه الأسس العامة التي توجه تصورنا للدولة، مضافة إليها هذه الركائز الأساسية التي تحكم تصورنا للجهة، هي التي نصدر عنها في تصورنا لدولة الجهات؛ فكأنا بذلك ندمج هذه بتلك، حتى تخرج بثمرة واحدة هي دولة الجهات وقد استقام عمودها، ونضج رطبها. إنا نعتبر أن دولة الجهات تحتمل وحدة في تعدد، أو قل تعددا في وحدة. فالدولة هاهنا، بمعنى من المعاني، كيان موحد، فيم الجهات كيانات متعددة. والجهات من ناحيتها تعدد، ولكنه مرتبط بكيان موحد هو الدولة. فالجهات هي الدولة وقد تعددت، والدولة هي الجهات وقد توحدت. الدولة هي التي "تداول" الجهات في تعددها، والجهات هي التي "تواجه" الدولة في توحدها. لماذا هذا الارتباط؟ لأن صيغة "دولة الجهات" لا تحتمل غير هذه العلاقات بين الجهات وبين الدولة. فالجهات هنا مضافة إلى الدولة، مكسورة بكسر الإضافة والجر، مجرورة بحركة الانتماء والخضوع. فالدولة بما هي توحد، تتألف من جهات بما هي تكثر. ولكن ليس من الضروري أن تكون تلك الجهات على وعي تام بجهتها، أي بكيانها من مجموع المكان الذي تتألف منه الدولة؛ فقد يجوز أن نصادف "دولة الجهات" وقد غاب عنصر الشخصية في الجهة، وغاب الوعي بخصوصيتها، فلم تكن فرضا من التاريخ ولا من الجغرافيا، وإنما قرارا إداريا اتخذته السلطة لدواع أمنية أو سياسية أو إدارية. هنا تطرح مسألة طبيعة دولة الجهات ما هي؟ كما تطرح مسألة العلاقات فيما بينها كيف هي؟ لنؤجل قليلا الكلام في العلاقات، ولنواصل الكلام في الأطراف. كيف هي دولة الجهات بهذا الشرط الذي قدمنا، أي الوحدة في تعدد، والتعدد في وحدة؟

         إن دولة الجهات، كما نعتقد فيها، هي ذلك الكيان الذي يضمن فيه الحق، ويطبق فيه القانون، وتتخلق فيه العقلانية، وتصان فيه الكرامة؛ كيان بخصوصية متميزة، وبحرية ظاهرة، وبقوة قاهرة، وبقدرة على التواصل جبارة. أي إنه ذلك الكيان الجامع بين الدولة من ناحية، والجهة من ناحية أخرى. ومعنى ذلك فإن ما اعتقدناه للجهة هو عين ما نعتقده ونؤمن به لتركيبها مع الدولة، أي دولة الجهات.

         ومع ذلك فإنا نحسب أن هذا التركيب لا يعكس تلك الرغبة الطبيعية التي نملكها في أن تكون دولة الجهات كما نحب ونشتهي؛ كاملة مطلقة بغير آفة أو عيب. هناك شئ منفلت عنا باستمرار في هذا الخليط التركيبي بين الدولة وبين الجهة. ولعله يكمن في أن الدولة هي الكيان المشرف على "تواجه الجهات"، وتدبير شأنها العام. إنها بمثابة تلك المدينة التي تحدث عنها الفكر السياسي القديم مع "أبي نصر الفارابي" لما جعلها موضع اجتماع الناس لكي يتعاونوا على الأشياء التي بها ُتنال السعادة في الحقيقة؛ فلو طبقنا هذا التحديد من الفكر العربي الإسلامي على موضوعنا، لقلنا إن دولة الجهات هي موضع اجتماع الجهات وقد تعاونت على أشياء بها تنال السعادة في الحقيقة. لن نفصل أكثر في مسألة ما هي هذه "الأشياء التي بها تنال السعادة في الحقيقة" ،لأن مكانها هو الكلام في العلاقات. ما نحب التأكيد عليه هاهنا، هو أن أفق دولة الجهات هنا هو "السعادة". إنه أفق رحب ينبغي منذ الآن رد الاعتبار إليه في الفكر السياسي الوطني، واطراح مضمونه الميتافيزيقي، والإبقاء على مضمونه الفيزيقي. فالدولة مهما كانت، والجهة كيفما كانت، ودولة الجهات حسب ما كانت، هي كيانات منتهى غرضها تحقيق السعادة فيما لو بقينا في إطار الفكر الإيجابي المتمنطق بقيم الجدوى. أما إذا لا، فليس مسعى أي منهما إلا "الإشقاء"، وهو نظير ما أثمرته مختلف أنماط الدولة القاهرة في الشرق أم في الغرب. إذا كانت هذه الكيانات تطمح إلى الديموقراطية، فهي، بمعنى من المعاني، لا تطمح إلا لتحقيق الوسيلة، أما الغاية في الحقيقة فهي "السعادة". ومن ثم فإن أخص خصائص الدولة، سواء كانت دولة واحدة أم دولة الجهات، هي رعايتها للأشياء التي بها تنال السعادة. فهل تقدر دولة الجهات على هذا الدور، وهل تراها قادرة على النهوض بأعبائه؟



<<الصفحة الرئيسية
[ الصفحه:1/2 ] لصفحة التالية>>